الحوار مع الإرهاب.. هل هو ممكن؟ وما جدواه؟

الحوار مع الإرهاب.. هل هو ممكن؟ وما جدواه؟

مشاهدة

13/02/2019

ضمن حالة الانبهار، وربما التقديس، لبعض المفاهيم والقيم الغربية، والتعامل مع كلّ ما يأتي عبر اللسان الأعجمي، باعتباره أفضل ما أنجزه العقل البشري وما اهتدى إليه من قيم وأفكار، تأتي فكرة الحوار مع الإرهاب ليرميها الغرب في ساحتنا، معتقداً أننا سنحتفي بهذا الطرح ونشرع في الأخذ بمقتضياته، دون تفكير أو تدبير يكافئ وينسجم مع أحوالنا، ومع ما نواجه من تحديات بناء الدولة الوطنية، وتدعيم بُناها الدستورية والقانونية، والأهم قيمها التي لا تترسخ سوى بالممارسة الدؤوبة والواعية.

اقرأ أيضاً: هل تكون تشاد ساحة المواجهة العالمية الجديدة مع الإرهاب؟

في دراسة لمؤسسة راند، نشرت العام 2008، بعنوان "كيف تنتهي الجماعات الإرهابية"؛ التي بحثت في عيّنة بلغت 648 منظمة إرهابية، منذ عام 1968، خلصت إلى أنّ 43% من تلك المنظمات انتهت بالانتقال إلى عمل سياسي، بينما انتهت 40% منها نتيجة لنشاط الشرطة وأجهزة الأمن، وانتهت 7% منها بعمل عسكري، بينما انتهت 10% منها بانتصار المنظمة الإرهابية.

حاول البعض من خلال الدراسة التأكيد على أهمية الحوار، وإمكانية نجاحه في تحويل اتجاهات بعض المنظمات الإرهابية إلى العمل السياسي، بديلاً عن العمل الإرهابي المسلّح، والتعويل على تلك النسبة، التي بلغت 43%، والتي تتجاهل أنّ حسم الصراع مع تلك المنظمات عبر عمل أمني بلغ نسبة 47%؛ أي إنّ النسبة الأكبر حتى في الخبرة الغربية تأتي لحساب الحسم الأمني.

يصطدم مبدأ جدوى الحوار مع الإرهاب في منطقتنا بمسألة طبيعة الفكر المتطرف والإرهابي وطبيعة الأهداف التي يسعى لها

فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ هناك فارقاً نوعياً مهمّاً، يتمثل في الحديث عن البيئة وطبيعة الأفكار لدى المنظمة الإرهابية الغربية، التي ربما ترتكز قضيتها على فكرة التمكين السياسي والاندماج، مع التأكيد على القبول بقيم التداول والتعددية السياسية، وما تجسده تلك المنظمات الإرهابية في الشرق، التي تتبنى إستراتيجية استئصالية، وتريد تغيير كلّ قواعد اللعبة، وكتابة كلّ شيء على شروطها مستخدمة القمع كخيار أثير، تتسلط من خلاله على واقع الناس؛ سياسياً واجتماعياً وحقوقياً.

الأمر الآخر؛ أنّ تلك القيادات الإرهابية رغم تنوع الطيف الإرهابي لدينا، من إخوان إلى سلفيين إلى جهاديين، على تباينات معروفة بينهم، يتشاركون فكرة الاستبداد بديباجات دينية، لا يمكن للغات الأرض أن تتعاطى معها، في هذا السياق؛ يصحّ ما يقوله مايكل بيرلي، في دراسته الثقافية لتاريخ الإرهاب، والتي وردت ضمن كتابه "دماء وغضب"، في أنّه "إذا كان بإمكانك أن تتخيل أن أسامة بن لادن قد يتحول إلى نيلسون مانديلا، فأنت في حاجة إلى طبيب نفسي وليس مؤرخاً"، فخبرة التاريخ تقول إنّ لهذا فضاء ولذاك فضاء آخر.

تعود بعض الدراسات المنشورة في التدليل على جدوى الحوار، لمحاولة إقناعنا بأنّ الإرهابيين أشخاص طبيعيون، ضاربين مثالاً بالمجاهدين الأفغان.

اقرأ أيضاً: الإرهاب الدولي بين توحيد القوى وتناغم رؤى المواجهة

فعندما يتحدث عالم النفس، مارك سيجمان، قائلاً إنّه درس حياة 172 شخصية من المجاهدين الأفغان، ولم يجد إلّا النزر اليسير من الأدلة في أسلافهم على السقم الشخصي، عجباً! وهل كان المجاهدون الأفغان إرهابيين، وهم يحملون السلاح لتحرير وطنهم من السوفييت، في قتال مشروع وطني وإنساني، ربما ما طرأ على المشهد الأفغاني لاحقاً، بفعل عوامل متعددة صنع منظمات إرهابية، لكن حتى الآن لم تسجل حالة عنف أو إرهاب واحدة خارج أفغانستان، مارسها الأفغان بحقّ المصالح الأمريكية، خصوصاً أنّ أمريكا دكّت بطائراتها وأسلحتها قرى بأكملها فمسحتها من على وجه الأرض، في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، والتي لم يكن من بين من قاموا بها أفغاني واحد.

ليس هذا موضوع مقالنا، في طبيعة الحال، إنما أردنا فقط التأكيد على أنه لا يستقيم منهجياً، اعتبار هؤلاء إرهابيين بيقين، واعتماد ما يصدر بحقهم من دراسات، دون تدقيق كافٍ في الظروف والملابسات والسياق.

قد يكون الحوار مجدياً عندما تدرك تلك الجماعات أنّها لن ترفع السلاح بوجه الدولة وتقبل بصيغة الدولة الوطنية

هل من الممكن أن تقنع المتطرفين أو الإرهابيين بأن يكون جزءاً من التغيير وبناء الدولة، وإدماجهم في المجتمع من خلال برامج علمية وخطط، تتيح لهم فرص مواصلة تعليمهم وإفساح المجالات الاقتصادية، كالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن الاستيعاب السياسي، يسأل من يراهن على جدوى الحوار مثل تلك الأسئلة التي يبدو من خلالها كيف هو غارق حتى أذنيه في التجربة الغربية التي تختلف تماماً عن تجارب منطقتنا.

يحاجج دعاة الحوار مع الإرهاب بمقولات مثل نجاح التفاوض مع الإرهاب، وفي الصراعات المسلحة في السلفادور وجنوب إفريقيا، موزمبيق، أتشيه في أندونيسيا، لو تأملتَ قليلاً في تلك الأمثلة المضروبة، ستدرك حجم السطحية التي تنطوي عليها في الإسقاط على منطقتنا، وتجاهل خصوصية كل نزاع يضرب به المثل في جدوى الحوار مع الإرهاب.

يصطدم مبدأ جدوى الحوار مع الإرهاب في منطقتنا بمسألة في غاية الأهمية، هي طبيعة الفكر المتطرف والإرهابي وطبيعة الأهداف التي يسعى لها الإرهاب.

اقرأ أيضاً: أنيس كانتر: رياضي وقف في وجه أردوغان فاتّهمه بالإرهاب

لسنا في الحالة الشرقية أمام منظمة تلجأ إلى استخدام السلاح من أجل تحصيل مكاسب سياسية، أو المشاركة في الحكم قانعة بقيم التداول السياسي للسلطة، ومؤمنة بحقوق وحريات الناس؛ بل هي تستبطن، أو حتى تعلن في سفور نموذجاً مغلقاً للحكم، يدّعي الصلة بالشريعة ونصرة تعاليم السماء، عن إخلاص راسخ لأذواق واختيارات فقهية خاصة تعيد تعريف الشريعة بأسماء وأسمال غريبة.

قد لا يكون من المفيد أو المقنع هنا استحضار مقولات تتحدث عن نجاح الحوار بين حبر الأمة، عبدالله بن عباس، والخوارج، والذي أفضى إلى إقناع وانسحاب ربع أتباعهم، فلسنا بصدد بيئة تهدي لنا شبيهاً بحبر الأمة، ولا نفس الخوارج، وإن تشابهت بعض سماتهم بخوارج هذا العصر.

اقرأ أيضاً: تنظيم داعش الإرهابي يتوعد.. هذا ما قاله

قد يكون الحوار مجدياً؛ عندما تدرك تلك الجماعات أنّها لن ترفع السلاح في وجه الدولة أو المجتمعات، وتقبل بصيغة الدولة الوطنية التي تحتكم إلى الدستور والقانون، وتخضع لمقتضياتهما، وبطبيعة الحال لن ينجح ذلك، إلا في ظلّ نظم سياسية تحترم القانون والدستور وتفتح مسارات السياسة، فليس من المقبول، ولا من الممكن أن تقبل أيّة حركة؛ إرهابية أو غير إرهابية، بانخراط جاد في حياة سياسية مسدودة يكتب شروطها طرف بعينه.

الصفحة الرئيسية