تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

مشاهدة

03/04/2018

يشهد العالم اليوم صراعات مختلفة؛ عسكرية وسياسية ودينية واجتماعية، تأثرت فيها مختلف المجتمعات المتقدمة منها والمتخلفة. ومن الملاحظ أنّ التأثير الأكبر يقع على الفئة الأصغر من فئات المجتمع؛ أي على الأطفال؛ إناثاً وذكوراً، سواءً أكان التأثير نفسياً أم جسدياً، ويصل هذا التأثير إلى حدِّ تجنيد الأطفال وزجّهم في الصراع القائم؛ عسكرياً ودينياً، وتحميلهم السلاح الذي يبلغ بعضه من الطول والوزن أكبر من طول ووزن الطفل المجند.

كان لعام 1989 الفضل الأكبر في الاهتمام بالطفل وحقوقه ورعايته بما يتناسب مع عمره وقوّته البدنية حتى بلوغه السن القانونية، فقد قام المهتمون بالطفولة من زعماء العالم بعقد اتفاقية دولية تهتم بشؤون الطفل والطفولة ورعايتهما وحمايتهما من الأخطار الناجمة عن العنف بكافة أشكاله (اليونسيف)، وتلك الاتفاقية لا تميز بين طفل في المجتمعات المتقدمة ونظيره في المجتمعات النامية، وتُلزم هذه الاتفاقية الدول الأعضاء والدول الموقعة على الاتفاقية بتنفيذ كافة بنودها، إلاّ أنّ ما يشهده العالم العربي اليوم من نزاعات مسلحة وقوى تعتبر نفسها ثورية سرقت من الأطفال براءتهم وحمّلت الطفولة عبئاً لم يشهده أطفال العالم من قبل، والأخطر من ذلك أنّ الدور الذي يجب أن تقوم به المنظمة المسؤولة عن الاتفاقية حيال العنف المتفشي ضد الأطفال هو دور شبه معطّل؛ بل معطل تماماً.

الدور الذي يجب أن تقوم به المنظمة المسؤولة عن الاتفاقية حيال العنف المتفشي ضد الأطفال هو دور شبه معطّل

إنّ استغلال حالة الفقر والعوز في المجتمعات التي تشهد حالة نزاع مسلح مثل؛ اليمن وسورية، والشعارات الرومانسية التي يطلقها قادة العنف والإرهاب، وتهديد الأهل بالقتل وسبي النساء، آلت بالأطفال إلى الحالة التي هم عليها الآن، فإذا تساءلنا: ما هي التبعات الناجمة عن تجنيد الأطفال؟ وكيف ستصبح المجتمعات بعد عقد من الزمن وأطفالها قد ترعرعوا ضمن مخيمات مقاتلة لا تعرف إلّا العنف والترهيب والتعصب للعقائد الأيديولوجية الدينية والسياسية؟

إذا حاولنا قراءة الصور الذهنية عند الأطفال؛ فلن نرى إلّا اللعب والعفوية وأحلاماً بغدٍ يحمل معه مستقبل الشباب بألوانه الزاهية وفرحه العذب. فبغض النظر عن كيفية تجنيد الأطفال وعن الأدوار التي توكل إليهم، فهم يبقون ضحايا النزاع والقتال والعنف، مما تؤدي بهم الحال إلى التشوه النفسي والعقلي ناهيكم عن الأذى الجسدي الناتج عن التدريب العنيف والضرب والتحرش الجنسي وغير ذلك من الممارسات العنفية، وإجبار الأطفال على القيام بالممارسات ذاتها، مما يزرع في داخلهم الرغبة بالانتقام والحقد على الآخر وعدم الاعتراف به، وقد تؤدي هذه الممارسات إلى تدهور الحالة الصحية لديهم وموت البعض منهم في معظم الأحيان، هذا بالإضافة إلى ما ينجم عن تلك الحالة من منع الأطفال من إكمال مراحل التعليم والتسرب القسري من المدارس، وإغوائهم بالمردود المالي لسد حاجات الأسرة من المأكل والمشرب والملبس نتيجة الفقر الذي أنتجته النزاعات والحروب.

