المثل الشعبي إذ يكرس العنف والتطرف

صورة أنجيل الشاعر
كاتبة سورية

629
عدد القراءات

2018-05-08

"حط راسك بين الرؤوس، ونادي يا قطاع الرؤوس"

اعتادت المجتمعات التقليدية على تحديد الثقافة المحلية وفق ما يتطلبه النظام الاجتماعي السائد، في جملة من المعايير الاجتماعية التي يعتبرها ذلك النظام مقبولة أو صحيحة، وليست تلك المعايير إلاّ حداً من طموح الفرد داخل المجتمع، وترويضاً لكفاءاته بما يتناسب مع الثقافة والفكر الجمعي الذي يتأثر بالمواريث الاجتماعية على مرّ التاريخ، ويعيد إنتاج التخلف بطرق جديدة؛ ليس ابتكاراً للحداثة أو مواكبتها، إنما تكريس للموروث الشعبي المشبع بالتخلف والاستبداد الاجتماعي والثقافي والمعرفي. ويعد المثل الشعبي المتداول أحد أهم تلك الثقافة المتوارثة والمؤثرة في المجتمعات في الوقت الراهن.

إذا تناولنا المثل الشعبي، كما يقال في جميع اللهجات السائدة في المجتمعات العربية "حط راسك بين الروس ونادي يا قطاع الروس"، لمن تلك الرؤوس وعلى ماذا تدل، ولمن ذاك الرأس المفرد الذي سينظّم إلى الجمع (الرؤوس)؟

اختلاف الهيكل الاجتماعي بين مجتمع وآخر يكون باختلاف البنية الثقافية إذ يميل كل مجتمعٍ لتشكيل بنية ثقافية فريدة

يحيلنا هذا الأمر إلى حالتين اثنتين: الحالة الأولى، هي الخوف من التفرّد؛ أي إن التفكير الجمعي هو المسيطر على المجتمعات النامية كالمجتمع العربي، أما الثانية فهي التنشئة العنفية الناتجة عن الحروب والغزوات التاريخية والتلذذ بنتائجها وإعادة إنتاجها. فالمسألة لا تنضوي تحت انتماء الفرد إلى الجماعة، أو علاقة تبادلية بين الفرد والمجتمع، إنما هي حالة تشابه نمطي في المجتمعات القطيعية التي دُجنت سياسياً واجتماعياً ودينياً؛ "حيث يكون التشابه يكون القطيع" حسب نوال السعداوي، "وحيث يكون التشابه يكون الموت ويكون اللا وجود" حسب جورج طرابيشي، تلكم هي حالة المجتمعات العربية، مجتمعات ما دون المجتمع المدني وما قبل الدولة، (مجتمعات الملّة والنحلة والعشيرة) والسياسة العربية هي سياسية رعوية تَنْظمها العلاقات الأبوية في الحزب، وفي السلطة على السواء. هذه الحالة القطيعية النافية لكل اختلاف، والنابذة لكل تفرد، واللاغية لكل فردية تجعل من حالة التفرد في المجتمعات العربية حالة امتياز، أو أنانية، فيصبح التميز تمايزاً مولداً للعنف؛ العنف اتجاه الآخر والعنف اتجاه الذات، فيصبح الرأس رأساً فيزيولوجياً فقط لا غير، خالياً من العقل والفكر الحر، فهو مرتبط بالجماعة سواء أكانت نهايته في هذا الارتباط أم كان خيراً له.

