أيّ شعلة توقدها "روما" في نفوس الجماعة؟

الإسلاميون

أيّ شعلة توقدها "روما" في نفوس الجماعة؟

مشاهدة

11/11/2018

استطاعت الدولة العثمانية أن تتمدد على أنقاض ما تبقى من دولة السلاجقة ثم زحفت للسيطرة على البلقان وأوروبا الشرقية، مكونةً إمبراطورية مترامية الأطراف، لكن انطلاقتها الحقيقية استمدتها من فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح الذي استطاع أن يغزوها ويفتح أبوابها أمام جحافل جيوشه بعد أن استعصت على المسلمين قروناً.

أدرك الأتراك العثمانيون، الذين ليسوا عرباً ولم ينحدروا من نسل قرشي، أنّهم لن يستطيعوا وراثة الخلافة العباسية، دون شرعية دينية تمنحهم القدرة على فرض أنفسهم كبديل مقبول لدى الغالبية العظمى من المسلمين.

اقرأ أيضاً: تركيا في القرن الأفريقي: حنين العثمانيين الجدد للهيمنة

أسيلت دماء عشرات الآلاف من الترك أمام أسوار القسطنطينية المنيعة لتحقيق نبوءة أوردتها كتب الأحاديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش" إلا أنّها بدأت تهيئ نفسها لغزو العالم الإسلامي والقضاء على دولة المماليك، واستلاب لقب الخلافة، وهو ما حدث.

ظهرت روما في خطاب الإخوان المسلمين كهدف للغزو ومظهر من مظاهر عودة الهيمنة الإسلامية مجدداً

حاول العثمانيون فتح روما بعد أن دخلت قوات الجيش العثماني في عهد السلطان محمد الفاتح مدينة أوترانت الإيطالية عنوة في شهر آب (أغسطس) من العام 1480م/ 885هـ حتى قيل إنّ السلطان كان ينوي دخول روما بعد أن أقسم بأن يربط حصانه في كنيسة القديس بطرس، ولكنه كان قد توفي في شهر أيار (مايو) من العام الذي يليه.

وبعدما سقطت الخلافة العثمانية العام 1924، أحيت الجماعات الإسلامية ما يُسمّى بـ "نوستالجيا الأمل" عبر إحياء خطابات النبوءة التي أظهرت قوتها على الفعل تاريخياً، ثم ظهرت روما في خطاب جماعة الإخوان كهدف للغزو ومظهر من مظاهر عودة الهيمنة الإسلامية مجدداً.

أسيلت دماء عشرات الآلاف من الترك أمام أسوار القسطنطينية المنيعة

غزو روما في عقل الإخوان

عبأت جماعة الإخوان أدبياتها وكتبها التربوية بالبشارات التي تحفز عناصرها وتمنحها الأمل في السيطرة المستقبلية، وتجتر مقولات البشارة لتسقطها على حالها وواقعها، فتسرد حديث سراقة بن مالك الذي حاول إيقاف النبي، صلى الله عليه وسلم، عند هجرته من مكة إلى المدينة، إلا أنّ أقدام فرسه كانت تغوص في الرمال في كل مرة، حتى قال له النبي، عليه السلام، بعد إسلامه: كيف بك إذا لبست سواري كسرى.

عبّأت جماعة الإخوان أدبياتها وكتبها التربوية بالبشارات التي تحفز عناصرها وتمنحها الأمل في السيطرة المستقبلية

وعندما فتح المسلمون بلاد فارس أُتي لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بسواريْ كسرى ومِنطقته وتاجه، ثم دعا سراقة بن مالك وأَلبسه إِياهما، وقال له: ارفع يديك، وقل: اللّه أَكبر، الحمد للّه الذي سلبهما كسرى بن هرمز، الذي كان يقول: أَنا رب الناس، وأَلبسهما سراقةَ رجلاً أَعرابياً، من بني مُدْلِج، ورفع عمر صوته.

تفعل هذه الروايات فعلها في نفسية المجندين المفترضين، الذين يرون في تلك الجماعة النواة الصلبة التي ستعيد مجد الأمة وتذهب بجيوشها إلى حيث إيطاليا.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية الإسلاموية.. إلى متى؟

ولم تبتعد أحاديث نبوءات آخر الزمان عن كتب جماعة الإخوان ولا عن محاضنها التربوية، فكتاب "الطريق إلى جماعة المسلمين" لكاتبه حسين جابر، الذي قدم له القيادي الإخواني، علي جريشة، يصل فيه إلى آخر مرحلة من مراحل التمكين للجماعة وهي فتح روما.

كتاب "الطريق إلى جماعة المسلمين" لحسين جابر

تستند "الإخوان"، كما غيرها من الجماعات الأخرى، إلى حديث أورده الحاكم في المستدرك مسنوداً إلى النبي، عليه السلام عن عبدالله بن عمرو، قال: بينما نحن حول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاءه رجل يقول أي المدينتين تُفتح أولاً القسطنطينية أم رومية؟ فقال: انتظر فدخل وفتح الصندوق وأخرج الكتاب فقال سئل النبي أي المدينتين تفتح أولاً قسطنطينية أم رومية؟ فقال: "مدينة هرقل أولاً".

لماذا روما؟

مع أنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي رأس حربة الصراع في العقل الإسلاموي الحاضر، إلا أنّ روما تظل الشعلة المتقدة في خطاب تلك الجماعات، فتستدعيه بين الحين والآخر لشحذ الهمم.

يحتج الإسلاميون بأنّ روما تظل الرمز الديني الأكبر للعالم المسيحي بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية! ومن ثم فإنّ واشنطن لا تُستبدل بروما في ذاك الخطاب.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الإسلاموية إلى مصر؟

ومع ذلك فالخطاب الإسلاموي يقع في تناقض آخر؛ إذ يحتل الروم مكانة تقديرية في الخطاب القرآني، وفي السورة التي تسمت باسمهم "الروم" التي جاءت متعاطفة ومنحازة إلى الروم في مواجهة الفرس، الذي لم يذكر القرآن اسمهم كونهم أصحاب ديانة غير سماوية، فتقول الآيات الكريمة "ألم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ".

تناقضات "الروم"

تأسيساً على ما سبق يتمتع الروم في التاريخ الإسلامي بود نتج عن معاملة طيبة من قبل زعيمهم تجاه النبي، صلى الله عليه وسلم، فهرقل قيصر الروم أكرم كتاب الرسول، صلى الله عليه وسلم، له ووضعه في مسك فدعا له النبي، صلى الله عليه وسلم، بأن يثبت الله ملكه.

اقرأ أيضاً: ماذا لو نزل الإسلام في اليونان أو الرومان؟

كان نتاج تلك الدعوة -حسب الكثير من كتب السيرة- أن ثبتت إمبراطورية الرومان؛ وحتى بعد أن فتحت جيوش المسلمين الشام، ظلت صامدة في أوروبا قروناً طويلة رغم انقسامها إلى دولتين: إحداهما عاصمتها بيزنطة (القسطنطينية)، والأخرى عاصمتها (روما).

أما دولة فارس فلم تحظَ بالود الذي حظيت به "الروم" وانهارت مبكراً أمام جيوش المسلمين ولم تقم لها قائمة، والسبب كما يرى كثير من الإسلاميين أنّها بفعل دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، حينما بعث برسالة لكسرى، ملك الفرس، يدعوه فيها إلى الإسلام فمزقها فقال النبي عليه السلام: "اللهم مزِّق ملكه".

اقرأ أيضاً: الجهاد والإرهاب

ومع ذلك فإنّ أدبيات الإسلاميين اعتبرت أنّ الصراع بين المسلمين والمسيحيين ممتد حتى نهاية الزمان ما دامت روما لم تفتح بعد على يد المسلمين.

الروم عند قطب والبنا

في مقاله بعنوان "الإخوان المسلمون والحضارة الغربية" استشهد الكاتب الإخواني محمد فتحي النادي بحديث حول  الملاحم الكبرى التي "سيكون بنو الأصفر (الغرب) ضالعين فيها، وسيكون عدوانهم وبغيهم وخيانتهم للمسلمين أمراً ظاهراً، فقد قال رسول الله عليه السلام لعَوْف بْن مَالِكٍ: "اعْدُدْ سِتّاً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطاً، ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

يعلق الكاتب قائلاً: "هذه العلاقة تحتاج إلى دراسة وتعمق وفهم.. وتبقى الأسئلة مطروحة: لماذا يهتم بنا الغرب أكثر من بقية أماكن العالم الأخرى؟.. ولماذا -أيضاً- ننشغل نحن بالغرب أكثر من انشغالنا بالحضارات الشرقية المجاورة لنا…؟ لماذا الصراع بيننا محتدم أبداً.. ولا يكاد يخفت حتى تشتعل ناره من جديد؟..".

يقتبس الكاتب من مجموع الرسائل لحسن البنا قوله "إنّ مدنية الغرب، التي زهت بجمالها العلمي حيناً من الدهر، وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدوله وأممه، هي الآن تفلس وتندحر، وتندك أصولها، وتنهدم نظمها وقواعدها، فهذه أصولها السياسية تقوضها الدكتاتوريات، وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات، ويشهد ضدها ملايين البائسين من العاطلين والجائعين، وأصولها الاجتماعية تقضي عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة في كل مكان، وقد حار الناس في علاج شأنها وضلوا السبيل، مؤتمراتهم تفشل، ومعاهداتهم تخرق، ومواثيقهم تمزق، وعصبة أممهم شبح لا روح فيه ولا نفوذ له، ويد العظيم فيهم توقع مع غيره ميثاق السلام والطمأنينة في ناحية، بينما تلطمه اليد الثانية من ناحية أخرى أقسى اللطمات، وهكذا أصبح العالم -بفضل هذه السياسات الجائرة الطامعة- كسفينة في وسط اليم، حار ربانها، وهبت عليها العواصف من كل مكان...".

اقرأ أيضاً: معالم في الطريق: بيان ساحر يعيد إنتاج النازية دينيّاً

وإذا كان البنا تكلم عن إفلاس الحضارة الغربية، فقد رأى سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق"، أنّ البشرية تقف "عند حافة الهاوية.. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها.. فهذا عَرَضٌ للمرض وليس هو المرض.. ولكن بسبب إفلاسها في عالم (القيم) التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموّاً سليماً وتترقى ترقيّاً صحيحاً. وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من (القيم)".

الصفحة الرئيسية