إلى متى سيبقى الكردي السوري صديق الريح والجبل؟

سوريا

إلى متى سيبقى الكردي السوري صديق الريح والجبل؟

مشاهدة

09/10/2018

تتجاوز القضية الكردية في سوريا وما تعرض له الأكراد من تهميش واضطهاد، خلال حكم نظام البعث، وحتى الفترات التي سبقته، أثناء الاحتلال العثماني، فكرة المظلومية التاريخية وآثارها النفسية، وما ترتب عليها من تدمير تراثهم، وطمس هويتهم، وإلغاء قوميتهم ولغتهم، فضلاً عن عمليات الإبادة التي تعرضوا لها في معظم فترات الأزمات السياسية ورغبتهم في إعلان الاستقلال.

وفي الذكرى الـ56 للإحصاء السكاني "الاستثنائي" للأكراد، ينبثق سؤال حارق يهجسون به جميعاً: إلى متى سيبقى الكردي السوري صديق الريح والجبل؟

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة

منذ اتفاقية "سايكس بيكو" التي أدت إلى تقسيم المنطقة العربية، إبان الحرب العالمية الأولى، وتهاوي الدولة العثمانية وإلحاق الهزيمة بها؛ قامت الدولتان المنتصرتان في الحرب، فرنسا وبريطانيا، باقتسام ممتلكات "رجل أوروبا المريض"، ما أدى بالتبعية إلى محاصرة الوجود الكردي ضمن حدود جغرافية متفاوتة بين عدة دول، حيث أصبح جزءاً منها في الدولة التركية، وآخر بالعراق، ونسبة ضئيلة تتواجد على الشريط الحدودي الجنوبي لتركيا.

أكراد سوريا

الأكراد والهوية والأرض

عانى الأكراد من حالة الشتات المريرة التي اضطرتهم إلى الهجرة، وتوزيعهم على أربع دول هي؛ تركيا وإيران وسوريا والعراق، تعرضوا فيها لمحاولات صهر قوميتهم ونبذهم، بصورة قمعية، مارستها ضدهم الأنظمة كافة.

وبين سياسات "التتريك" و"التفريس" و"التعريب"، جرى محو أي خصوصية ثقافية وحضارية لهم، وعدم الاعتراف بهويتهم. وداخل كل دولة، هم ليسوا أكراداً، إنما ينتمون إلى درجة مواطنية أدنى، سواء في أنقرة أو دمشق أو بغداد.

كردي لـ"حفريات": تخيل أن تولد في بلدك، لكنك محروم من كل حقوق العيش لأنك ولدت من أبويين كرديين

تقدر مساحة كردستان سوريا التي يقطن فيها معظم المكون الكردي، بنحو 39 ألف كيلومتر مربع، وتعد امتداداً لكردستان تركيا؛ حيث تتوزع على ثلاثة مراكز ونقاط جغرافية حدودية؛ تبدأ في الجزء الشمالي لمحافظة الحسكة، وتضم عدة مدن، من بينها، رأس العين، القامشلي، بالإضافة إلى مدينة كوباني التي تتوسط منطقة منبج وجرابلس العربية وعفرين الكردية.

وبحسب المصادر الكردية؛ فإنّ غالبية أكرد سوريا من المسلمين السنة، غير أنّ ثمة نسبة قليلة منهم تنتمي إلى طائفتي الإيزيديين والشيعة، ويتحدثون اللجهة الكورمانجية.

المواطنة المفقودة للأكراد

صادف، الجمعة، الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، الذكرى الـ56 للإحصاء السكاني "الاستثنائي" الذي شرع في القيام به وتنفيذه نظام البعث، في العام 1962، وتعرض على إثره الأكراد في سوريا لعمليات إقصاء وحرمان، من سائر حقوقهم السياسية والاجتماعية والقانونية والمدنية، وقد عانوا من التمييز الهوياتي، بسبب صدور المرسوم الجمهوري التشريعي رقم (93) في العام 1962، في عهد رئيس الجمهورية ناظم القدسي.

وجرى بموجب هذا الإجراء إحصاء استثنائي لكل الأكراد الموجودين في محافظة الحسكة السورية، ترتب عليه تجريد أكثر من 300 ألف كردي من الجنسية السورية، بحجة أنهم مهاجرون من تركيا والعراق.

