الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية

الأحزاب

الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية

مشاهدة

21/05/2019

القضية الكردية هي مُنتج عملي للسياسات الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط في القرن الماضي؛ فالكُرد الذين يقطنون أربعة بلدان متجاورة، وأكبر نسبة لهم في تركيا ثم العراق وإيران وأقلهم في سوريا، وبتعداد سكاني لا يقل عن 28 مليون نسمة، لا يمتلكون حتى الآن جنسية خاصة بهم ولا دولة ولا أية حقوق ثقافية في البلدان الأربعة، عدا كردستان العراق.

تعد القضية الكردية مُنتجاً عملياً للسياسات الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط في القرن الماضي

بدأت القضية الكردية لحظة ترسيم حدود افتراضية دولية في المنطقة "نُفّذت بسكين مهتزة" بتعبير روبرت كابلان في كتابه "انتقام الجغرافيا"؛ ما جعل الحدود السياسية لتلك الدول المخترعة من الجسد العثماني أشبه بـ"رسوم أطفال"؛ فالتوزيع السكاني المتداخل في واحدة من أعرق مناطق العالم استيطاناً قابله اعتماد غربي (حتى الآن) على علاقات القوة وتغيراتها العسكرية والسياسية مع تركيا الوليدة قبل أي بلد آخر، وخلق تغييراً جذرياً في جيوسياسية المنطقة جعلها للوقت الراهن مرتعاً خصباً لمختلف أنواع النزاعات. نتذكر أنّ بريطانيا قمعت بعنف محاولة تأسيس أول مملكة كردية شمال العراق الحالي العام 1922.
أدت هذه الحدود الجديدة، التي هي أحد تجليات الدولة الحديثة القومية بشكل أساسي، إلى جوار الجنسية، إلى توزع المشكلة الكردية على تركيا وإيران والعراق، ثم سوريا لاحقاً، نتيجة لاتفاقيات متكررة أسوأها اتفاقية سايكس بيكو، ثم أكملتها سياسات الأنظمة الحاكمة الناشئة في المنطقة ومستعمريها، وكان أكثرها بروزاً سياسات مصطفى كمال المتأثّرة بالنزعة النازيّة والمدعومة دولياً، والتي قامت بعملية تطهير عرقي ضد جميع المكونات غير الطورانية (التركية) في تركيا.

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة

فالكرد بعد أن كانوا يشكّلون مع الأرمن والعلويين العرب (جنوب تركيا حالياً) قُرابة 5 ملايين إنسان من كامل سكّان الهضبة الأناضوليّة البالغ عددهم (حوالي 11 مليوناً) دُفعوا نتيجة خياراتهم السياسية والقومية إلى ترحيل وتشريد وقتل مستمرين إلى الآن.
في العام 1924، حُظرت المدارس والمؤسسات والمطبوعات الكردية، وبعد ثورة الشيخ سعيد النورسي (الكرديّ) العام 1925، التي احتجت على سياسات "ذئب الأناضول" أكمل الطورانيّون محاولةَ اقتلاع المكونات القومية التاريخية في الهضبة، فذبح ملايين الأرمن وقتل آلاف وشرد آلاف آخرون من الكُرد من شرق البلاد، بالتعاون مع فرنسا، وحتى أواخر العام 1936، وصل أكثرُ من 80 ألف كرديّ ليستوطنوا منطقةَ الجزيرة العليا في سوريا (قرب الحدود الحاليّة)، وتبعهم عددٌ من الآشوريين من العراق (نحو 9 آلاف)، وبعد تمرد "ديرسيم" العام 1938، بدأ حظر استخدام اللغة الكردية في التخاطب، كما تم حظر المصطلحين "كُرد" و"كُردستان" وتم "اختراع" مصطلح "أتراك الجبال"، وأعيد تسمية مناطق الشرق بأسماء تركية إلى الآن.