إنّ اختلاف الهيكل الاجتماعي بين مجتمع وآخر؛ يكون باختلاف البنية الثقافية لكل منها؛ إذ يميل كل مجتمعٍ إلى تشكيل بنية ثقافية فريدة ومميزة، بغض النظر عن الوضع الاقتصادي، فتصبح الثقافة نظام حكم على الأفراد وسلوكهم داخل المجتمع، ويعدّ ارتباط الفرد بالمجتمع ارتباطاً قسرياً، بدءاً من الأسرة فالعائلة الممتدة فالعشيرة، من ثم المجتمع الأهلي والدولة، نسبةً للمعايير والقيم الذي ينظمها المجتمع مبنية على العادات والتقاليد المتوارثة جيلاً بعد جيل، حيث تصبح فيما بعد قانوناً اجتماعياً يسري على جميع أفراد المجتمع، ومن يتفرد بذاته عن ذلك القانون يصبح فرداً شاذاً ومنبوذاً من قِبل المجتمع.

نشأة المثل الشعبي

المثل الشعبي ذو نشأةٍ فردية سريعة الانتشار، تطبعه كثرة الاستعمال بطابع الجماعة، وهو حيلة ذكية استعملها أشخاص منفردون، (كزعماء القبائل، وقادة الغزوات) لتطبيع الأفراد في الطابع الذي يريده، وقد يكون المثل ذا قيمة تدل على الشجاعة والكرم وصفات مغرية للتداول في المجتمع، وقد تحتوي بعض الأمثال على طابع عنفي كالمثل الآنف الذكر، و (العصا لمن عصى، الحجر اللي ما يعجبك يفجك)، ذلك أنّ سلاح الصحراء هو الحجر والعصا، وجميعها توحي إلى التربية العنفية في اللفظ والمعنى والفعل، والتهديد والوعيد، وبعضها يكون مرتبطاً بالدين، يعبر عن الطائفة الواحدة أو الملة، يحتوي على إقصاء الآخر والازدراء به، والتمييز بين الإنسان والإنسان كالمثل السائد (اللي ياخذ من برا ملته يموت بعلته)، والتي تدعو إلى التباعد بين الأديان والطوائف، ومن المؤسف أن بعض المجتمعات أخذت من الأمثال الشعبية نظاماً لحياتها اليومية، وأصبحت تلك الأمثال حكمتها السائدة؛ مع العلم بأن الفرق شاسع بين الحكمة والمثل الشعبي؛ إذ إنّ الحكمة نابعة من العقل والتفكير، والمثل نابع من التجارب العملية، يقول محمد توفيق أبو علي: "المقصود من المثل الاحتجاج، ومن الحكمة التنبيه والإعلام والوعظ، فالمثل فيه الحقيقة الناتجة عن تجربة، أما الحكمة، فهي تحديد شرط سلوكي وقيمة أخلاقية، وهي تمتاز بطابع الإبداع الشخصي والعناية الأسلوبية أكثر من المثل"، فكثيراً ما نسمع مقولة "خذوا الحكمة من أفواه المجانين"، ودلالة ذلك في المجتمعات القطيعية، أنّ كل ما هو غير مألوف هو جنون؛ فالحكماء متفردون، فردانيون بذواتهم، خارجون عن السرب. لذلك تكون جميع تلك الأمثال مقصودة ومنجزة على مرّ التاريخ، وليست إلاّ نفي لملكة العقل المكوّن للفكر الحديث والمنتج للتطور والحركة الكونية.

المجتمعات القطيعية أو المدجنة لن تحتفي بكفاءة الفرد إلاّ إذا نسبته لجماعة أو حزب أو قومية

المجتمعات القطيعية أو المدجنة لن تحتفي بكفاءة الفرد إلاّ إذا نسبته لجماعة أو حزب أو قومية، وتضع الفرد أمام فكرٍ منجز ومقولب ضمن حدود معينة لا يستطيع تجاوزها، فنحن لا ندعو إلى القطع مع المثل الشعبي، بقدر ما ندعو إلى قراءة تفكيكية له، تسعى إلى تصورات نظرية تتعالى على الممارسات والتعيّنات السائدة، لا تستبعده؛ إنما تغنيه وتزيده ثراءً بما يناسب مع حرية الفرد وكفاءته.

اقرأ المزيد...

الوسوم: