الرصاص الإسرائيلي يطفئ نور عيون أطفال العيسوية بالقدس

الرصاص الإسرائيلي يطفئ نور عيون أطفال العيسوية بالقدس

مشاهدة

16/12/2020

حالة نفسيّة سيّئة وصعبة ما يزال يعانيها الفتى صالح سامر محمود ( 16عاماً) من بلدة العيسوية بالقدس، بعد أن أطلق عليه جنود الاحتلال الإسرائيليّ عياراً مطاطياً من مسافة قريبة، ما تسبّب بفقدانه عينه اليسرى، وتهشّم أنفه، ليحرَم من نعمة لا يقدّرها سوى فاقدها، وهي نعمة البصر، ويكون ذنبه الوحيد أنّه فلسطينيّ يعيش في مدينة القدس.

بعد إجراء الفحوصات والصور الطبقية اللازمة، قرّر الأطباء إزالة عين مصطفى وإجراء تنظيفات عاجلة لها، كيلا تحدث أيّة مضاعفات خطيرة لعينه اليمنى

ويضيف محمود، الذي أصيب عام 2014، ولم يكن يتجاوز حينها الـ 10 أعوام، خلال حديثه لـ "حفريات": أنّه "خرج كعادته من منزله صباحاً إلى مدرسة العيسوية الابتدائية، ليفاجأ بانتشار قوات كبيرة من جيش الاحتلال، والتي كانت تستعدّ لإغلاق بلدة العيسوية، بعد تنظيم سكانها وقفة احتجاجية للاعتراض على وضع الاحتلال مكعبات إسمنتية على مداخل البلدة لإغلاقها، وهو ما دفعه للعودة مسرعاً إلى منزله، خشية اندلاع مواجهات بين المحتجين والجنود الإسرائيليين".

الطفل صالح محمود

وتنصّ اتفاقية حقوق الطفل، في المادة (6)، على أنّ لكلّ طفل الحقّ الأصيل في الحياة، وأن تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حدّ ممكن بقاء الطفل ونموّه، أمّا المادة (19)؛ فتلزم الدول الأطراف باتخاذ كلّ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من العنف والضرَر والإساءة البدنية أو العقلية، وتتكفّل الدول الأطراف، وفق المادة (37) من الاتفاقية، بعدم تعرّض أيّ طفل للتعذيب أو غير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية المهينة، وألا يُحرَم أيّ طفل من حريته بصورةٍ غير قانونية أو تعسفية.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تفرض الإقامة الجبرية على أطفال فلسطينيين بالقدس

وفي الجهة الشمالية الشرقية من المسجد الأقصى؛ تقع بلدة العيسوية المقدسية، البالغ عدد سكانها نحو 18 ألف نسمة؛ حيث تعرّضت البلدة خلال انتفاضة القدس لحملات دهم واقتحامات واسعة، تخللتها اعتقالات وتنكيل، إضافة لفرض حصار مشدد على البلدة، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2015.

آثار نفسيّة وصحيّة صعبة

وتابع محمود: "بينما كنت خارج المنزل لشراء بعض الخضروات من إحدى البقالات الموجودة في منطقة الظهرة بالبلدة، كانت هناك مواجهات قد اندلعت بين بعض الشبان وجيش الاحتلال، وأثناء عودتي إلى المنزل قام أحد الجنود بتوجيه سلاحه نحوي بشكل مباشر، من مسافة لا تبعد سوى عدة أمتار، وأصابني بطلق مطاطي في وجهي، لأفقد حينها الوعي بشكل كامل، ويتمّ نقلي إلى مستشفى المقاصد بالقدس".

اقرأ أيضاً: لماذا تهدد إسرائيل بقطع رواتب الأسرى الفلسطينيين؟

ولفت إلى أنّ "إصابته أدّت إلى حدوث نزيف حادّ في العين اليمنى وكسر في الجمجمة والأنف، خضع على إثرها لعمليتين جراحتين في محاولة من قبل الأطباء للسيطرة على وضعه الصحي المتدهور، إلا أنّ خطورة حالته الصحية وتفاقمها دفع  الأطباء في مستشفى المقاصد لتحويله إلى مستشفى "هداسا عين كارم" الإسرائيلي؛ حيث تم تزويده فور وصوله بعدة أكياس من الدم بعد المكوث في العناية المكثفة لمدة 10 أيام".

رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهجير، ناصر الهدمي لـ"حفريات": الاحتلال باستهدافه أطفال العيسوية، يرمي إلى إصابة أكبر عدد منهم بإعاقات جسدية دائمة، لقتل مستقبلهم

وأكّد محمود أنّه "بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من تواجده داخل المستشفى، ونتيجة لسوء حالته الصحية، قرّر الأطباء إجراء عملية جراحية لإزالة عينه اليمنى، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، بعد تأكّدهم بشكل لا شكّ فيه بأنّه قد فقدها بشكل كامل، وعدم استئصالها من شأنه أن يترك آثاراً جانبية خطيرة على عينه اليسرى، لتشكّل الإصابة بالنسبة إليه، رغم مرور أكثر من ستة أعوام عليها، كابوساً يطارده ليل نهار، وتترك أثاراً نفسية وصحية صعبة في حياته".

لا يتمكن من ركوب دراجته الهوائية

ولا تختلف حالة الفتى نور مصطفى من بلدية العيسوية عن وضع الفتى محمود، الذي يعاني أوضاعاً نفسيّة سيّئة، بعد أن تغيّرت حياته رأساً على عقب، ولم يعد يمارس حياته الطبيعية وركوب دراجته الهوائية والتجوّل بها داخل البلدة، بفعل إصابته بعيار مطاطي أطلقه عليه جنود الاحتلال، عام 2017، مما أدّى إلى فقدان عينه اليسرى، وذلك أثناء جلوسه برفقة أصدقائه على شرفة منزله.

الطفل نور مصطفى

وبيّن مصطفى (16 عاماً) خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "يوم الإصابة كان هادئاً، والجوّ كان مرحاً برفقة أصدقائه، وعندما كادت عقارب الساعة تقترب نحو الثامنة والنصف مساءً بتوقيت القدس، تفاجأ باقتحام عدة مركبات عسكرية للحي الذي يقطنه، وبينما كان يهم وأصدقائه بمغادرة الشرفة التي يجلسون فيها لكونها تقع على تلة مرتفعة ومقابلة للجنود الذين باتوا يبعدون أمتاراً قليلة عن منزله، وإذ بعيار مطاطي يصيب عينه اليسرى بشكل مباشر، ليسقط أرضاً مضرّجاً بدمائه".

اقرأ أيضاً: تهديد إسرائيلي بجلب مليون مستوطن شمال الضفة الغربية

ولفت إلى أنّه "تمّ نقلي إلى مستشفى هداسا في البلدة، بواسطة سيارة مدنية، لرفض قوات الاحتلال دخول سيارات الإسعاف للبلدة، وبعد إجراء الإسعافات الأولية اللازمة، وبعد أن مكثت ما يقارب الخمس ساعات داخل المستشفى، قرر الأطباء نقلي إلى مستشفى هداسا عين كارم بالقدس الغربية، لصعوبة وضعي الصحيّ، تحديداً بعد شعوري بضيق حادّ في التنفس، ومعاناتي من بعض الكسور في الوجه والأنف".

اقرأ أيضاً: "أسرلة" التعليم في القدس لتشويه الهوية الفلسطينية وطمسها

وتابع مصطفى: "بعد معاينة مكان الإصابة وإجراء الفحوصات والصور الطبقية اللازمة، قرّر الأطباء إزالة عينه وإجراء تنظيفات عاجلة لها، كي لا تحدث أيّة مضاعفات خطيرة لعينه اليمنى، مع ضرورة خضوعه في المستقبل لعمليات تجميلية بعد تماثله بشكل كامل للشفاء".

اقرأ أيضاً: قرية فلسطينية تستعين بكاميرات مراقبة لردع المستوطنين الإسرائيليين

وأكّد مصطفى أنّه "ما يزال، بعد أكثر من ثلاث سنوات من إصابته، يعاني من مضاعفات ومشاكل في عينه وأنفه، كما أنّه يخضع أسبوعياَ لجلسات علاج نفسي نتيجة للحالة الصعبة التي تركتها إصابته عليه، والتي جعلته يعيش بشكل انطوائي عن عائلته وأصدقائه".

تعمّد إحداث إعاقات جسدية

بدوره، أكد رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهجير، ناصر الهدمي؛ أنّ "العيسوية هي من البلدات المقدسية المكتظة بالسكان، والتي تتميز منذ نشأتها بعلاقاتها الاجتماعية الوطيدة بين أبنائها، لذلك كان لزاماً على الاحتلال الإسرائيلي استهدافها، عبر محاولة اختراقها وتفكيكها ونشر الخلافات بين سكانها"، مشيراً إلى أنّ "إسرائيل استهدفت البلدة مراراً وتكراراً خلال السنوات الماضية عبر مصادرة أراضيها واعتقال أبنائها، تحديداً الأطفال منهم، والذين يقفون سدّاً منيعاً في كلّ محاولة يقوم بها الاحتلال باقتحام البلدة".

ناصر الهدمي

ويضيف الهدمي، خلال حديثه لـ "حفريات": "الجيش الصهيونيّ، باستهدافه أطفال العيسوية، يهدف إلى إصابة أكبر عدد منهم بإعاقات جسدية دائمة، للتأثير على حياتهم المستقبلية، من خلال تعمّد إصابتهم بشكل إجرامي وعنصري في أعينهم وأيديهم بالأسلحة النارية، والتي تزايدت بشكل ملحوظ خلال الأعوام الخمسة الأخيرة".

اقرأ أيضاً: المستعربون: فرق موت إسرائيلية خفيّة تطارد الفلسطينيين

وتابع: "قوات الاحتلال تتذرع بأن استهدافها لأطفال العيسوية يأتي للحفاظ على النظام العام، في حين يتجاهل الكيان الصهيوني اتفاقيات حقوق الطفل التي قام بالتوقيع عليها، والتي بيّنت، بما لا شكّ فيه، أنّ إسرائيل لا تولي اهتماماً بهذه الاتفاقات، كونها تعلم جيداً أنها مجرد نداءات إعلامية وجدت لتظهر فقط على وسائل الإعلام، ولن تقوم بأيّ فعل مناهض للجرائم المرتكبة على أرض الواقع، وهو ما نشهده جلياً بعدم قيام أيّة مؤسسة دولية بتجريم الاعتداءات الإسرائيلية التي تقع بحق الأطفال الفلسطينيين وتحديداً المقدسيين منهم".

تجريم الاحتلال الإسرائيليّ

وأكّد الهدمي أنّ "السلطة الفلسطينية لم تقم يوماً بفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي ومحاسبته على جرائمه المتكررة بحق الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو حتى مدينة القدس، وهو ما يدلل أنّها تتساوق مع الاحتلال في سياساته الإجراميّة، تجنباً لقطع المساعدات المالية عنها".

وحول كيفية فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق أطفال بلدة العيسوية؛ بيّن الهدمي أنّ "الاعتراف الأمريكي بمدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني لن يؤثر على وضعها القانوني؛ كونها تخضع للاحتلال، حيث نصّت القوانين الدولية واتفاقية جنيف الرابعة لحقوق الإنسان على ضرورة حماية السكان القابعين تحت الاحتلال، مبيناً أنه "لا بدّ من قيام المؤسسات الدوليّة الفاعلة بتجريم الاحتلال، والذي بات يستهدف كافة مكونات المجتمع المقدسيّ، دون استثناء، عبر استصدار قرارات تثبت أنّ ما يحدث بالعيسوية وبالمدينة المقدسة بشكل عام هي جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، لتتمّ محاسبة الاحتلال عليها دولياً".

الصفحة الرئيسية