الكُرد الذين يقطنون أربعة بلدان متجاورة

الأحزاب الكردية

تأسست أول جمعية ثقافية كُردية العام 1908 على قاعدة التفاعل والتعارض مع التطلعات الأرمنية واليونانية (من أصل تركي) الاستقلالية، ودفعت القوميات الثلاث ثمناً مرهقاً في العقود الثلاثة الأولى من القرن الماضي، سبقها بأقل من عقد ظهور أول صحيفة كردية في القاهرة عام 1889 حملت اسم "كُردستان" أصدرتها عائلة بدرخان بالعربية والتركية وصدر منها 12 عدداً.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
لكن أول تنظيم سياسي كردي ظهر في سوريا بتأسيس جمعية Khoyboun (الاستقلال) العام 1927 بدعم فرنسي للمنفيين الكرد من تركيا، وهي أول منظمة قومية تعمل من أجل "تحرير كردستان الطاهرة من آخر جندي تركي"، وقد لعبت هذه الجمعية دوراً مهماً في السياق السياسي السوري خلال حقبة الاحتلال الفرنسي؛ إذ كان بعض أعضائها (مثل محمود باشا الملي) من المطالبين باستقلال إقليم الجزيرة (الحسكة) عن سلطة دمشق المركزية، فكانت هذه أول مرة تظهر فيها التطلعات القومية للكرد (القادمين من تركيا) علناً في سوريا بعد أن منعت وقمعت في كل من تركيا وإيران والعراق بالتوازي.

حتى أواخر 1936 وصل أكثر من 80 ألف كرديّ ليستوطنوا منطقة الجزيرة العليا في سوريا

ويمكن القول إنّ تأسيس جمهورية "مهاباد" الكردية في إيران بدعم سوفياتي العام 1946 كان بداية تأسيس الأحزاب الكردية تأسيساً على عودة أحلام تأسيس دولة كردية؛ إذ تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP العام 1946 على يد الملا مصطفى البارزاني في كل من العراق وإيران، ثم لاحقاً في سوريا عام 1957، ويعتبر أقوى الأحزاب الكردية إلى اليوم، ويتبنى الماركسية طريقاً لتحقيق حلمه القومي في البلدان الأربعة، ولا يُخفي رغبته بتأسيس دولة كردية لكنه يقبل حالياً بالبقاء ضمن عراق "فيدرالي" تكون فيه كردستان إقليماً شبه مستقل بصلاحيات واسعة، وهو ما حصل عليه بموافقة تركية بعد حرب الخليج 1990، وعلى هذا فقد قاد الحركات المسلحة ضد السلطات المركزية في بغداد، وتواترت علاقته مع تركيا بين المنع والتعاون.

اقرأ أيضاً: "الأحزاب الإسلامية".. كيف نقرأها؟
وينتمي البارزاني وعائلته إلى الإقطاع الكُردي ويعتمد حزبه على عشيرته حتى الآن، ويكثر أتباعه في النصف الشمالي من كردستان العراق، وهو ما أثر على الحزب، رغم تبنّيه الماركسية، في علاقاته المحلية أو الدولية، وفي كثير من محطات التمرد على السلطة المركزية في العراق كان العامل الدولي يلعب قصب السبق في الصراع، وهو ما ورط الحركة القومية الكردية في معارك جانبية كانت في غنى عنها.

 أول صحيفة كردية حملت اسم "كُردستان"

أدت سياسات البارزاني القبلية إلى تصاعد الاحتجاجات عليه من قِبل قواعده الحزبية، ليحصل أول انشقاق قاد إلى تأسيس حزب جديد هو "الاتحاد الوطني الكردستاني" في دمشق 1975 بقيادة جلال الطالباني (أول رئيس كردي للعراق لاحقاً) والذي تبنى الماركسية أيديولوجياً والعنف سبيلاً لتحقيق كردستان الدولة؛ ولعب دوراً مختلفاً عن نظيره الديمقراطي بفعل انفتاحه على العالم العربي وعلى حركاته القومية واليسارية بشكل أساسي، وتلقى بالمقابل دعماً وتدريباً من النظام السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: كيف حفّز حزب النور سلفيي الدول العربية على العمل الحزبي؟

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّه لم يظهر ضمن التنظيمات السياسية السورية حزبٌ كُردي يعمل بشكل علني، باستثناء تجربة قصيرة نهاية الخمسينيات أسس فيها الدكتور نور الدين ظاظا فرعاً (للحزب الديمقراطي الكردستاني) داعياً لتحرير كُردستان بالطرق الثورية، لكنه بعد اعتقاله عاد وغيّر برنامجه ليصبح مطالباً بالحقوق الثقافية والسياسية للكُرد السوريين، إلا أنّه بقي ضيق النطاق وملاحقاً من قبل السلطات السورية.

