هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟

هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟

30/09/2019

على الرغم من الاختلاف الشاسع بين الفكر السياسي الشيعي من جهة والفكر السياسي الغربي الحديث من جهة أخرى، إلا أنني ألاحظ تشابهاً بينهما، وإن كان خافتاً؛ الولي الفقيه ينوب عن إمام غائب، والنظام البرلماني أو النيابي الغربي ينوب عن شعب غائب. هنا تكون فكرة النيابة ذاتها قائمة على طرف غائب، غير حاضر بنفسه وغير فاعل بذاته، بل حاضر بغيره وفاعل بواسطة أخرى غير ذاته.

اقرأ أيضاً: هل تمثل ولاية الفقيه إجماعاً في الفقه الشيعي؟
يقول عبد الجواد ياسين إنّ فكرة الغيبة الكبرى؛ أي غيبة الإمام الشيعي، أدت إلى ظهور "فكرة النيابة المنظمة التي تمارس سلطة الإمام التنظيمية والإرشادية..." (اللاهوت، ص 202).

فكرة النيابة ذاتها قائمة على طرف غائب غير حاضر بنفسه وغير فاعل بذاته بل حاضر بغيره

هذه النيابة كانت منذ زمن طويل في يد فقهاء الشيعة الكبار، وكانت قاصرة على الشأن الديني، حتى طورها الخميني إلى نظرية ولاية الفقيه، فصار من حق الفقيه تولّي كامل سلطات الإمام بما فيها السلطة السياسية والتي تعبر عنها كلمة "الولاية"، فبعد أن كان الفقيه نائباً للإمام الغائب، صار ممثلاً له ويحتل مكانه بالكامل وممارساً لكل سلطاته.
الفكرة التي أريد التركيز عليها هنا هي الفكرة الأصلية التي صدرت عنها كل هذه التطورات: الغيبة. فالفقيه، سواء كان نائباً أو ممثلاً للإمام، فهو يمثل إماماً غائباً؛ الغيبة إذن هي الأساس.
دعونا من هنا ننتقل إلى الفكر السياسي الغربي؛ الديموقراطية السائدة في التجربة التاريخية الغربية هي الديموقراطية النيابية؛ أي هي تنوب عن الشعب وعن حقه في الحكم المباشر لنفسه. ومن مؤسسات الديموقراطية المؤسسة النيابية الأساسية على مختلف مسمياتها: برلمان، كونغرس، مجلس عموم، مجلس أمة، مجلس شعب...إلخ. المجلس النيابي هو العمود الفقري للنظام الديموقراطي، هذه الديموقراطية "النيابية" ليست ديموقراطية مباشرة يمارس فيها الشعب حكم نفسه مباشرة، بل يختار من ينوب عنه.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت الإمامة الكبرى من صلاحيات "الولي الفقيه"؟
تفترض فكرة النيابة أنّ ذلك الذي يُناب عنه غائب: غيبة الشعب في الفكرة النيابية الغربية توازي غيبة الإمام في الفكر السياسي الشيعي، وفي الحالتين تستدعي الغيبة من ينوب عن الغائب، سواء كان هذا النائب مجلساً نيابياً أو ولياً فقيهاً. 
يعد الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت Carl Schmitt (1888 – 1985) أبرز من قدم نقداً للنظام البرلماني الغربي القائم على أسس ليبرالية، وذلك بمواجهته بأشكال أخرى من الفعل السياسي الشعبي مثل الثورات وأنواع الديموقراطية المباشرة ومختلف أنواع الحكم الذاتي والمجالس الشعبية. ففي نظره، تؤسس كل الدساتير البورجوازية - الليبرالية الغربية لديموقراطية غير مباشرة، يحل فيها النظام البرلماني محل الشعب بالكامل، وبحيث يتولى هذا النظام التشريع والحكم في غياب الشعب ويعمل بما يتولاه من سلطات على المزيد من تغييب الشعب.

اقرأ أيضاً: ثنائية طائفية يسوقها الولي الفقيه
والحقيقة أنّ شميت بهذا النقد قد وضع يده على أحد أهم خصائص عصر الحداثة الأوروبية، وهو حلول الدال signifier محل المدلول signified، تلك الخاصية التي انتشرت في مختلف جوانب الحداثة، على مستوى اللغة والأدب والفن والفلسفة والسياسة.

