اتهامات لميليشيات الوفاق.. هل تجر السراج إلى قفص مجرمي الحرب؟

اتهامات لميليشيات الوفاق.. هل تجر السراج إلى قفص مجرمي الحرب؟

مشاهدة

18/06/2020

اتهمت منظمات دولية الميليشيّات التابعة لحكومة الوفاق بارتكاب جرائم وانتهاكات عديدة ضدّ المدنيين في مدينة الأصابعة، ففي 5 حزيران (يونيو) الجاري انسحبت قوات الجيش العربي الليبي من محيط طرابلس، وعلى إثر هذا الانسحاب دخلت مجموعات مسلّحة تابعة لحكومة الوفاق إلى مدينة ترهونة، وبدلاً من الحفاظ على المدينة، بدأت بتدميرها وحرق المنازل والقتل خارج القانون بقصف المباني السكنيّة بوساطة القذائف الصاروخيّة "آر بي جي"، وقد قام سكّان ترهونة بتوثيق هذه الانتهاكات عبر نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي لتكون أدلّة على ما اقترفته الميليشيات.

ميليشيات الوفاق قامت بإرهاب سكان ترهونة عبر عمليّات السطو والخطف مما دفعهم للنزوح

قامت تلك الميليشيات بإرهاب المدنيين عبر عمليّات السطو والخطف وحرق المقابر، مما أرعب سكّان ترهونة فقرّروا النزوح من المدينة لإنقاذ أنفسهم من الجرائم التي ترتكبها الجماعات التابعة لحكومة الوفاق، وقد وثقت بعثة الأمم المتّحدة بليبيا هذه الانتهاكات، وأثبتت موقفها ببيان حول تلك الوقائع عبر صفحتها بالفيسبوك قالت فيه: "تتابع البعثة بقلق شديد التقارير المروّعة جدّاً عن اكتشاف 8 مقابر جماعيّة على الأقلّ خلال الأيام الماضية، معظمها في ترهونة، ووفقاً للقانون الدولي فإنّه يتعيّن على السلطات إجراء تحقيق سريع وشفّاف وفعّال حول ارتكاب حالات قتل خارج نطاق القانون. كما ترحّب البعثة بقرار وزير العدل بتشكيل لجنة تحقيق، وندعو أعضاء هذه اللجنة إلى المباشرة في العمل على حماية مواقع المقابر الجماعيّة من العبث، والتعرّف إلى الضحايا وأسباب الوفاة، وإعادة الجثامين إلى ذويهم. وتجدّد البعثة استعدادها لتقديم الدعم المطلوب إذا لزم الأمر".

 

 

كما أعرب السفير الألماني في ليبيا، أوليفر أوكزا، حسب ما نشرته شبكة "سكاي نيوز"، عن صدمته إزاء التقارير الواردة عن انتهاكات حقوقيّة فظيعة في مدينة ترهونة، عقب دخول ميليشيات موالية لحكومة فايز السراج.
وقال الدبلوماسي الأوروبّي: إنّ هناك تقارير عن عمليّات قتل خارج إطار القضاء، مضيفاً أنّه يضمّ صوته إلى الأصوات التي تطالب بإجراء التحقيق في الأحداث، مبدياً قلقه إزاء التقارير الواردة عن عمليّات انتقام ونهب، فلم تتوقف الميليشيات التابعة للوفاق عن تجاوزاتها ضدّ المدنيين.

أعرب السفير الألماني في ليبيا عن صدمته إزاء تقارير الانتهاكات الحقوقيّة الفظيعة بمدينة ترهونة

ما لبث أن ظهر فيديو صادم لعمليّات تعذيب وحشي وإهانة تعرّض لها العمّال المصريّون بعد اعتقالهم من قبل ميليشيا مسلّحة تابعة لقوات "بركان الغضب" التابعة لحكومة الوفاق، وتمّ إجبارهم على الوقوف تحت أشعة الشمس حفاة، وعلى قدم واحدة ورفع أيديهم إلى الأعلى، كما تمّ إجبارهم على ترديد ألفاظ نابية والهتاف والإشادة بمدينة مصراته، تحت الادّعاء بأنّهم يدعمون الجيش الليبي ويعملون في صفوفه.
وحول ما إذا كانت هذه التجاوزات يمكن اعتبارها جرائم حرب وما مدى مسؤوليّة رئيس الحكومة فايز السراج عنها، قال المحامي والخبير في القانون الدولي محمّد صالح جبريل اللافي: "بكلّ تأكيد، إنّ ما تقوم به هذه الميليشيّات من ممارسات خارج القانون، هي ضمن الأعمال المصنّفة دوليّاً جرائم حرب، لكن للأسف العدالة الدوليّة بطيئة جدّاً، لأسباب إجرائيّة، نظراً لما تحتاجه مثل تلك القضايا من جمع معلومات كافية ودلائل وبراهين قويّة".