تأسست أول جمعية ثقافية كردية العام 1908 تأثراً بالتطلعات الاستقلالية الأرمنية واليونانية (من أصل تركي)

في العام 1978 ظهر حزب "العمال" الكُردستاني كحركة سياسية تتبنى أيضاً (إقامة دولة كُردستان الكبرى) استناداً لنهج الماركسية اللينينية أيضاً على يد الزعيم "عبد الله أوجلان" مستفيداً من التجاذبات الإقليمية السورية مع العراق وتركيا ومن علاقات سبق لمام جلال (الطالباني مؤسس البيشمركه) أن أسسها مع المقاومة الفلسطينية، وخاصة مع "جورج حبش"؛ فأقام معسكرات تدريب بدعم من سوريا في البقاع اللبناني وأخرى بالقرب من دمشق، مع إنكار سياسي سوري معلن لوجود أوجلان أو لقواته.
شارك بعض من عناصر حزب العمال السوريين والعراقيين في المقاومة الوطنية اللبنانية ضد القوات الإسرائيلية في حرب لبنان عام 1982 ضمن ما دُعي وقتها "وحدة اليسار الثوري" ضد الإمبريالية، فحركة أوجلان هي يسار اليسار الكُردي الذي أدار ملفه لعقود جلال الطالباني، الخصم اللدود للملا البارزاني وابنه مسعود من بعده؛ حيث بقي الملف عالقاً بين سوريا وتركيا حتى عام 1998، حين طلب الأسد الأب خروج أوجلان من سوريا متخلياً عن ورقة حزب العمال بعد أن فقدت قيمتها السورية كعنصر ضغط على تركيا، في ظل اندلاع حرب الخليج.

اقرأ أيضاً: حزب التحرير: الخلافة الإسلامية والأسطورة المهدوية

وأسفر حصار الأحزاب الكردية في تركيا إلى لجوء الأكراد إلى أحزاب قومية تركية (مثل الحزب الديمقراطي الذي حكم تركيا لحكومتين متتاليتين بعد الحزب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك عام 1950) أو إلى المشاركة مع أحزاب علمانية، وهي سمة ستحكم مجمل الأحزاب الكردية لوقت قريب.

أدت سياسات البارزاني القبلية إلى تصاعد الاحتجاجات عليه من قِبل قواعده الحزبية

تطورات العقدين الأخيرين

أشعل حزب العمال حرب عصابات ضد المنظومة القمعية التركية منذ العام 1984 لم تهدأ إلا مع وصول حزب العدالة والتنمية العام 2002 إلى الحكم، حيث قاد رئيسه "رجب أردوغان" محاولات من أجل التوصل إلى السلام، وفي العام 2013 قاد وقفاً لإطلاق النار مع الحزب وفتح عملية سلام تهدف إلى تفكيك سلاح حزب العمال سلمياً، بعد أن قضى الصراع على حياة أكثر من 50 ألف إنسان بين كرد وأتراك، هذا التقدم، إلى جانب دور الحزب في الدفاع عن مدينة "عين العرب" الحدودية السورية ضد "داعش"، أثار أسئلة حول المكانة الدولية للحزب؛ حيث بدأ بعض المراقبين يتساءلون عما إذا كان ينبغي إزالته من قوائم الإرهاب التركية والأمريكية والأوروبية والناتو.

ظهرت خلال حقبة الاحتلال الفرنسي التطلعات القومية للكرد القادمين من تركيا علناً في سوريا

لكن وقف إطلاق النار الذي كان واعداً قد تم كسره في العام نفسه، وشنت تركيا غارات جوية على أهداف لحزب العمال الكردستاني في الشرق التركي واعتقلت أعضاء في الحزب الذي استأنف بدوره الهجمات على وحدات الجيش والشرطة التركية، مؤكداً أن "لا خيار أمامه سوى العودة إلى الكفاح المسلح"، معتبراً أن "الحكومة التركية بإجراءاتها التعسفية استأنفت بالفعل الحرب ضد الشعب الكردي".
كما سمحت التغيرات لاحقاً لحزب كردي هو حزب الشعوب الديمقراطي (تأسس العام 2005) بالنهوض متجاوزاً في انتخابات 2015 العامة حاجز العشرة بالمئة، والحصول على ما نسبته 11.7% من الأصوات؛ أي نحو 67 مقعداً بالبرلمان، رغم اعتقال رئيسيه السابقين "صلاح الدين دميرتاش وبرفين بولدان" وعشرة من نوابه في وقت سابق والعشرات من رؤساء البلديات التابعين له في جنوب وشرق البلاد.

