مستشرق فرنسي يقرأ أحوال الجهاد في إسلام القرون الوسطى

مستشرق فرنسي يقرأ أحوال الجهاد في إسلام القرون الوسطى

مشاهدة

10/01/2021

ترجمة: مدني قصري

"من وجهة نظر تاريخية بحتة؛ لم ينشأ الجهاد كممارسة من لا شيء مع نزول الوحي الإسلامي، بل كانت له سوابق في عادات ما قبل الإسلام.

 لقد تشكّلت هذه الممارسة خلال مجرى الوحي الإسلامي، في حياة الرسول، من خلال أساليب أفعاله الهجومية والدفاعية المختلفة، وقد تم رفعها إلى مستوى التزام المجتمع ككل (ولكن ليس التزاماً شخصياً على أيّ فرد مؤمن).

اقرأ أيضاً: المشهد الجهادي 2020... بين الجمود والتغيير

 لقد تمّ اللجوء إلى الجهاد في أوقات مختلفة من تاريخ العالم الإسلامي، وفي مختلف البلدان الإسلامية.

إنّ فحص الجهاد من هذه المنظورات المختلفة هو موضوع المؤرخ، لكنّ مؤسسة الجهاد، من وجهة نظر أخرى، تمثّل جزءاً من مجموع موضوعات العقيدة الإسلامية، وعلى هذا النحو، فقد تم تطويرها من قبل الفقهاء وعلماء الدين، في مذاهب لا تأخذ في الاعتبار أيّ نوع من الاعتبارات التاريخية، ولا أيّ نوع من التطور.

لم ينشأ الجهاد كممارسة من لا شيء مع نزول الوحي الإسلامي، بل كانت له سوابق في عادات ما قبل الإسلام

إنّ مهمّة المؤرّخ، هي أخذ هاتين القصّتين في الاعتبار في الوقت نفسه؛ هذا ما تناوله موقع "lesclesdumoyenorien"، من خلال قراءة جديدة لكتاب "الإسلام في عصوره الوسطى"، للمستشرق الفرنسي ألفريد مورابيا ( (Alfred Morabia؛ الذي ولد في القاهرة عام 1931، ومات بشكل مبكّر عام 1986، بعد أن أنهى أطروحته الضخمة هذه، وخلَّد اسمه كباحثٍ علمي من الطراز الأول.

كثرت وشاعت أخبار "الجهاد" في السنوات الأخيرة في الغرب، الذي مزقته التهديدات الإرهابية الإسلامية.

الحرب المقدسة

خلف هذه التغطية الإعلامية المفرطة، يبقى الجهاد، الذي يُترجم عادة بـ "الحرب المقدسة"، ظاهرة غير معروفة نسبياً، تمثّل أطروحة ألفريد مورابيا "Alfred Moraba"، التي نوقشت عام 1971، في جامعة باريس الأولى، مرجعاً في هذا المجال.

تستخلص طبعات، ألفريد ميشيل، كتاباً من أبحاثه، عام 1993: "الجهاد في إسلام العصور الوسطى" يشرح كيف تطورت عقيدة الجهاد تدريجياً في القرون الأولى للإسلام هذا العمل ثمرة فحص العديد من المصادر باللغة العربية، والتي أصبحت متاحة باللغة الفرنسية.

غلاف الكتاب

تشهد إعادة إصدار هذا الكتاب الرائد، عام 2013، الذي أعدّ مقدمته عالمُ الإسلام الفرنسي، جيل كيبيل، على الاهتمام المتجدد بمفهومٍ عاد للتألق عبر الأحداث الجارية؛ فالظاهرة المشحونة عاطفياً وفكرياً، باتت تُربك الغرب "ضحية" الجهاد. يعود مرابيا إلى النصوص التي تستند إليها جماعات معينة تُعدّ إرهابية، لإضفاء الشرعية على أفعالها اليوم.

يفحص المستشرق الفرنسي ألفريد مورابيا الأسس الكتابية للجهاد، ويتوقف طويلاً عند العلاقات مع "أهل الكتاب" المسيحيين واليهود الذين سُمح لهم بالعبادة مقابل أجر

في عام 2020؛ يبدو مفهوم الجهاد ضرورياً لفهم العلاقات بين الغرب والشرق، هذه القراءة تجعل من الممكن تجاوز الأفق الإعلامي لجعل الجهاد مفهوماً، لاستخلاص تكوينه التاريخي والنظري، إضافة إلى ذلك؛ فمن خلال وضع أبحاث مرابيا في سياقها، تتجلى قيمتُها. منذ خمسين عاماً، كانت الدراسات حول الإسلام أكثر ندرة، ولم يجذب الجهاد انتباه الباحثين.

يمكننا أن نسأل أنفسنا اليوم كيف صار عمل مرابيا رائداً من منظور الجغرافيا السياسية المعاصرة.

نشأة الجهاد 

تعدّ ظاهرة الجهاد متعددة الأشكال، موضوع تفسيرات مختلفة، بحسب الزمان والمنطقة، يوضح مرابيا أنّ "مفهوماً مثل الجهاد مُلّوَّناً بمجموعة كاملة من العناصر المتعلقة بالحقائق التاريخية والعلاقات الاجتماعية والسلوكيات الفردية والجماعية، والوضع الدولي، والسياق الجغرافي والتأثيرات الثقافية والعقائدية. يعود المؤلف إلى الجذور التاريخية والاجتماعية والجغرافية والروحية للجهاد، ويرسم "طبيعته الأساسية وأشكاله المختلفة".

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم؟

 يؤكّد مورابيا على الحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم الجهاد في سياقه، للتعامل معه من منظور تطوري، فعلى الرغم من أنّ العودة إلى الماضي ضرورية لشرح الحاضر؛ فإنّ اليقظة مطلوبة لتجنب المفارقات التاريخية.

مذهب الجهاد مجمّد منذ قرون تقريباً؛ لذلك لا يمكننا تحليل مفهوم الجهاد في ضوء قيم القرن الحادي والعشرين، تطرح "الحرب المقدسة" مشاكل أخلاقية بديهية على "المجتمع الدولي" الذي يسعى لأن يكون محكوماً بمبادئ إنسانوية.

تعدّ ظاهرة الجهاد متعددة الأشكال

يقدّم مورابيا، أولاً، صورة تاريخية للمفهوم، بدءاً من شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، لم يخرج الإسلام من العدم، فقد اعتمد الدين الجديد على خلفية ثقافية سبقته، لا سيما اللغة العربية. وبالمثل؛ الجهاد يجد مصدره في غارات البدو التي سبقت وجود الإسلام، في المجتمعات التي كانت تقدّر المجهود الحربي.

هذه الكفالة الإلهية تعطي الشرعية للعنف: الإسلام "يعطي الجهاد تبريره العقائدي"، بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة، عام 622، أكّد الرسول سلطته بالسلاح، وأقام نفسه سياسياً في المنطقة، ثم أصبح الجهاد من إرادة وعمل دولة إسلامية، هكذا أصبح الدين عاملاً ضمن عوامل كثيرة لتفسير ظاهرة الفتوحات.

عام 1915، كان أمل الإمبراطورية العثمانية هو توحيد العالم الإسلامي ضدّ الحلفاء، وكانت هذه هي المرّة الأخيرة التي يعلَن فيها الجهاد رسمياً

في عهد الخلفاء الأوائل؛ حقّق الجهاد سيادة الإسلام على الكفار، لكن فيما وراء الشعور بالوحدة، كان المجتمع الإسلامي غير متجانس؛ حيث ظلت خطوط الصدع قائمة داخل الأمة نفسها؛ حيث ظهر جهاد أيديولوجي بين المسلمين.

 إذا كانت الإمبراطورية العباسية تمثّل الذروة الإقليمية للخلافة، فقد ظلت السلطة مشتتة، مما أدى إلى تشتت الجهاد على عدة جبهات. وفي مواجهة الصليبيين وُلِدت حماسة الجهاد العسكرية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

يفحص مورابيا الأسس الكتابية للجهاد، ويتوقف طويلاً عند العلاقات مع "أهل الكتاب" المسيحيين واليهود الذين سُمح لهم بالعبادة مقابل أجر. يدعو القرآن إلى محاربة "الكافر"، لكن دون تحديد الكيفية: لا يوجد مبرّر لأهداف توسّعية للأمة، وتبقى فكرة الجهاد "في سبيل الله" غامضة، والسيرة، وأفعال الرسول، والحديث، أي الكلمات المنسوبة إليه، تُكمل النصوص القرآنية، لتشكل تقليد السيرة، وهذه المصادر، التي تعدّ موثوقيتُها نسبية، تتيح تبريراً لاحقاً للحرب، وهكذا تنزلق الإشارات إلى الجهاد، تدريجياً، من الفكرة الأولية الأصلية وهي "الثبات، والجهد" (معنى الجذرg. h. d.) نحو كفاح مسلح.

طرائق ممارسة الجهاد

في النصوص الفقهية اللاهوتية، تأتي نظرية وطرائق ممارسة الجهاد، وفي هذه المجموعات (السير) التي تكشف قانون السلام والحرب، ترتسم عقيدة الجهاد. مع توسّع الخلافة نشأت الحاجة إلى التشريع، عندئذ استمد الإسلام إلهامه من قوانين قادمة من مناطق أخرى، لا سيما روما، لقد غرف إلهامه أثناء وبعد الوحي.

اقرأ أيضاً: أكاذيب تركيا وإيران في الجهاد من أجل فلسطين

 القانون القرآني ظاهرة معقدة تشير إلى قرون من التشريع، وفكرة الاقتراض (الاستعارة) هذه، ضرورية لفهم الحضارة الإسلامية بأكملها، ومع ذلك، غالباً ما يكون لشكلية المصادر الكتابية الأسبقية على تنوع مصادر القانون، مما يؤدي إلى تجميد القانون، وفي هذا الجزء، يحلل المؤلف أيضاً وضع "مَحْمِيِّي" الإسلام، فضلاً عن التمييز الذي عانى منه أهل الذمة.

يوضح مرابيا كيف أنّ الجهاد الصغير (المسلح)، وهنا المفارقة؛ سبق الجهاد الأكبر(الباطني). يرى الدين أنّ الإنسان مدعو لمحاربة أخطائه من أجل الاندماج في مجتمع المؤمنين؛ هذا هو الجهاد الأكبر، الجهاد الداخلي ضدّ الخطيئة، إلى جانب هذا البعد الذي لم يتم تعميمه اليوم، أصبح الجهاد الأصغر هو الذي يُروَّج له في رابعة النهار، الجهاد الأصغر هو الكفاح المسلح ضد أعداء الإسلام، سواء داخل الأمة، أو خارجها، الجهاد الداخلي روحانيةٌ، واستيعابٌ داخلي للجهاد، في قلب الجهاد الداخلي، يميز المؤلف بين الجهاد القسري (أو الدفاعي)، والجهاد الأخلاقي، والجهاد الروحي.

اقرأ أيضاً: أطفال الجهاد.. كيف برر الإرهابيون هذا الانتهاك؟

يرى القس الماروني، يواكيم مبارك (1924-1995)، رائد الحوار الإسلامي المسيحي، في الجهاد، الذي تم تصوُّره في زمن النبي لتركيز السلطة في يديه على حساب القبائل، شكلاً من أشكال تنظيم العلاقات الدولية، عندئذ استقر الإسلام في دولة سياسية؛ وحدها السلطة العليا للإسلام كان يمكنها إعلان الحرب؛ أي أنّ الدولة هي التي تحتكر العنف المشروع، وهو من سمات سيادة الدولة، وفي ذلك الوقت يمكن اعتبار الجهاد شكلاً من أشكال إضفاء الطابع المؤسسي على الحرب، بالتالي؛ فإنّ الجهاد لن يكون عملاً من فِعل جماعات إرهابية، بل عمل دولة شرعية شبيهة بجيش وطني.

أمل الإمبراطورية العثمانية

لقرون من الزمن ظلت الخلافة ترمز إلى وجود الإسلام كعنصر فاعل في النظام الدولي، ومع دخولها الحرب إلى جانب ألمانيا، عام 1915، كان أمل الإمبراطورية العثمانية هو توحيد العالم الإسلامي ضدّ الحلفاء، وكانت هذه هي المرّة الأخيرة التي يعلَن فيها الجهاد رسمياً، وأدى تفكك الإمبراطورية العثمانية إلى تكريس اختفاء المرجعية السياسية، وقد انفجرت السلطة المركزية للإسلام مع إنشاء عدة دول، ومع الأصولية الدينية الحديثة، ظلت كلمة الجهاد سارية، لكنّ دلالتها تمّ تضليلها وتحريفها.

في مقدمة عام 2013؛ أوضح جيل كيبيل أنّه بعد فترة وجيزة من صدور أطروحة مرابيا، دعا الفلسطيني عبد الله عزام، المقرب من الإخوان المسلمين، إلى تبني هذا المفهوم، لتعبئة المسلمين ضدّ الجيش الأحمر في أفغانستان، وهكذا مهّد للجهاد المعاصر، فإن تمّ خوض هذه المعركة بمساعدة الأمريكيين، الذين كانوا يسعون لوقف التهديد الشيوعي؛ فإنّ الولايات المتحدة أصبحت الهدف الأول لهذا الجهاد.

اقرأ أيضاً: كيف تشكلت ظاهرة الجهاديين في البلقان؟ وما مستقبلها؟

يبدو أنّ هذا العنف قد وصل ذروته مع هجوم 2001 على برجي نيويورك التوأمين، من قبل القاعدة، بعد مرور عام على إعادة نشر كتاب مرابيا، أعلن أبو بكر البغدادي إنشاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، من جامع النوري في الموصل، وفي أحدث تجسيد لهذا المفهوم؛ دعا زعيم التنظيم إلى استمرار الجهاد، في آب (أغسطس) 2018، فيما كان ضعيفاً على الأرض، وفي الوقت نفسه، مهدت الهجمات التي ضربت الأراضي الفرنسية، عام 2015، الطريق للتغطية مفهوم الجهاد إعلامياً.

يؤكّد مورابيا، عبر صفحات كتابه، على المرونة التي تحايل بها الإسلام على قوانينه الخاصة، حتى تتكيف مع السياق، لقد وُصِفت بعض العادات التي سبقت أسلمة الأقاليم بأنّها كانت إسلامية بالتجربة، فبعد أن قدِّست صُنّفت الأيام الأولى للإسلام بالعصر الذهبي، وما يزال البعض يطمح إلى ذلك العصر، على الرغم من مرور القرون.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

lesclesdumoyenorient.com

الصفحة الرئيسية