 

 

وأضاف في حديثه لـ "حفريات" أنّ القانون لا يعفي المسؤولين عن تلك الجرائم، "فمسؤوليّة المتبوع عن أعمال تابعه ثابتة؛ أي إنّ فايز السراج مسؤول مسؤوليّة كاملة عن هذه الجرائم أوّلاً وأخيراً، ويمكن وصفه بأنّه مجرم حرب، ومسألة تجريمه ووضعه في قفص الاتّهام بهذه الصفة هي مسألة وقت لا أكثر، لكونه هو من استقدم الميليشيات المسلّحة إلى ليبيا وسمح لها بالاعتداء على المجتمع الليبي، وهي جريمة مكتملة الأركان، وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، في ظلّ مجتمع دولي يراقب عن كثب مثل هذه الجرائم".

 

 

محمّد اللافي: فايز السراج مسؤول مسؤوليّة كاملة عن هذه الجرائم ويمكن وصفه بأنّه مجرم حرب

وحول إصرار قناة الجزيرة القطريّة على الزعم أنّ المقابر الجماعيّة التي ادعت حكومة الوفاق العثور عليها متّهم فيها الجيش الوطني الليبي علّق اللافي: "من الأمور المضحكة أن تروّج قناة الجزيرة أنّ المقابر الجماعيّة في ترهونة مسؤوليّة الجيش العربي الليبي، فهذه المقابر تعود إلى أكثر من 3 أعوام وبعضها أقدم من ذلك بكثير، أي في الوقت الذي لم تكن فيه ترهونة تحت سيطرة القوّات العربيّة الليبيّة، بل تحت سيطرة الجماعات المتحالفة مع حكومة الوفاق الآن، وهم يعرفون من قتلهم وهم مسؤولون بشكل مباشر عنها، لكن لا عجب من انزلاق الجزيرة إلى درك اللّامهنيّة والانحياز وقلب الحقائق، وهذه هي عادة المتحالفين مع جماعة الإخوان المسلمين".
من جانبه، قال الباحث والخبير في الشأن الليبي، عبد الهادي ربيع: "لقد ارتكبت الميليشيات الإجراميّة والمرتزقة من الفصائل السورية المتطرفة مجموعة من الجرائم ضدّ الإنسانيّة، فبعد خروج قوّات الجيش الوطني الليبي من بعض المناطق، اقتحمتها تلك الميليشيات وقاموا بارتكاب تجاوزات كثيرة ضدّ المدنيين، وتمثلت أبرز هذه الجرائم في حرق منازل المواطنين ومزارعهم انتقاماً منهم على اعتبار أنّ المدينة كانت حاضنة شعبيّة للجيش الليبي".

 

 

وأوضح ربيع لـ "حفريات" أنّ أفراد هذه الميليشيات اعتدوا أيضاً على المنازل وسرقوا محتوياتها وأحرقوها ودمّروها، إضافة إلى عمليّات التصفية الميدانيّة والخطف على الهويّة، كما جُرّت مئات العائلات قسراً إلى مناطق الشرق الليبي، خاصّة مدن بنغازي وإجدابيا، وسط غياب لمؤسّسات المجتمع المدني والمنظّمات الحقوقيّة، كما تمّ أسر مجموعة من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالحرب".
وأكد ربيع أنّ هذه التجاوزات شملت حتى قتل مجموعة من الحيوانات مثل أسود الكاني؛ لأنّ أصحابها كانوا من قيادات اللواء التاسع، وغزلان حديقة الحيوان بمنتزه الشرشارة، "كما طالت عمليّات الحرق والتدمير للمؤسّسات المدنيّة بل والمدارس والمحلّات التجاريّة والمولات، وفي المقابل ادّعت الميليشيات أنّ الجيش ارتكب جرائم المقابر الجماعيّة، وهذا غير صحيح؛ لأنّ المقابر يرجع تاريخها إلى أكثر من عامين، في حين أنّ الجيش كان يسيطر على المدينة في العام الماضي فقط، ما يشير إلى احتماليّة كونها لميليشيات فجر ليبيا وميليشيات صلاح بادي، حلفاء الأمس الذين هم أعداء اليوم، خاصّة أنّه تمّ تحديد مناطقها بدقة ولم يكن العثور عليها مصادفة".

