نزار قباني طرز بالكلمات أشواق النساء وثار على هزائم العرب

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري

1810
عدد القراءات

2018-05-06

ربما لم يحظَ تاريخ الشعر العربي بشاعر مثل نزار قباني، تجاسر على تحرير اللغة من مبالغاتها اللفظية، وتخليص القصيدة من شعر المناسبات والمدح والهجاء؛ والارتطام بالتابوهات، منذ ديوانه الأول "قالت لي السمراء"، الذي تسبَّب في وصمه بالعديد من الاتهامات التي ظلّت تلاحقه، لتخنق إبداعه، وتقتل نصوصه.

وسعت تلك الاتهامات إلى اختزال وتقليص مساحة الشعرية الحقيقية لدى قباني؛ بانفتاحاتها وتأويلاتها، فأضمرت عناصرها الفنية وجماليتها، وأدّت إلى تشويهها، وتصفية جموحها الفني، وهمّها الإنساني العام.

عمد نزار قبّاني، الشاعر السوري، المولود عام 1923، إلى استعمال حنجرته الخاصة في التعبير، دون استعارة صوت غيره، أو الكتابة بأصابع أخرى لا تشبهه؛ فتصبح معها الكتابة، عبارة عن زينة ووشاح، يتهدل على مقاس الخليفة والسلطان، وتتحول لحفلات زار، يركض خلفها الدراويش.

ديوانه الأول "قالت لي السمراء"، الذي تسبَّب في وصمه بالعديد من الاتهامات التي ظلّت تلاحقه

محاصرة الشعر وتغييب صوت الشاعر

تصدّى قباني، الذي مرت أواخر الشهر الماضي الذكرى العشرون لرحيله، للمحاولات التي عمدت إلى مصادرة شعره، ومحاولات إهدار قيمته وإضعاف صوته الشعري الممتدّ عبر نصف قرن. فكتب في مقدمة ديوانه تحت عنوان "لا غالب إلّا الحب": "إنّني لا أنكر وفرة ما كتبت من شعر الحب، ولا أنكر همومي النسائية، لكنّني لا أريد أن يعتقد الناس أنّ همومي النسائية هي كلّ همومي".

المرأة عند قباني؛ ظلت نموذجاً فنياً، ليس فيه ما يعيب، وقد عني بجمالياتها، وفضّ الأفكار الآثمة عنها

وردّ صاحب "الرسم بالكلمات" القيمة والاعتبار للإنسان الفرد، وخلّصه من سلطة القبيلة والمجموع، وكلّ سلطة تنمحي داخلها الفروق بين البشر، ويتراكم عليهم غبار الصحراء، فيتحوّل الفرد، بفرادته وتنوعه، ومواهبه وطاقته اللامحدودة، إلى ظلّ وتابع، وصوته إلى صدى، يخشى ملامحه، ويتفادى اختبار مشاعره، وينتهي به الحال إلى فقدانه القدرة على الإعلان عن أفكاره وتجاربه، أو حتى تهجّي اسم حبيبته.

ردّ صاحب "الرسم بالكلمات" القيمة والاعتبار للإنسان الفرد، وخلّصه من سلطة القبيلة والمجموع

شاعر المرأة

"شاعر المرأة" الذي زعم مناوئوه أنه يروّج للإباحية والمجون، في سياق المقولات التنميطية، والصور التقليدية المبتذلة، والنظرة السطحية والتبسيطية؛ ظلت المرأة في قصائده نموذجاً فنياً، ليس فيه ما يعيب، أو يخدش الحياء، فاعتنى بجمالياتها، وفضّ كلّ الأفكار الآثمة عنها، والتعامل معها بريبة واستحياء؛ فالمرأة التي شاء أن يحررها من قبضة كلّ النصوص التي تقهرها، والأشخاص الذين يحتكرونها، كانت تشكّل لديه وطناً رمزياً، يعاني المصير نفسه من القمع والاستغلال.

وبالتالي، تحرّر المرأة، وإزالة كلّ الأحجبة عنها، ظلّ مرهوناً، طوال الوقت، بالكشف عن ثنائية القهر والتعذيب، التي يقبع فيها كلّ من المجتمع والمرأة؛ فعمد إلى تثوير الجسد، وتحريره من سلطة الشهوة والجنس وفتوحات الرجال.

القصيدة السياسية في شعر قباني

تناوب نزار على كتابة الشعر السياسي، على عكس الشائع؛ في مرحلة مبكرة من عمره الشعري، وتفاعل مع أحداث عديدة تخصّ قضايا الوطن والحريات السياسية، والهزائم التي تعرض لها الوطن والإنسان العربي.

ميلاد قصيدة نزار السياسية، لم يكن مع "هوامش على دفتر النكسة"، بعد هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967، كما يتصوّر البعض؛ بل سبقتها قصيدة "خبز وحشيش وقمر"؛ التي نشرت أثناء بعثته الدبلوماسية في لندن، عام 1954، وجاءت محملة برمزية مكثفة وشديدة الوضوح في معناها، حملت إرهاصات الهزيمة، وتعرية الواقع العربي، السياسي والاجتماعي، وترهلاته الشديدة، وثقافته المشوّهة، وبنية تفكيره التي يتسول داخلها الماضي برداء العصمة والقداسة، فيحجب عنها التفكير، ويخشى معها المواجهة.

عمد نزار إلى استعمال حنجرته الخاصة في التعبير، دون استعارة صوت غيره، أو الكتابة بأصابع أخرى لا تشبهه

"خبز وحشيش وقمر" القصيدة التي تعرّض قباني إثر نشرها لهجوم شديد، وصل درجة تكفيره من أصحاب العمائم، وبلغ حدّ المطالبة بطرده من وظيفته في وزارة الخارجية السورية، ووصفت القصيدة بأنّها تتعدى على المقدسات الإسلامية.

