هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟

تونس

هل تنوي "النهضة" التغوّل في الساحة السياسية التونسية؟


01/09/2019

بعد مخاض عسير، قرّرت حركة النهضة ترشيح عبد الفتاح مورو، نائب رئيس الحركة ونائب رئيس مجلس النواب، قبل أن يصبح رئيساً للمجلس مؤقتاً، إثر وفاة الرئيس الباجي قايد السبسي، منهية بذلك سيل التخمينات الذي لهج به الشارع التونسي.

وصول مورو إلى الرئاسة سيجعل الجميع يتمترس ضدّ حركة النهضة في التشريعية لمنعها من التغوّل

وكان الغنوشي أعلن، في كانون الثاني (يناير) الماضي؛ أنّ ليس لديه طموحات شخصية في الوصول إلى قرطاج، وأعلن في تصريح إعلامي آخر؛ أنّ النهضة "تبحث عن العصفور النادر الذي ستدعمه"، وهي تصريحات يرى مراقبون أنّها مجرد مراوغات هدفها فكّ الضغط عن الحركة، وجسّ نبض الشارع، وملاحظة ردود أفعاله المختلفة، ولم يعد السؤال المطروح: من سترشّح الحركة لرئاسة الجمهورية؟ وإنما دفع القرار بالمحللين والمراقبين إلى أسئلة أخرى أهمّ: ما الدوافع والغايات التي جعلت الحركة ترشّح من داخلها مرشّحاً للرئاسيات؟ وهل تنوي "التغوّل" في الساحة السياسية التونسية بعد ترشيح الغنوشي نفسه للبرلمان، طمعاً في رئاسته وفي الحصول على أغلبية في المجلس تمكّن أيضاً من تشكيل الحكومة؟ وما دلالات هذا القرار وأبعاده؟
عبد الفتاح مورو

جدل واسع داخل "النهضة"
ترى الصحفية والمحللة السياسية، منية العرفاوي؛ أنّه "ليس من الخفي أنّ ترشيح مورو لم يكن خيار الحزب برمّته؛ بل خيار مجلس الشورى، وأنّه أتى إثر معركة برزت من خلال تصريحات بعض القيادات بين المكتب التنفيذي للحركة، بقيادة راشد الغنوشي، ومجلس الشورى الذي يضمّ قيادات تاريخية".

اقرأ أيضاً: النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة
وترى العرفاوي، في تصريح لـ "حفريات": أنّ ذلك "أتى إثر قفز الغنوشي على نتائج الانتخابات التمهيدية في الدوائر الانتخابية، وطرح نفسه كمرشح على دائرة "تونس 1"، كلّنا نذكر تلك الرسالة التي وجهها القيادي، عبد اللطيف المكي، عبر حسابه على الفيسبوك، ناعتاً الغنوشي بأنّه "عبث بالديمقراطية"، وأنّه لم يحترم إرادة الناخبين القاعديين، كما نتذكر تصريح سمير ديلو؛ بأنّ القيادات تختنق، وأنه قد يستقيل من الحركة".
 راشد الغنوشي

"هيبة" الحركة على المحكّ
قبيل انتخابات 2014، التي فاز فيها الرئيس السابق، الباجي قايد السبسي، أعلنت حركة النهضة أنّها لن تدعم أيّ مرشّح في الرئاسيات، رغم وجود الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، حليفها زمن الترويكا، بعد أن انسحبت من السباق نحو قرطاج، ولم ترشّح أيّاً كان من قياديي الحركة، ولكن يبدو أنّ المعطيات تغيَّرت، والساحة السياسية لم تعد مضمونة، والطريق لم تعد آمنة، في ظلّ اتهامات تواجهها الحركة بوجود جهاز سرّي، وبتورط في الإرهاب والاغتيالات السياسية، ودعم شبكات تسفير الشباب نحو بؤر التوتر، وإبعاداً لإمكانية فوز "خصم" من خصومها، أو "عدو" من أعدائها، فإنّ الحركة قرّرت التقدّم إلى الرئاسيات.

