هل تشن تركيا هجوماً كبيراً على العراق؟

هل تشن تركيا هجوماً كبيراً على العراق؟

مشاهدة

06/01/2021

ترجمة: مدني قصري

بعد ثَملِ انتصاراته المتتالية، في سوريا وليبيا والقوقاز، قد يُغري أردوغان قريباً تدخلٌ واسع النطاق في كردستان العراق؛ حيث ينفّذ جيشه بالفعل غارات دقيقة ومركّزة.

مما لا شكّ فيه؛ أنّ الرئيس أردوغان، الذي انتشى بسلسلة من "التألقات" العسكرية، قد تُغريه مغامرة جديدة، هذه المرة في كردستان العراق

في خلال ما يزيد قليلاً عن عام واحد، سجل الرئيس التركي ثلاث نجاحات كبرى على الساحة الإقليمية: لقد مكّنه هجومُ تشرين الثاني (أكتوبر) 2019، في شمال شرق سوريا، من صدّ الميليشيات الكردية على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود التركية، وكسْر الاستمرارية الإقليمية لمثل هذا "الحزام الكردي"، وقد ساهم انخراط أنقرة إلى جانب الحكومة في طرابلس، في كانون الثاني (يناير) 2020، في صدّ القوات الموالية لـ "المشير" حفتر، التي أُجبرت على التراجع إلى خطوط نيسان (أبريل) 2019، وأخيراً؛ كان الدعم العسكري التركي، من خلال إرسال طائرات بدون طيار ومرتزقة سوريين، حاسماً في انتصار أذربيجان على أرمينيا، في نزاع ناغورنو كاراباخ.

 مما لا شكّ فيه؛ أنّ أردوغان، الذي انتشى بهذه السلسلة من "التألقات"، قد تُغريه مغامرة جديدة، هذه المرة في كردستان العراق.

تاريخ طويل من التدخلات التركية في العراق

تعود أولى الغارات التركية في شمال العراق، ذي الأغلبية الكردية، إلى عام 1984، عندما بدأ حزب العمال الكردستاني (PKK) حرب عصابات انفصالية على الأراضي التركية، وكان صدام حسين، الذي كان آنذاك في حالة حرب مع إيران في عهد آية الله الخميني، قد منح أنقرة حقّ التدخل حتى عمق 5 كيلومترات في الأراضي العراقية، وقد مكّن هذا الاتفاق الجيش التركي، بعد ذلك، من ممارسة "حق الملاحقة" ضدّ البشمركة الكردية، التي ظلت قواعدها، مع ذلك، بعيدة المنال.

اقرأ أيضاً: لماذا أصبحت أزمة المياه في العراق ورقة ضغط بيد تركيا؟

لقد أسس حزب العمال الكردستاني قيادته ومعسكراته في وقت مبكر جداً، في قلب جبل قنديل، في أقصى شمال شرق العراق، على الحدود الإيرانية، كان ذلك بداية لسلسلة من التدخلات المنتظمة للجيش التركي في العراق، والتي تم تعليقها فقط خلال وقف إطلاق النار بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، من 1999 إلى 2004، ثم أثناء عملية السلام بين حكومة أردوغان والمقاتلين الأكراد من 2013 إلى 2015.

اقرأ أيضاً: تركيا تنقل الصراع خارج أراضيها وتعبث بالسيادة العراقية

تميز عام 2020 بتصعيد تدريجي للغارات التركية في العراق، وكان هدف عملية "مخالب النمر"، التي انطلقت في حزيران (يونيو) الماضي، كما كان الحال في سوريا المجاورة، تطهير المنطقة الحدودية في الأراضي العراقية من أيّ وجود لحزب العمال الكردستاني، وقد تمت مضاعفة تلك العملية بحملة جوية، "مخلب النسر"، والتي ظهرت فيها طائرات تركية بدون طيار، والتي لوحظت فعاليتُها في مسارح ليبيا والقوقاز، لكن رغبة بغداد في تأكيد سيادتها في المنطقة لم تمنع أنقرة من مواصلة انتهاكها الممنهج للأراضي العراقية.

