أونال تشيفيكوز لـ"حفريات": أردوغان خسر نفوذه في ليبيا ودول الجوار

أونال تشيفيكوز لـ"حفريات": أردوغان خسر نفوذه في ليبيا ودول الجوار

مشاهدة

28/01/2021

أجرى الحوار: رامي شفيق

اعتبر مستشار أول رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي للشؤون الخارجية، أونال تشيفيكوز، أنّ "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعامل مع عدة أزمات سياسية في المنطقة، ومن بينها الصدام مع القاهرة بالمخالفة للتقاليد الدبلوماسية، وأعراف السياسة الخارجية، ما تسبب في عزلة إقليمية لبلاده".

افتقار إدارة ترامب للمبادئ الأساسية في السياسة والمصالح بين الدول استغلته أنقرة بكل براغماتية

وفي حواره مع "حفريات" لفت النائب في البرلمان التركي، إلى أنّ "علاقات تركيا مع حلفائها في الغرب تأثرت بفعل دور أردوغان الخارجي في ليبيا، وكذا مصالحه التي يبحث عنها في شرق المتوسط، الأمر الذي تسبب في تنامي قلقهم على خلفية التصعيد الخشن ميدانياً في بؤر الصراع السياسي بالإقليم"، مضيفاً أنّ "الإسلام السياسي الذي يتعاطى معه حزب العدالة والتنمية، ويعتمد كثيراً على مقولاته لم يعد اتجاهاً شائعاً في منطقتنا، بحسب ما كان في الماضي، ويبدو أنّ الأمر انتهى الآن".

ولفت الدبلوماسي التركي السابق إلى أنّه "من الضروري على كل فاعل سياسي في المنطقة، أن يدرك هذا الواقع؛ وعليه، تتطلب مصالح تركيا الإقليمية والدولية، وكذلك مصالح الدول الأخرى في المنطقة، "سياسة  حقيقية وواقعية"، بعيداً عن الوهم، إذ إنّ كل دولة في المنطقة بدأت تتصالح مع هذا الواقع، باستثناء تركيا".

وهنا نص الحوار:

تراجع السياسة الخارجية

تبدو علاقة أردوغان متوترة بالولايات المتحدة بشأن الدور الذي يجب على أنقرة أن تلعبه، فإلى أيّ مدى سيؤثر هذا على مصالحها بعد تولي بايدن للرئاسة؟

العلاقات التركية الأمريكية كانت دوماً في حالة صعود وهبوط في الماضي، وحالياً، تختلف الدولتان في وجهة نظر كل منهما، وذلك في ما يتعلق بعدد من القضايا، فمثلاً، أظن أنّه يتعين عليّ أن أذكر أنّ دعم الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، ليس بالطبع شيئاً مرضياً للحكومة التركية، كما أنّ ما قامت به تركيا، عندما اشترت نظام الدفاع الصاروخي  إس-400 من روسيا، استفز واشنطن؛ الأمر الذي تسبب في أزمة، ليس فيما يتعلق بالعلاقات بين الدولتين فحسب، وإنّما على صعيد وضع تركيا داخل حلف الأطلسي، باعتبارها عضواً فيه.

كل هذا وأمور أخرى كثيرة لم أسردها هنا، يمكن في النهاية حلها عن طريق مباحثات ثنائية صادقة بين الدولتين، وأعتقد أنّ إدارة بايدن ستقوم بإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها، بالتأكيد على أهمية المبادئ الأساسية في السياسة والمصالح بين الدول، وهو ما افتقرت إليه إدارة ترامب، واستغلته أنقرة بكل براغماتية، المنهج الجديد لن يعجب أردوغان كثيراً.

من الواضح أنّ أردوغان يطبق سياسة الضغط القصوى فيما يتعلق بالأزمة في ليبيا، وكذلك فيما يرتبط بالتوجه العسكري على الأرض، كيف سيؤثر هذا على علاقاته بدول أوروبا؟

أثار تورط تركيا في الأزمة الليبية، قلق الحلفاء الأوروبيين، وخاصّة في فرنسا. ومع ذلك، انخرطت تركيا في المشاركة في مؤتمر برلين، ورحبت، طوعاً أو على مضض، باتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه بين الأطراف المتصارعة في ليبيا، والمتوقع أن تلتزم كل الأطراف المتصارعة على المسرح الليبي بالعملية السياسية، بحسب نص اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن إذا فشلت تركيا في القيام بهذا الأمر وتكريسه عبر حلفائها في ليبيا، أخشى أن يؤدي ذلك إلى حدوث توتر بين تركيا وأوروبا.

 تركيا لديها تاريخ طويل من العلاقات مع ليبيا وسيكون من الأنسب لها أن تكون وسيطاً نزيهاً

تركيا لديها تاريخ طويل من العلاقات مع ليبيا، وسيكون من الأنسب لها أن تكون وسيطاً نزيهاً، بهدف إيجاد حل للنزاعات الداخلية هناك. لتحقيق ذلك، يحتاج المرء إلى أن يكون محايداً، ويحافظ على مسافة متساوية من جميع الأطراف. وللأسف بدلاً من ذلك، اختارت حكومات حزب العدالة والتنمية اتخاذ موقف أيديولوجي، وخسرت نفوذها، هذا يحدث ليس فقط في ليبيا، ولكن في كل مكان في دول الجوار.

تميزت تحركات أردوغان شرق البحر المتوسط بالعداء الشديد للقاهرة وأثينا، ما تقييمك لذلك خاصة وأنك تدرجت في السلك الدبلوماسي، وباعتبارك مسؤول الشؤون الخارجية لحزب الشعب الجمهوري؟

لن أسمي سياسة تركيا تجاه القاهرة وأثينا بأنّها عدوانية، بل أفضل وصف تلك السياسة بأنّها "سلوك غير دبلوماسي للسياسة الخارجية، ويفتقر إلى اللباقة والخبرة".

الافتقار إلى الاحترافية له مردود سيئ، ويُنظر إليه باعتباره وجهاً عدوانيّاً للسياسة الخارجية؛ إذ يثير هذا السلوك الكثير من المخاوف، ويلقي بظلال من الشك والريبة على موثوقية تركيا، وإمكانية التنبؤ بتصرفاتها والثقة بها. هذا يجب أن يتغير، تركيا ليست عاجزة عن استخدام الدبلوماسية والنهج السلمي لحل النزاعات، من جديد الأمر ببساطة مسألة أسلوب ولباقة، يفتقد إليهما صانع القرار.

وماذا عن العلاقات التركيّة الروسية؟ وإلى أيّ مدى ستتأثر بما يجري من تطورات في شرق المتوسط؟

لا أعتقد أنّ علاقات تركيا مع روسيا تتأثر بالتطورات في شرق المتوسط، تمكنت تركيا وروسيا من تنفيذ آلية مشتركة في سوريا عبر عملية أستانا، ولا يبدو أنّ موسكو متورطة في التوترات الحادثة في شرق البحر المتوسط، والتي تؤثر أكثر على العلاقات بين تركيا واليونان، المحادثات الاستكشافية بدأت في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، وآمل أن تكون خطوة رئيسية إلى الأمام، تؤدي إلى تخفيف حدة التوتر هناك.

دعم الإسلام السياسي

الرئيس التركي يتبني نهجاً سياسياً، يندرج ضمن منطلقات أيديولوجيا الإسلام السياسي، فهل سيستمر فيه مع المتغيرات في المنطقة؟

لم يعد الإسلام السياسي الذي يفضله حزب العدالة والتنمية، ويعتمد كثيراً على مقولاته اتجاهاً شائعاً في منطقتنا، كما كان في الماضي، يبدو أنّ الأمر انتهى الآن، وأعتقد أنّه من الضروري لكل فاعل سياسي في المنطقة، أن يدرك هذا الواقع. تتطلب مصالح تركيا الإقليمية والدولية، وكذلك مصالح الدول الأخرى في المنطقة "سياسة حقيقية"، بعيداً عن الوهم، وأعتقد أنّ كل دولة في المنطقة بدأت تتصالح مع هذا الواقع، باستثناء تركيا.

الاستبداد الداخلي

يكثر الحديث في تركيا بين الحين والآخر، عن الانتخابات المبكرة، خاصّة كلما واجه أردوغان وحزب العدالة والتنمية أيّ أزمات، هل يمكن أن يُمرّر هذا الأمر؟ 

لا يوجد أيّ مبرر منطقي، في ظل الظروف الحالية في تركيا، لإجراء انتخابات مبكرة، فالوضع الاقتصادي سيئ للغاية، والوضع السياسي ليس مواتياً، والسياسة الخارجية تعاني عدداً من الأزمات، واستطلاعات الرأي العام لا تظهر أيّ مؤشر على فوز حزب العدالة والتنمية. لذلك، فالدعوة إلى انتخابات مبكرة أمر فيه مخاطرة، والتلويح بها مجرد مناورة.

لوّحت واشنطن مؤخراً بفرض عقوبات على أنقرة، وكذلك تتعالى أصوات داخل الاتحاد الأوروبي من أجل تبني نفس النهج، ما هو موقفكم كـ "حزب معارض" تجاه ذلك؟

هذه ليست قضية يمكن أن يختلف حولها أحد، أو يجري تحديدها على أنّها "موقف حزب معارض"، بصفتنا حزب الشعب الجمهوري، نحن ضد فرض عقوبات على أيّ دولة، فالعقوبات لا تساعد على حل المشاكل، بل على العكس من ذلك، فهي تخلق تضامناً سياسياً واقتصادياً أقوى، بين سكان البلدان التي تواجه تلك العقوبات.

أعتقد أنّ الحكومة التركيّة الحالية، تفتقر إلى المهارة السياسية لحل المشاكل المتتابعة، ولكن الحال قد يختلف تماماً في ظل حكومة حزب الشعب الجمهوري، حيث أجزم أنّ تركيا لن تواجه أبداً خطر العقوبات، ذلك أنّ نهج ومنظور السياسة الخارجية لحزب الشعب الجمهوري يعتمد على الإرث الذي اكتسبناه من أتاتورك، هناك شعار رئيسي: "السلام في الوطن، السلام في العالم!" نحن نعتمد على احترام القانون الدولي، وعلاقات حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم انتهاك الحدود، ويجب أن تقوم سياسة تركيا الخارجية على هذه المبادئ، ويجب أن تعطي الأولوية للحل السلمي للنزاعات.

على الصعيد الداخلي، تزداد قبضة أردوغان الأمنية، وتتواصل الاعتقالات لإسكات كافة الأصوات المعارضة، إلى أين سيقود ذلك؟

تعاني تركيا من تزايد الاستبداد الشعبوي اليميني، وهذا أمر خطير للغاية على الاستقرار المجتمعي، والنظام الحالي يشعر وهو يواصل تلك الممارسات القمعية المتطرفة، براحة تامة، بل يدعم سياسات الدولة الصدامية، ويعتقد أنّه في صالحه مثل هذا الاستقطاب الحاد بالمجتمع، والقائم على تعبئة خطابه راديكالي بلغة متشدد في الدين والسياسة والقومية.

لم يعد الإسلام السياسي الذي يعتمد كثيراً على مقولاته اتجاهاً شائعاً في منطقتنا

مع ذلك، فإن تنامي أعداد السجناء السياسيين واتساع دائرة القمع ضد كل الخصوم، وعدم الامتثال لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، سيكون له تأثير سلبي على الوحدة والانسجام والاستقرار الاجتماعي في تركيا، ويخلق مزيداً من الانقسام في المجتمع.

يدفع الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية، وحليفه حزب الحركة القومية، تجاه إجراءات تهدف الى رفع الحصانة البرلمانية عن نواب من الأحزاب المعارضة، ما أثر ذلك على الوضع السياسي في تركيا؟

يؤدي ذلك إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام؛ ولا أعتقد أنّ مثل هذا النهج يساعد على الانسجام المجتمعي، إنّه يخلق الاغتراب والتمييز والعزل والظلم، تركيا في أمسّ الحاجة إلى سلوك سياسي شامل، لمواجهة هذا التوجه الحاد والتغلب عليه، ولكن هذا لا يحدث.

 تركيا تشهد نظاماً غريباً، يُشار إليه باسم "نظام الحكومة الرئاسية"، يمكن تلخيصه على أنّه نظام تنفيذي استبدادي، يقوّض الفصل بين السلطات، ويجمع كل الصلاحيات بيد الرئيس أو الفرد، وينبذ المؤسسات؛ وعليه يكون من الصعب عمل البرلمان، في إطار عملية ديمقراطية في ظل هذه الظروف.

الصفحة الرئيسية