النهضة تدرك أنّ منافسيها في حالة ضعف والحركة الإسلامية تعنيها السلطة أكثر مما يعنيها العمل في اتجاه المجتمع

وتذهب المحللة السياسية، منية العرفاوي، إلى معنى قريب، إذ تقول: "يبدو أنّ مجلس الشورى الذي ما يزال يحتفظ بنفوذه داخل الحركة، أراد فرض إرادته على الغنوشي والمكتب التنفيذي؛ من خلال فرض ترشيح مورو، الذي يعدّ من أبرز الوجوه التاريخية للحركة، وذلك يخلط إلى حدٍّ ما حسابات الغنوشي؛ حيث كان طموحه منصبّاً على رئاسة البرلمان، والدفع بالحركة إلى السيطرة على التشريعية، بينما كان المخطط الأول أن تدعم مرشحاً "مضموناً" من خارجها".
وتتابع العرفاوي: "لكن، اليوم اختلطت الأوراق، ولم تعد النهضة مخيَّرة، فعليها أن تدعم مورو للحفاظ على "هيبتها" السياسية، خاصة أنّ هذه الانتخابات الرئاسية المبكرة، بدورها، خلطت الأوراق؛ لأنّ نتائجها ستؤثر بطريقة ما على التشريعية، فإذا فشل مورو، سينعكس ذلك سلباً على الحركة، والعكس صحيح؛ لأنّ وصول مورو إلى الرئاسة سيجعل الجميع يتمترس ضدّ حركة النهضة في التشريعية، لمنعها من التغوّل، وبالتالي سيجد الغنوشي نفسه في أقلية برلمانية".

هل ترشّح النهضة للرئاسة جدّي؟
تأويلات كثيرة فسّرت إقدام حركة النهضة على ترشيح عبد الفتاح مورو للرئاسة؛ بين مَن يرى أنّها تنوي فعلاً افتكاك مقعد قرطاج، ومَن يرى أنّها ورقة للمناورة فيما بعد على ضمان مستقبلها، وتواصل نفوذها في الساحة السياسية، أو مَن يرى أنّها دفعت بمورو لـ "معاقبته"، والتخلص منه في حال خسارة الانتخابات.
في تصريحها لـ "حفريات"، ترى العرفاوي؛ أنّ "ماكينة حركة النهضة قادرة على إيصال مورو إلى الرئاسة، لكنّ الحركة لن تفعل ذلك، أو ستفكّر ملياً قبل أن تفعلها؛ لأنّ رهانها الأساسي هو التشريعية والأغلبية البرلمانية، التي ستسمح للغنوشي بأن يكون رئيس المجلس؛ فالأغلبية تعني أنّ النهضة من حقّها تشكيل الحكومة، واختيار رئيسها".

اقرأ أيضاً: سطوة الغنوشي تُفاقم الخلافات داخل حركة النهضة
وأوضحت العرفاوي؛ "النهضة لن تغامر باحتكار الرئاسات الثلاث، رغم أنّها قادرة على ذلك؛ لأنّها الأكثر تنظيماً، وبالنظر إلى هشاشة القوى السياسية الموجودة وتشرذمها؛ لأّنها تدرك جيداً أنّ أيّة شبهة تغوّل ستواجَه بصدٍّ ورفض كبيرَين من قبل المجتمع، وستكون إزاء سيناريو الترويكا، عام 2012، وهي لن تعيدها؛ لأنّه ليس من صالحها، بل ستحاول اقتسام السلطة مع مَن تراه الأقرب والأكثر توافقاً معها".
في الأبعاد والدلالات
أما عن أبعاد هذه الخطوة ودلالاتها؛ فيرى المحلل السياسي التونسي، هشام حاجي؛ "اختيار حركة النهضة لمرشَّح من داخلها له، في تقديري، عدة دلالات ودوافع؛ فهو إشارة إلى نهاية سياسة التوافق، وما ارتبط بها من "مقايضات" على السلطة، وتأكيد على أنّ الحركة غير مستعدة لتقديم "هدايا"، سواء للخصوم أو الحلفاء، الممكنين والمحتمَلين، وأنّها تتبنى حالياً ما يمكن اعتباره منهج "حقيقة المشهد السياسي" والتعامل معه كما هو".

