هل تعوّض موريتانيا طموح تركيا في ليبيا؟

هل تعوّض موريتانيا طموح تركيا في ليبيا؟

مشاهدة

07/04/2021

خلال الزيارة الوحيدة واللافتة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موريتانيا في آذار (مارس) عام 2018، صرّح أردوغان خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الموريتاني آنذاك محمد ولد عبد العزيز قائلاً: إنّ مصالح بلاده مع موريتانيا قائمة على "المكاسب المشتركة".

كان أردوغان واضحاً إذاً في رغبته الاستفادة من الدولة الأفريقية ذات الأهمية الاستراتيجية، فهي تطلّ على الأطلسي، ووقتها كانت أكثر من 40 سفينة تركية تصيد الأسماك في المياه الموريتانية، وأضاف الرئيس التركي: "أعلم أنّ موريتانيا لديها إمكانيات كبيرة في مجال المعادن والتعدين، وهو مجال تتمتع فيه تركيا بخبرات كبيرة، نرغب في تقديمها لصالح أخوتنا في موريتانيا".

تسير المحاولات التركية الناعمة جنباً إلى جنب مع تطور لافت في العلاقات السياسية والعسكرية، ومؤخراً وجهت تركيا دعوة إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني وزوجته لزيارة تركيا

وبالنسبة إلى الدولة الأفريقية الفقيرة، التي قلّما تلتفت إليها الأنظار، فإنّ فرص التعاون مع أنقرة تبدو مغرية للغاية.

خفت الحضور التركي أو القوة الناعمة واستحضارها إلى الواجهة في موريتانيا، مع توسعات تركية وتوغل لنفوذ أكثر استراتيجية وخطورة في القارة، وفي المقدمة الدور الذي لعبته في ليبيا خلال الفترة الماضية، حيث أشعلت الصراع العسكري لتحقيق سطوة على القرار الليبي، وجني الثمار بدأ من الغاز في المتوسط مروراً بقاعدة مهمة تطل على أوروبا المنافسة لتركيا، لا سيّما بعض بلدانها مثل فرنسا.

ومع فشل المخطط التركي في ليبيا، في ظل تضافر دولي في مواجهته، تصدّرته دول مثل مصر وفرنسا، عادت موريتانيا لتتصدّر الساحة من جديد، وسط تحركات ناعمة متزايدة لأنقرة هناك، لا تحقق طفرات أو نفوذاً لحظياً لافتاً، إلّا أنها قد تمثل تهديداً على المدى البعيد، لا سيّما أنها تستخدم الوصفة ذاتها التي سبق أن أجدت نفعاً مع الصومال، حيث المساعدات الإنسانية فالعسكرية، مع التركيز على المدخل الديني، الذي يبدي فاعلية لا تقاوَم في استمالة الشعوب.

وهنا يبرز ما يمكن أن تحققه مبادرة مثل "لتكن هديتي القرآن"، التي أطلقتها أنقرة حول العالم في العام 2015، في استمالة الشعب الموريتاني، فقد وزّعت مؤسسة تابعة لأنقرة مئات المصاحف على طلاب فقراء لم يكن لديهم مصاحف، ويتعلمون القرآن الكريم على ألواح خشبية.

وزّعت فرق الوقف بالتعاون مع الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية في ألمانيا نسخاً من القرآن الكريم على الأطفال في موريتانيا، وذكر الوقف في بيان، الإثنين، أنّه "يخطط لتوزيع 10 آلاف نسخة من القرآن الكريم على الأطفال الذين يدرسون في ظل شروط صعبة في منطقة براكنا جنوبي العاصمة الموريتانية نواكشوط"، بحسب ما أوردته وكالة أنباء تركيا.

وأضاف البيان: "تمّ حتى الآن توزيع 1000 نسخة من القرآن الكريم في إطار حملة (لتكن هديتي القرآن) على الأطفال في موريتانيا"، لافتاً إلى أنّ "الحملة ستتواصل لتوزيع كامل النسخ خلال شهر رمضان المبارك".

اقرأ أيضاً: تمدد النفوذ التركي في موريتانيا من بوابة الأئمة... ما القصة؟

وقد أعرب الأطفال عن سعادتهم البالغة بحصولهم على نسخ مطبوعة من القرآن الكريم، خاصة أنّ ظروف معيشتهم لم تكن تسمح لهم بالحصول عليها مقابل مبلغ مادي، حيث كانوا يتعلمون القرآن والعلوم عبر ألواح خشبية، في ظل ظروف معيشية قاسية، حسب البيان.

وذكرت وكالة أنباء تركيا، في مؤشر واضح على الدعاية لتركيا، أنّ "دعم تركيا لا يقتصر في قارة أفريقيا على المساعدات الإغاثية والإنسانية، وإنما يتجاوز ذلك ليشمل الدعم الإرشادي والروحاني للعديد من فقراء القارة الذين لا يجدون سبيلاً للوصول إلى العلوم والمعارف".

ونقلت الوكالة عن ممثل "جمعية العون الإنساني الخيري"، علي عثمان أصلانجي، أنّ فرق الجمعية تحاول دائماً أن تكون إلى جانب الشعوب المضطهدة في القارة الأفريقية، وأنّ المسلمين في القارة السمراء يحتاجون إلى القرآن الكريم، وأنّ الأطفال هناك يواصلون تعليمهم عبر الألواح الخشبية.

وأشار إلى أنّ الجمعية قدّمت 722 ألفاً و999 نسخة من القرآن، إضافة إلى 242 ألفاً و450 نسخة من سورة ياسين، منذ 2017.