اقرأ أيضاً: التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي
في العراق دخلت الأحزاب الكردية اللعبة الديمقراطية ضمن إقليم كردستان الذي شكّل برلماناً خاصاً به؛ حيث استمر الصراع بين حزبي البارزاني والطالباني (كما أصبحت تعرف تلك الأحزاب) على قيادة الإقليم، ولكنهما معاً اتفقا على إجراء استفتاء لاستقلال الإقليم عن العراق وهو إجراء أحادي الطرف رفضته بغداد كما القوى الدولية وأولها أمريكا.

المجلس الوطني الكُردي في سوريا حظي بدعم أكثر من 13 حزباً كُردياً

الكرد في المأساة السورية

في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 وبرعاية "مسعود البرزاني" رئيس حكومة إقليم كُردستان العراق، تم إعلان تأسيس المجلس الوطني الكُردي في سوريا وحظي بدعم أكثر من 13 حزباً كُردياً (أغلبها أحزاب جديدة)، وتقدم في مؤتمره التأسيسي بجملة مطالبات أبرزها الاعتراف بالمكوّن الكُردي كمكون رئيسي في البلاد، و"إيجاد حل عادل لقضيته القومية بما يضمن حقه في تقرير مصيره بنفسه ضمن وحدة البلاد".
الإشارات المبكرة للمجلس الوطني الكُردي ارتبطت بحمولات قومية لم ترق كثيراً للمكوّن العربي المشارك والفاعل في التظاهرات، وزاد الأمر وضوحاً بعد نيسان (إبريل) 2012 حين أصدرت الرئاسة السورية قانوناً برقم 49 بتجنيس من لم يجنس من الكُرد بإحصاء العام 1962، ولم يرفض الأكراد الجنسية السورية رسمياً، وقد بلغ عدد من حصلوا عليها، وفقاً لوكالة الأنباء الرسمية، 103 آلاف شخص.

تأسيس جمهورية "مهاباد" الكردية في إيران بدعم سوفياتي العام 1946 كان بداية الأحزاب الكردية

بنفس العام ظهر المجلس الوطني السوري المعارض (المدعوم تركياً وقطرياً) وانضم إليه المجلس الوطني الكُردي، مع ذلك، بقي الحذر الكُردي قائماً، فلم ينضم إلى المجلس الوطني السوري فعلياً سوى "الحركة الثورية الكُردية" القليلة التأثير جماهيرياً؛ فسيطرة الإخوان المسلمين على المجلس كانت واضحة، وظهرت خلافات مبكرة في المجلس تعلقت بالموقف من الكُرد بعد إسقاط النظام، فهل سيكون لهم حكم ذاتي كما يطالبون أم لا؟ وهو شقاق ترك أثره على المجلس كما على الجمهور الكُردي في مناطق الشمال.
وفي أيلول (سبتمبر) 2012 انضم المجلس الوطني الكُردي للائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، وذلك بعد موافقة الأخير على توقيع مسودة تضمنت بنود اتفاق تقدّم تصوراً لمستقبل علاقة "الحكم الجديد" وردَ فيه "التزام الائتلاف بالاعتراف الدستوري بهوية الشعب الكُردي القومية، و"العمل على إلغاء الإجراءات التمييزية المطبقة بحق الكرد، وأخيراً "تبني اسم الدولة في عهد الاستقلال (الجمهورية السورية)" أي بإغفال القومية العربية من الاسم الرسمي.

اقرأ أيضاً: هل من صراع حقيقي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟ ما طبيعته؟
بقي الكلام السابق حبراً على ورق؛ فالسيطرة على الأرض كانت لحزب الاتحاد الديمقراطي صاحب التنظيم شعبي والعسكري والذي يستمد خبرته من تجارب سابقة على النزاع السوري الحالي، إضافة إلى امتلاكه أوراق قوة إقليمية بارتباطه اللصيق بحزب العمال، لذلك تمكن في تموز (يوليو) 2012 من فرض سيطرته على مناطق شمال وشرق البلاد، وسيطر على جميع مؤسسات مدينة عين العرب (كوباني) بقوة السلاح دون معارك (ثلثا سكان المدينة عرب، في حين يزيد عدد الكُرد في الريف أكثر)، وبعض مؤسسات عفرين والقامشلي، وبعد عام تقريباً أكمل السيطرة على كل المؤسسات المدنية بدون أية معارك مع القوات السورية، وتعاونت الولايات المتحدة مع الاتحاد ودعمته عسكرياً، وهو ما اعتبرته أنقرة دعماً "للإرهابيين الكرد".