اقرأ أيضاً: انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس
وتابع حاجي، في تصريح لـ "حفريات": "ترشيح عبد الفتاح مورو فيه أيضاً إحراج لرئيس الحركة، راشد الغنوشي، الذي كان من المتمسكين بعدم تقدم حركة النهضة للتنافس على رئاسة الجمهورية، وفيه محاولة لاستمزاج آراء القوى الدولية، في ظلّ ما راج من أنّ هذه القوى التي "ترعى" الانتقال الديمقراطي التونسي، وتوجّهه، ترفض دخول النهضة إلى قصر الجمهورية بقرطاج، وتحرص على "تقاسم توافقي للسلط"، وهذا الترشيح كان ورقة استعملتها حركة النهضة لخلق ديناميكية تقارب وتجاوز الخلافات داخلها، خاصّة أنّ الشخصية التي تمّ ترشيحها لم تنخرط في الصراعات التي تعيشها الحركة، بالتالي؛ فإنّ فوزها، إن وقع، سيحسب لفائدة الجميع".
مطبّات ورهانات
كثيراً ما يشير الغنوشي إلى النتائج الإيجابية التي حققتها الحركة، في انتخابات 1989، في مجلس النواب، ويذكرها بأنّها كانت "لعنة" أصابت الحركة، وفتحت عليها نيران السلطة، وهي لحظة تستعاد إزاء تهمة إرادة التغوّل التي باتت واضحة لدى الحركة، بعد أن تفتت خصمها القوي "نداء تونس"، وترهّلت المعارضة الديمقراطية والحداثية، وعبثت الانشقاقات بالعائلة اليسارية، وخلت لها الساحة.
وفي هذا السياق؛ يؤكّد حاجي أنّ "وصول عبد الفتاح مورو إلى سدّة الرئاسة سيضع حركة النهضة أمام مطبّات ورهانات جديدة، خاصّة أنّها لا تخفي انخراطها في سياسة المحاور على المستوى الإقليمي، ولهذا اختارت، في اعتقادي، عبد الفتاح مورو؛ لأنّه براغماتي وقادر على التأقلم مع المستجدات أكثر من راشد الغنوشي، ولا أعتقد أنّ النهضة مرفوضة دولياً، لأنّها كلما حُشرت في الزاوية قدّمت تنازلات، وهذا هو المطلوب من الراعي الأمريكي وحلفائه الكبار، وهؤلاء لا يعنيهم كثيراً اصطفاف النهضة إلى جانب قطر وتركيا، وخلافها مع السيسي لا يؤرق كثيراً الإدارة الأمريكية، المهتمّة بأن تكون السلطة في تونس منخرطة أكثر في السياسات الأمريكية الخاصة بالمغرب العربي، وأساساً ليبيا والجزائر، وخاصة تصفية القضية الفلسطينية ومزيد إنهاك سوريا".
حاجي: عبد الفتاح مورو براغماتي وقادر على التأقلم مع المستجدات أكثر من راشد الغنوشي

إرادة التغوّل وأولوية السلطة
تدرك حركة النهضة جيداً أنّها، بسيطرتها المحتملة على مجلس نواب الشعب والحكومة ورئاسة الجمهورية، ستكون في مرمى نيران الجميع، وستواجه تهمة "التغوّل"؛ أي السيطرة المطلقة على القرار في تونس، غير أنّها تبدو في الظاهر سائرة نحو هذه النقطة على مهل، وتحشد قواعدها للتصويت بقوة لمرشحيها للتشريعية والرئاسية، وتتوعّدهم بالعقاب في حال خروجهم عن الصفّ، والتعاطف مع مرشّحين من خارجها.

اقرأ أيضاً: قرار للغنوشي يشعل الخلافات في حركة النهضة
ويرى حاجي؛ أنّ "من أسباب ذلك، أنّ حركة النهضة قد قررت، منذ حزيران (يونيو) 2018، إنهاء ما أسماه الغنوشي "عصر تنازلات النهضة"، وهو ما يعني أنّها لن "تخجل" من التغوّل، خاصّة أنّ حركة "نداء تونس" قد سبقتها إلى ذلك، وتحصّلت على رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس نواب الشعب".
ويضيف: "النهضة تدرك أنّ منافسيها في حالة ضعف، وأنّ بعض الوهن أخذ يتسرّب إلى جسمها، وقد تكون السلطة، بحسب بعض إطاراتها، المنشّط الذي يعيد الحيوية إلى هذا الجسم، خاصّة أنّ الحركة الإسلامية تعنيها السلطة أكثر مما يعنيها العمل في اتجاه المجتمع".

الصفحة الرئيسية