الديموقراطية النيابية لا يمارس فيها الشعب حكم نفسه مباشرة بل يختار من ينوب عنه

يتضح لنا من نقد شميت لمبدأ التمثيل السياسي representation مدى القرب بين هذا المبدأ وبين نظرية ولاية الفقيه، كانت النشأة الأولى لهذا المبدأ دينية – كهنوتية خالصة، وهذا هو ما يؤكد لنا قرابته من نظرية ولاية الفقيه، المرتبطة بالكهنوت الشيعي من جهة (النظام التراتبي الصارم لرجال الدين الشيعة)، وباللاهوت السياسي الشيعي من جهة أخرى.
يذهب شميت إلى أنّ مبدأ التمثيل كان قد نشأ في بداياته الأولى في الكنيسة الكاثوليكية (Schmitt, Roman Catholicism and Political Form, p. 14)، حيث كان البابا في روما هو نائب المسيح Vicar of Christ ؛ والملاحظ هنا أن الولي الفقيه هو نائب الإمام الغائب كما أن البابا هو نائب المسيح الغائب.
هذا التوازي بين النظامين الكاثوليكي الروماني والشيعي الإيراني يدلنا على حضور فكرة الغيبة فيهما معاً، فليست هناك نيابة، وليس هناك تمثيل، إلا بغياب الطرف المناب عنه وحضور الطرف الذي ينوب عنه؛ كما يدلنا على أنّ ولاية الفقيه الإيرانية هي كهنوت ديني – سياسي عن جدارة؛ لأنّها متجانسة بنيوياً مع أشهر نظام كهنوتي في التاريخ وهو الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي
والحق أنّ الغيبة الحقيقية ليست هي غيبة الإمام الغائب الذي يمثله الولي الفقيه، وليست هي غيبة المسيح الغائب الذي يمثله وينوب عنه البابا الكاثوليكي، بل هي غيبة الشعب، الذي تستمر غيبته في ظل وجود الديموقراطيات الشكلية الحالية والتي تجعل النظام النيابي "ينوب" عنه؛ أي يحل محله بالكامل، و"يمثله"؛ لأنّ التمثيل هو تمثيل لشخص غائب غير حاضر بنفسه وغير فاعل بذاته.

يعد الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت أبرز مَن نقد النظام البرلماني الغربي القائم على أسس ليبرالية

وبالتالي فإنّ الغيبة هي نوع من الاغتراب Alienation؛ أي نزع الخصائص السياسية عن الشعب وإلحاقها بكيان منفصل عنه، تتضح لنا هذه الخصائص إذا تأملنا في الصفات المشتركة بين المسيح الغائب والإمام الغائب، هذه الصفات هي: العصمة، القداسة، السيادة، الوجاهة، الشرف (Schmitt, Roman Catholicism and (Political Form, p.31, 32. إنّها في حقيقتها حصائص السيادة الشعبية، مغتربة عن الشعب ومشخصنة في فرد واحد يمثل التجسيد الحي لها، وكان شميت على وعي بذلك عندما ذهب إلى أنّ أغلب المفاهيم السياسية الحديثة هي "علمنة" لمفاهيم لاهوتية (Schmitt, Political Theology, p. 36)   
ويكشف شميت عن العملية التاريخية لانتقال مبدأ التمثيل من الكنيسة إلى الدولة الحديثة. ففي أوائل العصر الحديث ظهر مبدأ التمثيل داخل النظم الملكية؛ حيث كان الأمير أو الملك ممثلاً للإقطاعيين والأرستقراطية؛ ثم صار الملك ممثلاً للجهاز الإداري للدولة أو السلطة التنفيذية، بعد أن ظهرت البرلمانات الحديثة واتخذت السلطة التشريعية.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
وبعد ظهور النظم البرلمانية صار أعضاء البرلمان ممثلي الشعب كله، وصاروا يحوزون على سلطة مستقلة تماماً عن ناخبيهم، متمتعين بحصانة تذكرنا بفكرة العصمة اللاهوتية، وهم على الرغم من كل القيود القانونية عليهم إلا أنّهم في الحقيقة غير مسؤولين إلا أمام ضمائرهم، وهنا يلعب الضمير باعتباره صوتاً أخلاقياً داخلياً الدور القديم للوحي أو الإلهام عند أئمة الشيعة، أو الروح القدس في المسيحية.

يتضح من نقد شميت لمبدأ التمثيل السياسي مدى القرب بين هذا المبدأ ونظرية ولاية الفقيه

لكن العلمنة التي حدثت للمفاهيم اللاهوتية المسيحية في الغرب والتي انتقل على إثرها مبدأ التمثيل من الكنيسة إلى البرلمان، ومن شخص البابا إلى نواب الشعب، ومن صوت الله إلى صوت الشعب، لم تحدث في العالم الإسلامي الذي لم يمر بعملية تحديث حقيقية شاملة، وبالتالي لم يمر بحركة علمنة، فظلت المفاهيم اللاهوتية القديمة حاضرة ومسيطرة ولم يحدث لها أي انقطاع، وهذا ما مكّن الخميني من استعادتها كما هي دون تغيير كبير، بل إنه طورها بأن قام بمدِّها على استقامتها، فصار الولي الفقيه هو القائد السياسي للأمة وليس مجرد موجه ديني أو روحي لها.
في نظرية ولاية الفقيه الخمينية لا نزال نرى فكرة النيابة عن الإمام الغائب حاضرة كما هي ومستمرة من الماضي الشيعي ومستدعاة من تراث قريب. وعلى الرغم من كل الاختلافات الكثيرة بين النيابة الدينية الشيعية والنيابة السياسية الغربية، إلا أنّ النوعين ينطويان على تغييب صاحب السيادة الحقيقي وهو الشعب.

الصفحة الرئيسية