في ردّ فعل مباشر لنزار على مطالبة الشيخ الزرقا، عضو مجلس النواب السوري عن جماعة الإخوان المسلمين، عام 1955، بمحاكمة الشاعر، ووقفه عن العمل في وزارة الخارجية؛ ذكر الشاعر السوري في كتابه "قصتي مع الشعر": "إنّها العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل القباني، طالبت بشنقي، والذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه، طلبت رأسي، فكانت "خبز وحشيش وقمر"، أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة والتاريخيين".

في كتابه "قصتي مع الشعر" قال: "إنّها العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل القباني، طالبت بشنقي"

التحريض ضدّ القمع

فضحت القصيدة حالة الجمود والتردي في حياة المواطن العربي، الذي يقامر على وجوده، ويتهالك على نفي ذاته، عبر استدعاء آخرين يمثلونه، والاتكال عليهم، إلى أن ينتهي به الحال إلى مصادرة مستمرة لحقّه في الحياة، تستلب وعيه.

يقول في قصيدته:

ما الذي يفعله فينا القمر؟

فنضيع الكبرياء

ونعيش لنستجدي السماء

ما الذي عند السماء؟

لكسالى.. ضعفاء..

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمر..

ويهزّون قبور الأولياء..

علّها ترزقهم رزّاً..  أطفالاً.. قبور الأولياء

لم تكن هزيمة 1967، مجرد هزيمة عسكرية فادحة لدى نزار قباني، ارتطمت بالواقع، تمزّقه وتنهش في تفاصيله، وأدّت إلى شطره إلى عدة شظايا متناثرة، لكن تبعها عدة تحولات جذرية، شملتها متغيرات عميقة في عمق الوجدان العربي والنفسي، بقدر مآلاتها على الواقعين، السياسي والإستراتيجي العسكري؛ حيث انهار معها النظام العربي، الذي تأسس بتأثير دعاية ضخمة، وشعارات كبيرة، وأيدولوجيا صاخبة، ترفع قيم التقدم والحرية، بينما في الواقع تمارس القمع والإذلال لشعوبها، وتعمل عكس ما تعلنه، وتعمد إلى تخريب وعيه، وامتهانها الكذب الذي اعتمد على جهاز دعائي، مارست فيه السلطة هواياتها بالتضليل، وبثّ خطاباتها العنترية.

فالقصيدة كانت نعياً للعرب، أو بالأحرى "نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة"؛ هذا الحلم القومي الرومانسي، وبستان الاشتراكية الذي تهدّم قبل أن تحرقه الطائرات الإسرائيلية، التي كشفت أثر اللصوص الذين نهبوه فقط!

لذا دوّن في قصيدته:

"إذا خسرنا الحرب فلا غرابة

لأنّنا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة".

تعرض صاحب "طفولة نهد" إلى نقد لاذع

الهزيمة وقصيدة الرفض

تعرض صاحب "طفولة نهد" إلى نقد لاذع، وهجوم من نوع آخر، قدمه الناقد والمفكر الماركسي، غالي شكري، في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين"، فقال عنه: "أصبح شاعرنا نجماً لامعاً يتفوق على النجم الذي كانه في القديم، واستمرأ اللعبة على نحو مختلف، وواصل كتابة قصائده السياسية على نمط الهوامش".

وغداة نشر القصيدة في بيروت؛ بعد منعها في دمشق والقاهرة، صدر قرار بمنع نزار من دخول القاهرة بسببها، وتمت مصادرة أعماله، وحظرها من النشر، ووقف بثّ أغانيه وقصائده، في سائر وسائل الإعلام والإذاعة المصرية، حتى تمكّن من كتابة رسالة إلى عبد الناصر، فرفع هذا الحظر عنه.

ميلاد قصيدة قباني السياسية، لم يكن مع "هوامش على دفتر النكسة" بل سبقتها قصيدة "خبز وحشيش وقمر"

ثمة قاسم مشترك داخل القصيدة السياسية لقباني، وأدبه بوجه عام، يحيله إلى إدانة الواقع العربي، ومعطياته الفكرية والاجتماعية والسياسية، دون أن تنحصر عند حدود الجهاز السياسي أو السلطة، بينما تتعداها إلى الشعوب المسحوقة تحت حذاء السلطان، وتفويضه أمرهم، دون حسّ نقدي أو ثوري تجاه واقعهم، ومحاولة تحديه والخروج عليه وعصيانه، وتعديل شروط حياتهم.

لقد تسرّب الشكّ إلى كلّ شيءٍ له صلة بقدراتنا التي تم تضخيمها، ولم يعد ثمة شيء قادر على المقاومة أو الصمود، وعاد السؤال مجدداً عن هويتنا وموقعنا من التاريخ، تحت وطأة امتحان الهزيمة وجرح الذات العربية، التي كانت أسرع ممّا يتصوره أحد.

لذا؛ كان خطاب نزار الشعري يتوجّه إلى الجماهير بالتحريض والنقد اللاذع، حتّى أنّه، في قصيدة "الهوامش"، تنصّل من أيّ مستقبل، قد يقوده "جيل الهزيمة" ووصفهم قائلاً:

جلودنا ميتة الإحساس

أرواحنا تشكو من الإفلاس

أيامنا تدور بين الزار والشطرنج والنعاس

هل نحن "خير أمة قد أخرجت للناس"؟!

اقرأ المزيد...

الوسوم: