في ذكرى وعد بلفور: هل تسرق الظلمات أملَ الفلسطينيين بدولة على أرضهم التاريخية؟

فلسطين

في ذكرى وعد بلفور: هل تسرق الظلمات أملَ الفلسطينيين بدولة على أرضهم التاريخية؟

مشاهدة

02/11/2018

قبل أكثر من 100 عام، وتحديداً في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917، قرر وزير الخارجية البريطاني "آرثر جيمس بلفور" التوقيع على وثيقة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وجاء في نص الوثيقة/الرسالة أنّ "حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب إلىهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية بشكل واضح على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح".

اقرأ أيضاً: كيف سهّل العثمانيون توطين اليهود بفلسطين قبل وعد بلفور؟

وأصبح صدور هذا الوعد لحظة غضب ممتدة يعبّر عنها الفلسطينيون والجماهير في الدول العربية والعالم لإقامة الاحتجاجات والمظاهرات المنددة به؛ حيث كان لهذا الحدث المأساوي الأثر والدور الرئيسي في اغتصاب إسرائيل، أراضي الفلسطينيين وتهجيرهم منها، وبات يطلق على هذا الوعد مسميات عدة منها؛ الوعد المشؤوم، ووعد من لا يملك لمن لا يستحق.

نص الوعد المشؤوم على إقامة وطن قومي لليهود بفلسطين

تسهيل الهجرة اليهودية لفلسطين

أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، ناجي سابا، يقول لـ "حفريات" إنّ "الصهيونية العالمية كان لها الأثر الكبير في إعلان وعد بلفور المشؤوم وذلك من خلال عقدها مؤتمر بازل في سويسرا في 29 آب ( أغسطس) 1897، بقيادة هيرتزل، والذي وعد اليهود بإيجاد وطن قومي لهم في فلسطين، ليفتح ذلك باب الأمل والطموح لدى الأقلية اليهودية خلال القرن 19 بإقامة دولة لهم على أرض فلسطين بدعم وتواطؤ بريطاني، ما سهّل لليهود تحقيق هذا الحلم".

يطالب الفلسطينيون رسمياً وشعبياً بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور الذي مهد لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية

ويضيف "بعد إعلان بلفور وعده قامت بريطانيا بتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإقامة مؤسسات اجتماعية وسياسية واقتصادية يهودية في فلسطين لدعم هذه العصابات، والذي سبقه قبل ذلك إعداد اللورد شافتسبري خلال مؤتمر الدول الأوروبية في لندن خلال العام 1840، خطة تشمل توطين الجماعات اليهودية بداخل فلسطين وقال لفظه الشهير آنذاك (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، مستغلين في ذلك الوقت ضعف الدولة العثمانية، والتي كان يطلق عليها في ذلك الوقت الرجل المريض".

اقرأ أيضاً: في ذكرى وعد بلفور..هل تتحمل بريطانيا مسؤولية أخلاقية لما تعرض له الفلسطينيون؟

ويردف أستاذ العلوم السياسية: "وعد بلفور سبقه عدة مشروعات كان لها دور محوري في استمرار زحف الخطر الصهيوني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكان لمعاهدة سايكس بيكو وسان ريمون في الفترة ما بين عام 1916 إلى 1920، دور في تقسيم الدول العربية إلى كيانات هزيلة، بعد أن جرى تقسيم الأراضي العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية آنذلك، وتم استعمار معظم دول شمال أفريقيا من قبل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في الفترة من العام 1830 إلى 1898".

تقسيم فلسطين
وفي العام 1947، يتابع سابا، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم (383) الذي قام بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وأبقي على القدس خاضعة تحت الإدارة الدولية كونها منطقة متنازعاً عليها بين المسلمين واليهود، وحصلت العصابات الصهيونية على أكثر من 61% من مساحة فلسطين التاريخية ليعيش فيها 114 ألف يهودي في ذلك الوقت، في حين يبقى أكثر من مليون فلسطيني يعيشون في 39 في المائة من المساحة المتبقية، والتي شهدت أيضاً قيام المجموعات الصهيونية بملاحقتهم بداخلها وطرد مجموعات كبيرة منهم إلى خارجها".

أصبح صدور هذا الوعد لحظة غضب ممتدة يعبّر عنها الفلسطينيون والجماهير في الدول العربية والعالم لإقامة الاحتجاجات

وبعد إصدار الأمم المتحدة قرار التقسيم، اندلعت حالة من الغضب والمعارضة الكبيرة لدى بعض الدول العربية، التي قامت بشنّ هجوم واسع على المليشيات الصهيونية في أيار (مايو) العام 1948 لطردهم من داخل فلسطين؛ حيث ردت خلالها العصابات الصهيونية بأبشع المجازر، التي كان من بينها مذبحة دير ياسين في 9 نيسان (أبريل) عام 1948، ما دفع الكثير من الفلسطينيين لترك قراهم خوفاً من بطش الجماعات الصهيونية، بعد أن انتشر صدى هذه المجزرة بين الفلسطينيين في القرى والتجمعات السكانية، كما يذكر سابا، الذي يضيف: بعد قرار بريطانيا الانسحاب من فلسطين، فتح ذلك المجال أمام ديفيد بن غوريون لإعلان قرار التقسيم وإقامة الدولة إلىهودية، وقد دفع هذه القرار الدول العربية الدخول بحرب استنزاف إلى جانب الفلسطينيين ضد العصابات الصهيونية، والتي أدت إلى انهزام الجيوش العربية لنقص العتاد العسكري، وقلة الخبرة التي كانت تتمتع بها هذه الجيوش، على غرار العصابات الصهيونية التي كانت تتزود بالأسلحة المتطورة وتضم أكثر من 20 ألف مقاتل".