 في آب (أغسطس) 2020؛ قُتل ثلاثة جنود عراقيين، بينهم ضابطان، في القصف التركي أثناء اجتماع كان حرس الحدود يعقده مع كوادر حزب العمال الكردستاني، وقد ظلت احتجاجات بغداد بلا طائل، الأمر الذي دفع تركيا إلى زيادة تفوقها، خاصة أنّ السياق الكردي، المنحط للغاية، يشجعها على  ذلك.

الخلافات الكردية في صالح أنقرة

كلّ شيء يضع الحزب الديمقراطي الكردستاني "PDK"، على رأس الحكم الذاتي الكردي لشمال العراق، في خلاف مع حزب العمال الكردستاني "PKK"، المرتبط بالاتحاد الوطني الكردستاني (UPK)، "الشقيق العدو" للحزب الديمقراطي الكردستاني "PDK" في كردستان العراق.

اقرأ أيضاً: "فورين بوليسي": العراق يسير نحو الانهيار... فهل ينجح الكاظمي في مساعيه؟

يعتمد الحزب الديمقراطي الكردستاني "PDK"، القريب من أنقرة، بشكل كبير على الولاء لعائلة بارزاني؛ حيث يحارب حزب العمال الكردستاني "PKK"، الموالي لطهران، المراتب الهرمية التقليدية.

تعود أولى الغارات التركية في شمال العراق، ذي الأغلبية الكردية، إلى 1984، عندما بدأ حزب العمال الكردستاني حرب عصابات انفصالية على الأراضي التركية

لقد سمح الحزب الديمقراطي الكردستاني بإنشاء عشرة مواقع عسكرية تركية على الأراضي العراقية، وقد أبرمت للتوّ اتفاقية تهدف إلى طرد البيشمركة المرتبطة بحزب العمال الكردستاني من سنجار، والذين، مع ذلك، دافعوا هناك، وبشجاعة، عام 2014، عن الإيزيديين  المضطهدين من قبل داعش.

لم يسبق أن كانت التوترات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني بهذه القوة مطلقاً؛ حيث أكد الحزب الديمقراطي الكردستاني رغبته في التخلص من قبضة حزب العمال الكردستاني على أرضه، وفي المقابل اتهم حزبُ العمال الكردستاني "PKK" الحزبَ الديمقراطي الكردستاني "PDK"، بلعب لعبة أنقرة، وفضلاً عن ذلك، فقد أدت الحملة الأخيرة ضدّ موجة الاحتجاجات الاجتماعية في كردستان العراق، إلى إضعاف مصداقية السلطات المحلية، أما رئيس الوزراء العراقي، الذي استقبله أردوغان مؤخراً في أنقرة، فقد "دان أيّ عمل يضر بتركيا انطلاقاً من الأراضي العراقية"، فيما تعهّد مضيفه التركي  "بمواصلة القتال، حتى القضاء على العصابات الإرهابية".

تميل تركيا إلى استغلال الخلافات الكردية وتهاون بغداد في ضرب حزب العمال الكردستاني هذه المرة في الرأس، واستهداف قيادات حرب العصابات في حصنها الطبيعي في جبال قنديل.

لن تخلو العملية، التي سيكون حجمها غير مسبوق، من المخاطر في مواجهة البشمركة المتعوَّدين جداً على التضاريس التي يصعب الوصول إليها، لكنّ الجيش التركي الآن لديه إمكانية إرسال المرتزقة السوريين، الذين سبق أن قام بحشدهم بالفعل في ليبيا وأذربيجان، إلى خط المواجهة (حيث لقي عُشر الميليشيات حتفهم على هذا النحو). وفضلاً عن هؤلاء البشر الذين يتم دفعهم إلى الموت بلا رحمة، تمتلك القيادة التركية، مع طائراتها بدون طيار عالية الأداء، سلاحاً أثبت فعاليته في جبال القوقاز.

أخيراً، لا ينبغي التقليل من حالات الهياج عند أردوغان، التي تعززها، من خلال موقفه الهجومي، سلسلةُ انتصاراته الخارجية.

حينئذ سيشهد عام 2021 إضافة جبهة جديدة إلى مناطق الصراع العديدة التي يعاني منها الشرق الأوسط بالفعل.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://www.lemonde.fr

الصفحة الرئيسية