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟                                               

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أعلن الاتحاد الديمقراطي تأسيس "الإدارة الذاتية الديمقراطية" مقسماً المناطق الكُردية إلى ثلاث مقاطعات هي؛ القامشلي وعفرين وعين العرب، لكل منها مجلسه التشريعي والتنفيذي الخاص به، تحت اسم "روجافا" (كُردستان الغرب)، فيما يُعد خطوة في اتّجاه فرض الحكم الذاتي، ولم تلق الخطوة اعترافاً من دمشق بأي شكل، وجاء ذلك متزامناً مع مؤتمر جنيف الدولي الثاني حول سوريا، مما عنى توجيه رسائل للمجتمع الدولي قبل المعارضة السورية دلالةً على موقع الحزب في سوريا ومدى تأثيره على مجريات الوضع.

 

 

التداخلات الإقليمية الكردية
أتاح التداخل الكردي في الدول الأربع انتقال مسألة الحكم الذاتي الذي فرضه حزب الاتحاد الديمقراطي وأجنحته المتعددة بالقوة على المكونات الإثنية شمال وشرق سوريا، إلى حلبة الصراعات الدولية من جديد؛ فقد أدّى ظهور الإقليم الكردي الثاني بجوار تركيا إلى إشعال مخاوف قديمة ما تزال تركيا تعيشها مع حزب العمل الكردستاني وعملياته العسكرية منذ الثمانينيات إلى الآن، في ظل خوف مستديم من الانفصال المتوقع لشرق وجنوب تركيا في حال استتباب الحكم الذاتي للكرد في سوريا، فكان التدخل التركي عام 2015 بعد أكثر من ثلاثة أعوام على السماح لمقاتلي تنظيم "داعش" بالمرور من الحدود التركية إلى سوريا.

ينتمي البارزاني وعائلته إلى الإقطاع الكردي ويعتمد حزبه على عشيرته حتى الآن

بالمقابل، انتقلت التطلعات الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي (الذي تصنفه تركيا كحزب إرهابي)  إلى محاولة تأسيس كيان كردي في الشمال السوري، فكان تغيير المناهج التعليمية أولى الخطوات، لحقه تطبيق نظام "الكومونة" في المجتمع تطبيقاً لأفكار القائد أوجلان لمفهوم "الأمة الديمقراطية" وصولاً إلى تغيير ديمغرافي طال مناطق كثيرة، ما جعل من هذه التصرفات ميداناً لخلاف تعمق مع كل الجبهات وأولها جبهة المعارضة السورية وقواها المسلحة ثم مع النظام السوري الذي رفض الحكم الذاتي لكنه أبقى على تواصل مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي قاتلت تنظيم "داعش" من العام 2014 إلى الآن محققةً انتصارات كادت تقضي عليه كلياً.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي

ومن المتوقع أن يتيح انتصار الحزب على تنظيم "داعش" الذي أرعب المنطقة، ورقة رابحة حقيقية للحزب بمواجهة القوى الإقليمية وليس النظام السوري فقط، الذي ما زال ينظر إلى تعاون الحزب مع القوات الأمريكية الموجودة في مناطقه بعين الريبة العالية، إلا أنّ هذا لا يلغي أنّ قوة جديدة ظهرت على الأرض السورية سيكون لها تأثير في صناعة مستقبل البلاد.
في العام 1978 أسس عبدالله أوجلان حزب "العمال" الكُردستاني

تداخلات الحزبية الكردية
هناك خمس مجموعات كردية أساسية في تركيا وسوريا والعراق وإيران، تشترك في أيديولوجيا ماركسية تحررية بهدف إقامة كردستان اشتراكية مستقلة وهي: حزب الشعب الديمقراطي (HDP)، حزب العمال الكردستاني (PKK)، حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وحدات حماية الشعب (YPG)، واتحاد مجتمعات كردستان (KCK)، إضافة إلى مجموعات إسلامية، وتتداخل هذه التنظيمات مع بعضها البعض بدرجات مختلفة.

أسس مصطفى البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني العام 1946 ويعتبر أقوى الأحزاب الكردية إلى اليوم

تجلت الماركسية في منظمتين متميزتين في تركيا وسوريا مع قواعد دعم مختلفة: حزب الشعب الديمقراطي (HDP) وهو حزب مؤيد لأكراد تركيا، واتحاد المجتمعات KCK الذي يعمل كمنظمة جامعة للجماعات الكردية في جميع أنحاء المنطقة أسسه عام 2005 زعيم حزب العمال "أوجلان". بينما توجد روابط متضاربة بين المنظومتين، فإن HDP وKCK يعملان نظرياً بشكل مستقل عن بعضهما البعض. ويضم اتحاد المجتمعات أيضاً كل من حزب العمال الكردستاني في تركيا، وحزب الاتحاد الديمقراطي وحزب الشعب الكردستاني في سوريا.
ويعتقد أنّ حزب الشعب يتحكم بشكل كامل باتحاد المجتمعات التي يديرها مجلس تنفيذي منتخب وتعمل ظاهرياً كمنظمة جامعة للجماعات الكردية، وهي مسؤولة عن الإشراف على كل الفصائل الكردية (السياسية والمسلحة) في أنحاء الشرق الأوسط. وعلى الرغم من كونها منظمة سياسية من الناحية الفنية، فقد زُعم أنّ KCK ينخرط في تكتيكات تشبه حزب العمال الكردستاني.

اقرأ أيضاً: أكراد كردستان ينتفضون ضدّ تركيا لهذا السبب
في سوريا، أنشأ حزب الاتحاد الديمقراطي وحدات حماية الشعب (YPG) في قلب النزاع السوري لحماية المناطق الكردية من العمليات العسكرية للجيش السوري أو لقوات المعارضة المسلحة، ولا تعتبرها واشنطن أيضاً منظمة إرهابية، وهي تتعاون بشكل ضعيف مع النظام السوري.
عاشت الأحزاب الكردية تغيرات مختلفة على مستوى العمل الحزبي والمسلح

خلاصات أولية
عاشت الأحزاب الكردية تغيرات مختلفة على مستوى العمل الحزبي والمسلح، ناتجة عن أسباب إقليمية ودولية بالدرجة الأولى، باستثناء مراجعات حادة قام بها مؤسس حزب العمال (عبد الله أوجلان) من سجنه لمنظومة أفكار الحزب السياسية ككل أنتجت مفهوماً متطوراً لمفهوم الدولة، الأمة ككل وللكردية بشكل أساسي، وهو تغيير ألقى بظلاله على الممارسات العملية لأنصار الحزب في سياق الصراع السوري وحتى في المواجهات المتتالية مع القوى المعارضة للنظام السوري أفضت إلى شبه قطيعة مع الطرفين.

هناك 5 مجموعات كردية أساسية في تركيا وسوريا والعراق وإيران تشترك بأيديولوجيا ماركسية تحررية

كان مفهوم "الأمة الديمقراطية" المنبثق من قراءات مستجدة في مفهوم القومية لدى أوجلان وخاصة طروحات بنديكت أندرسون عن الأمة المتخيلة، نقلها من الحيز القومي بصورته الرينانية الفرنسية إلى حيز جديد يربطها بثقافة المواطنة والحقوق المدنية (مفهوم هوبز) مقارناً المسألة مع دول متعددة القوميات لكنها تخلو من النزاعات القومية والعرقية، وتعتبر هذه المراجعات من أقوى نقديات الأيديولوجيا الماركسية ـ القومية التي نشأت وعاشت عليها هذه الأحزاب بالمجمل وحزب العمال بشكل خاص.
في التطبيق العملي لعبت البراغماتية دوراً مهماً في تظهير علاقات الأحزاب ببعضها وبالعالم المحيط بها، ولم تكن الأيديولوجيا حاضرة فيها بقدر حضور الموقف السياسي الآني من هذه القضية أو تلك، يوضح النزاع السوري بتطوراته المتلاحقة كيفية انتقال الصراع بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي إلى حيز المواجهة والانفصال تقريباً بينهما على أرض الواقع.
لا شك أنّ للسياسات الدولية، التي ما تزال تستخدم المنطقة ككل كملعب، تأثيراً كبيراً على التوجهات المستقبلية لهذه الأحزاب، دون إغفال أنّ الغالب الأكبر على هذه التوجهات ما يزال حلم الدولة الكردية وحق تقرير المصير لهذه المجموعة من البشر، وهو حق يبدو أنّ العالم يتجاهله من منطلق الحفاظ على ستاتيك دولي قد يفتح علبة الشرور من جديد عليه.

الصفحة الرئيسية