عملت العصابات الصهيونية على ترويع الفلسطينيين وقتلهم وتهجيرهم

تشكيل العصابات الصهيونية
بعد هزيمة الجيوش العربية، قامت الحركة الصهيونية بتشكيل العصابات اليهودية مثل؛ الهاغاناة وشتيرن والبلماخ، التي كان هدفها ترويع المواطنين وقتلهم وطردهم من مدنهم وقراهم لحثهم على الهجرة منها، وبذلك سيطرت العصابات اليهودية على 20 في المائة من أراضي فلسطين، كما استغلت الجماعات الصهيونية حالة الضعف العربية وقامت بالزحف والسيطرة على أماكن واسعة بداخل فلسطين التاريخية وتشجيع الهجرة إلىهودية إليها، وتنفيذ الجرائم والمذابح بحق سكانها بدعم وتواطؤ من الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا، وفق سابا.
ويشير إلى أنّ "الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت تسير بوتيرة متسارعة نظراً للمعاملة السيئة التي كان يتعرض لها اليهود في الدول الأوروبية، وعدم مقدرتهم على الاندماج بداخل المجتمعات الغربية، في ظل الاضطهاد الذي كان يمارس ضدهم، إلى أن قررت بريطانيا، بمساعدة بعض الدول الأوروبية، التخلص من الجماعات اليهودية بإقامة وطن لهم في خارج القارة الأوروبية في آسيا أو أفريقيا، حتى وقع الاختيار على فلسطين لتكون موطناً لهذه العصابات للاستيطان فيها، وتأسيس مجموعات مسلحة تقوم بإرهاب وقتل الفلسطينيين بداخل قراهم".
اختيار فلسطين وطناً لليهود
من جهته، يستذكر الكاتب والمحلل السياسي، يوسف حجازي، ذكرى هذه الانتكاسة التاريخية، فيقول لـ "حفريات" إنّ "وعد بلفور قامت بصياغته لجنة صهيونية في بداية الأمر، وقام بلفور على أثرها بتغيير بعض البنود في القرار، والتي حدد من خلالها الوجهة الجغرافية التي ستكون موطناً ثابتاً لليهود، ووقع الاختيار على فلسطين لإنشاء كيان موالٍ لبريطانيا في الشرق الأوسط، نظراً لموقع فلسطين الذي يتوسط قارة آسيا وأفريقيا، وقربها من المنافذ البحرية كقناة السويس، وذلك لدعم مستعمراتها في منطقة الخليج العربي".
ويشير إلى أنّ "بريطانيا كان لها السبب الأول والرئيس في نكبة الشعب الفلسطيني، وظهر اهتمامها جلياً بفلسطين، فقامت بافتتاح أول قنصلية لها في مدينة القدس، إبّان فترة الحكم العثماني على فلسطين لبسط سيطرتها على المنطقة العربية بحجج واهية، وهي حماية الأقليات اليهودية والمسيحية في فلسطين من الاضطهاد والعنف الذي قد يقع عليهم من المسلمين، وكانت نتائج أفعالها اقتلاع شعب من أرضه دون حق".
سبعون عاماً مرت على النكبة والفلسطينيون يحلمون بالعودة

وعود بريطانيا الكاذبة
ويؤكد أنّ "بريطانيا فعلت كل ما بوسعها لدعم وإسناد الحركة الصهيونية، وشجعت هجرة اليهود إلى فلسطين في نهاية القرن 19، وساعدت الجماعات الصهيونية على إنشاء البؤر الاستيطانية وإقامة كيانات مسلحة لهم لمهاجمة الفلسطينيين في أراضيهم وقراهم، وتأسيس جماعة اليشوف والتي كان هدفها الأساسي هو ترويع المواطنين وبث الرعب في نفوسهم وحثهم على الهروب من منازلهم، تجنّباً لقيام العصابات الصهيونية بمهاجمتهم وقتلهم".

اقرأ أيضاً: المتاجرة بـ"القضيّة"..من أين يمر طريق القدس هذه المرة؟

ويضيف حجازي أنّ "بريطانيا خدعت الفلسطينيين بالوعود الكاذبة، وقامت بإحداث تغييرات ديمغرافية جوهرية على أعداد اليهود، واستطاعت استقطاب مجموعات يهودية من دول أوروبا الغربية للهجرة إلى فلسطين، ليكون الميزان الديمغرافي لصالح اليهود، وما تزال الهجرة إلى فلسطين مستمرة إلى يومنا هذا،  وبقيت إسرائيل تقوم على جلب الأقليات اليهودية من روسيا وأفريقيا ودول أخرى إلى داخل فلسطين، وتشير الاستطلاعات الإسرائيلية إلى أنّ أعداد السكان الإسرائيليين ستتساوى مع السكان الفلسطينيين في نهاية العام 2017، وحتى العام 2020 سيصبح مجموع السكان الإسرائيليين أكثر من 6.9 مليون شخص، مقابل 7 ملايين فلسطيني يعيشون في قطاع غزة والضفة الغربية والشتات".
ويطالب الفلسطينيون رسمياً وشعبياً، بريطانيا بالاعتذار عن هذا الوعد، الذي مهّد لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية، كما يطالبونها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد رفض رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي الاعتذار للشعب الفلسطيني على النكبة التي حلت به، واحتفلت بمرور مائة عام على وعد بلفور.

 

 

الصفحة الرئيسية