في غضون ذلك، حذّر تقرير لجريدة العرب اللندنية من محاولات تركيا التغلغل في كل من موريتانيا والسودان، وقالت الجريدة: إنّ "تركيا تقوم بتعزيز تواجدها في موريتانيا من خلال الجانب الديني تحت عنوان تدريب الأئمة، وكذلك من خلال المنظمات الخيرية التي تقوم بأنشطة محدودة، لكن يتم تضخيمها لإظهار أهميتها، من ذلك ما قدّمته الإثنين من طرود غذائية لـ300 أسرة موريتانية بمناسبة شهر رمضان".

وأضافت: في أيلول (سبتمبر) الماضي بدأت الحكومة الموريتانية إجراءات إنشاء مركز لتكوين الأئمة والخطباء، يهدف إلى "تدعيم مهارات الخطابة، وتحسين المستويات العلمية"، حسب وزارة الشؤون الإسلامية.

مع فشل المخطط التركي في ليبيا، في ظل تضافر دولي في مواجهته، تصدّرته دول مثل مصر وفرنسا، عادت موريتانيا لتتصدّر الساحة من جديد وسط تحركات ناعمة متزايدة لأنقرة هناك

سياسي وعسكري

وتسير تلك المحاولات الناعمة جنباً إلى جنب مع تطور لافت في العلاقات السياسية والعسكرية، ومؤخراً وجّهت تركيا دعوة إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني وزوجته لزيارة تركيا، وذلك يوم الأحد الماضي.

وذكرت وكالة "الأناضول" التركية أنّ أوقطاي التقى الغزواني في مطار "ديوري حماني" الدولي بالعاصمة النيجرية نيامي، في طريق عودته بعد حضور مراسم تنصيب الرئيس محمد بازوم، يوم الجمعة الماضية.

وأوضحت أنّ "الغزواني أشار خلال حديثه مع أوقطاي إلى أنّ أكثر من 1000 موريتاني، بينهم أقرباء له، يعيشون في ولاية أضنة ومحيطها (جنوبي تركيا)، بعدما جاء آباؤهم إلى تركيا إبّان حرب الاستقلال 1919-1923".

وبناء على ذلك، دعا أوقطاي الرئيس الموريتاني وزوجته إلى تركيا لزيارة أضنة.

بدوره أعرب الغزواني عن ترحيبه بتلبية دعوة نائب الرئيس التركي، وقال: "سأكون سعيداً جداً لقبول هذه الدعوة الكريمة".

وعلى المستوى العسكري والأمني، اجتمع السفير التركي في آذار (مارس) الماضي بعدد من قوات الأمن الموريتانية الذين يتعلمون اللغة التركية.

وذكرت السفارة في تغريدة على حسابها في "تويتر"، بحسب وكالة أنباء تركيا، أنّ السفير جيم كاهيا أوغلو ومستشار الشؤون الداخلية العقيد محمد كورشات، وبالتنسيق مع معهد (يونس إمره) الثقافي التركي، حضروا إحدى حصص دروس اللغة التركية التي يتلقاها عدد من قوات الجندرما الموريتانية.

ونشرت السفارة مشاهد من حفل الاستقبال الرسمي الذي أجراه الجنود للسفير التركي والوفد المرافق له لدى وصولهم إلى مقرهم في نواكشوط.

اقرأ أيضاً: هل تتعاون مصر وموريتانيا لمواجهة التمدّد التركي غرب أفريقيا؟

طموح جامح وقدرات محدودة

يرى مراقبون أنّه على الرغم من خطورة التغلغل التركي في بلدان أكثر في أفريقيا، في محاولة للعب دور وحجز مواقع في القارة الواعدة اقتصادياً، فإنّ ذلك لا يعوّض خسائر تركيا في ليبيا، ولا يرتقي، على الأقل على المدى القريب، إلى منافسة أدوار راسخة تلعبها القوى الإقليمية الفاعلية في أفريقيا، سواء أوروبا أو الصين.

وقللت جريدة الأخبار اللبنانية، في تقرير لها قبل أسابيع، من الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا فعلياً في أفريقيا، في ظل جائحة كورونا وتواضع إمكانياتها الاقتصادية بفعلها، تحت عنوان "تركيا في أفريقيا: قدرات متخيلة لتطلعات عظمى".

ولفتت رغم ذلك إلى تنامي الوجود التركي في أفريقيا، ورأت أنّ النجاح الدبلوماسي الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، طوال قيادته للبلاد، يتمثل في توسعة ذلك التواجد، حيث أصبحت (تركيا) بدورها واحدة من أبرز القوى الدولية حضوراً في القارة (من 12 سفارة فقط في عام 2009، إلى 42 سفارة في عام 2019، ويُتوقّع تجاوز الرقم 45 في العام الجاري بوجود غينيا بيساو وتوجو وإيسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وليسوتو على قائمة الافتتاحات المرتقبة).

 وقد ارتفعت الاستثمارات التركية المباشرة في أفريقيا من 100 مليون دولار فقط في عام 2003، إلى 6.5 مليارات دولار في عام 2021، بحسب تقديرات صحيفة "فايننشال تايمز"، وهو رقم ضئيل إجمالاً لا تتجاوز نسبته 4% من الاستثمارات التركية، ويعادل تقريباً حجم استثماراتها في الإمارات وحدها (6 مليارات دولار في عام 2020).

الصفحة الرئيسية