 

 

اقرأ أيضاً: مليشيات السراج تنهب أموال الزكاة في صرمان وصبراتة
وحول مسؤوليّة السراج عن تلك الممارسات أضاف ربيع: هنالك العديد من المنظّمات الحقوقيّة رفعت تقارير ومذكّرات دوليّة لمقاضاة السراج داخليّاً وخارجيّاً لكونه مسؤولاً مباشراً عن الأمر أو التقصير أو الامتناع عن إصدار مراسيم ومذكّرات ضدّ مرتكبي الجرائم، ولكنّ هذه الجرائم جميعها ستبقى حبيسة الأدراج ما لم يعلن المجتمع الدولي عن موقف صريح من حكومة السراج تستطيع أن تقول إنّ تطبيق العدل مرتبط بالأساس بإنهاء الصراع، وهذا يبدو قريباً؛ لأنّ المجتمع الدولي سيتّجه في النهاية إلى التخلّص من السراج، بغضّ النظر عن نتيجة المعارك، ليتخلّص معه من أسراره.
أمّا بخصوص التجاوزات مع العمالة المصريّة، فقد أكّد عبد الهادي ربيع أنّ ما قامت به الميليشيات "جريمة لا تغتفر، خاصّة ميليشيا قوّة الحزم جنوب مصراته التي عذّبت الرعايا المصريين لإهانة رموز وطنيّة". 

 

 

ونوّه إلى أنّ "محاولة الميليشيّات تلفيق تهمة لهؤلاء العمال أنّهم مرتزقة في الجيش الليبي، ليس له أي أساس، فلو كانوا مرتزقة لكانوا أوّل من يهرب من ترهونة قبل خروج قوّات الجيش منها، كما أنّ أجسامهم وقدراتهم البدنيّة لا تسمح بذلك، إضافة إلى أنّ التعذيب بادٍ عليهم كما ظهر بالفيديو".
وحول سبب نشر قوّات الوفاق لهذه المقاطع قال ربيع: "إنّ الميليشيات أرادت ابتزاز مصر والتفاوض معها بشأن هؤلاء العمّال لمحاولة الضغط على الموقف المصري وتغييره، ولا أستبعد أن يكون ذلك بإيعاز وأمر مباشر من قيادات حكومة الوفاق الذين خرجوا وأنكروا الجريمة وادعو القبض على الفاعلين".

اقرأ أيضاً: خبراء: فشل سياسات السراج الاقتصادية تقود ليبيا نحو الهاوية
وفي السياق ذاته، عقد المتحدّث الرسمي باسم القوّات المسلّحة الليبيّة، اللواء أحمد المسماري، مؤتمراً صحفيّاً مساء الأحد الماضي قال فيه: "رصدنا انتهاكات للميليشيات تخالف المواثيق الدوليّة في ترهونة والأصابعة وعدّة مدن ليبيّة"، مضيفاً: "من بين هذه الانتهاكات سرقات بالجملة، سرقة كلّ ما يمكن أن يُسرق من معدّات وسيّارات وآلات وخيول، إلى جانب حرق الأخضر واليابس".
وبعدها قدّم المسماري اعتذاره "للشعب المصري الشقيق والقيادة المصريّة وكلّ منظّمات المجتمع المدني، وذلك بسبب الفيديو الذي انتشر على المواقع الاجتماعيّة ويظهر عمّالاً مصريين أتوا من أجل لقمة العيش، لكنّهم وجدوا أنفسهم بين أيدي إرهابيين قاموا بتعذيبهم".

 

 

ثمّ طالب المتحدّث باسم الجيش الوطني الليبي بالتحقيق في ما حصل، قائلاً: "هذا الملف يجب أن نسمع عنه شيئاً في بعثة الأمم المتّحدة، نحن نرحّب بالتحقيق في أسرع وقت قبل أن تضيع الأدلّة".
هذا ووصل، صباح اليوم، 23 مصرياً كانوا محتجزين في الأراضي الليبية على متن 4 حافلات تحت حماية الجيش الليبي إلى منفذ السلوم البري في مصر، بحسب مصادر "العربية".
وتدخلت السلطات المصرية لتحرير العمال الذين جرى تعذيبهم على أيدي الميليشيات، والإفراج عنهم وإعادتهم، وذلك بعد ساعات من تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسي لأجهزة الدولة بإعادتهم للبلاد.

 

 

الصفحة الرئيسية