بغض النظر عن كيفية تجنيد الأطفال وعن الأدوار التي توكل إليهم، فهم يبقون ضحايا النزاع والقتال والعنف

بالرغم من وجود الحظر على تجنيد الأطفال بموجب القانون الدولي لحقوق الطفل، الذي هو جزء من حقوق الإنسان، ينص الحظر: "تجنيد واستخدام الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر للعمل بوصفهم جنوداً أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني وطبقاً للمعاهدات والأعراف، كما يتم تعريفه بوصفه جريمة حرب من جانب المحكمة الجنائية الدولية. وفضلاً عن ذلك يُعلِن قانون حقوق الإنسان سن الثامنة عشرة بوصفها الحد القانوني الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية، وتضاف أطراف النزاع التي تجنِّد وتستخدِم الأطفال بواسطة الأمين العام في قائمة العار التي يصدرها سنوياً"، تكتفي منظمة (اليونسيف) و(الأمم المتحدة ومجلس الأمن) بالتعبير عن قلقهم حيال ظاهرة تجنيد الأطفال وعمالتهم، مع أنّ بنود اتفاقية حماية الطفل واضحة وصريحة، وتتضمن أربعاً وخمسين مادة، وبروتوكولين اختياريين. وهي توضّح بطريقة لا لَبْسَ فيها حقوق الإنسان الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الأطفال، من حقوق ثقافية واجتماعية وفي أي مكان - ودون تمييز، وهذه الحقوق هي: حق الطفل في البقاء، والتطور والنمو إلى أقصى حد، والحماية من التأثيرات المضرة، وسوء المعاملة والاستغلال، والمشاركة الكاملة في الأسرة، وفي الحياة، وتتمثل مهمة اليونيسف في حماية حقوق الأطفال ومناصرتها لمساعدتهم في تلبية احتياجاتهم الأساسية وتوسيع الفرص المتاحة لهم لبلوغ الحد الأقصى من طاقاتهم وقدراتهم ومهاراتهم الذاتية والتعريف بحقوقهم عن طريق نشر الثقافة بين الأطفال، وتجريم ومعاقبة كل من يخلّ في بنود الاتفاقية من الحكومات الوطنية المصادقة عليها.

ظاهرة تجنيد الأطفال ليست مأساة اجتماعية فحسب؛ إنما هي مأساة إنسانية وفكرية وثقافية

حذّر الباحثون في التربية وعلم نفس الطفل من انتشار ظاهرة تجنيد الأطفال؛ إذ تتسبب الأعمال الحربية بتأثيرات مدمرة على نفسية الطفل خلال مرحلة طفولته ونشأته ونموه، ويكبر على ما نشأ عليه من مبدأ العنف والقوة والعدوان، وذلك لعدم قدرة الأطفال على امتلاك الوعي الكافي واتخاذ القرار، وعدم التمييز بين الخطأ والصواب.

ظاهرة تجنيد الأطفال ليست مأساة اجتماعية فحسب؛ إنما هي مأساة إنسانية وفكرية وثقافية،  تحوّلهم إلى سلعة للتداول بين أطراف النزاع، فإنّ الخاسر الأكبر هو المجتمع وبنيته التي ستغوص في مستنقع الفلتان الأخلاقي والفكر الانتقامي وثقافة العنف والحقد والإرهاب والجرائم، وهذا بحد ذاته جريمة أخلاقية وفكرية يصبح ضمنها إلغاء الآخر منهجاً حياتياً، والعنف والعدوانية والحقد والكراهية هي المكوّن الأساسي في شخصية الأطفال المستخدمة في النزاع؛ حيث يكون انتماؤه إلى الدائرة الضيقة الرافضة للعيش المشترك في وطن واحد سيصبح بعد فترة من الزمن مغلقاً على فكر أحادي الجانب. أما المنظمات العالمية المهتمة بشؤون الطفل وحقوق الإنسان، مهمتها إصدار التقارير الصادمة بأنّ العالم العربي مقبل على كارثة إنسانية حقيقية من دون القيام بمحاسبة فعلية للقائمين على تجنيد الأطفال واستغلالهم.

الصفحة الرئيسية