اقرأ أيضاً: تركيا وأكراد سورية ... إستراتيجية الإقصاء

ونتج عن ذلك القرار خلق واقع مأساوي إزاء وضع الأكراد في سوريا، ظلوا يعانون منه طيلة عقود، وحتى اندلاع الثورة السورية في العام 2011، فتعرضوا، طوال تلك الفترة، للحرمان التام من الحصول على أي أوراق ثبوتية، مثل تسجيل حالات الزواج والولادة في سجلات الدولة، وعدم الحق في حيازة جواز السفر، وبالتالي صعوبة الانتقال إلى خارج البلاد، ناهيك عن التعسف في الإجراءات العديدة التي تتسبب فيها عدم وجود أوراق قانونية، تثبت هوية المواطنين والتي تؤدي، مثلاً، إلى تأخر دخول الأطفال الأكراد إلى المدارس والجامعات، حيث لا تُمنح لهم شهادات التعريف إلا بعد التحقيق معهم من قبل الأمن السياسي.

البعث وحصار الأكراد

ومن ناحية أخرى، أدى ذلك الوضع إلى الحرمان من حق العمل، لدى دوائر ومؤسسات الدولة، وحصولهم على أي مناصب، وعدم تمثيلهم في الهيئات السياسية المختلفة بالدولة، وكذا حق الترشح والتصويت في الانتخابات، وسقوط جميع الحقوق المدنية المنصوص عليها في الدستور.

طوّق حافظ الأسد الوجود الكردي بحزام أمني، عبر تنفيذ ما عرف بـ"الهلال العربي"، وطوله 375 كيلومتراً، في الجزيرة السورية على الحدود التركية، وذلك بعد ثلاثة أعوام، فقط، من وصوله للحكم، ما أدى إلى تهجير ما يربو على 140 ألف مزارع كردي، من تلك القرى التي كانوا يعيشون فيها، والعمل على توطين مزارعين من بدو الفرات، بدلاً من الذين تم تهجيرهم، كما قام بحملة تعريب لكل أسماء القرى والمدن التي كان يعيش فيها الأكراد، بغية تغيير هويتها.

محتجون أكراد في سوريا

"شكلت حالة الحرمان من الجنسية السورية (المجردين من الجنسية، والمعروفين بـ"أجانب محافظة الحسكة/ مكتومي القيد) على مدى عقود، في ظل قرار سياسي استثنائي، بحق شريحة محددة وهم الكرد، أن توارث هذا الظلم وعانى من آثاره أكثر من خمسة أجيال متتالية".

اقرأ أيضاً: الكراهية بين الشيعة والأكراد برعاية إقليمية وشعبية!

يروي الصحافي الكردي، سردار ملا درويش، جانباً من أزمة الأكراد التي عاين فصولها، كما عانى من تبعاتها بحكم التاريخ المشترك الذي يربطه بها، إذ يقول لـ"حفريات": "تخيل أن تولد في بلدك، لكنك محروم من كل حقوق العيش فيها كإنسان. ما ذنبك! فقد ولدت من أبوين كرديين، وليس لديك حقوق كما باقي الأطفال الذين ولدوا مثلك، لن تفكر بالحياة مثلهم، لن تستطيع التعلم مثلهم، لن تستطيع التوظيف مثلهم، ليس لديك كل ميزاتهم في الدراسة، والداك ليسا كوالديهم؛ يستطيعون تسجيل ملكياتهم على أسمائهم، ويستطيعون تثبيت زواجهم في المحكمة، لن تحتاج أي ورقة لهم مواقفة من أقسام الأمن والاستخبارات، ولن تكون منبوذاً في المجتمع مثلهم".

طوّق حافظ الأسد الوجود الكردي بحزام أمني عبر تنفيذ ما عرف بـ"الهلال العربي"، وطوله 375 كيلو متراً

وبحسب ملا درويش، فالكردي يظل محروماً من حقوقه كافة، مسلوب الإرادة والحياة، ترافقه القيود والأغلال، وممنوع من السفر، فليس بإمكانه التنقل خارج القطر والسفر بحرية، لدرجة أنه يوم قرر السفر وزوجته، لقضاء إجازة عقب زواجه، لم يجد فندقاً يقبل باستقباله، بينما يحمل "البطاقة الحمراء"، التي تميز الكرد عن غيرهم، بيد أنها لا تمكنه من الإقامة من الناحية القانونية، ما اضطره للحصول على مساعدة من خلال وسطاء سوريين يحملون الجنسية

ويوضح الصحافي الكردي، أنه قبل إنجاب زوجته، استبد به التفكير في تلك المعاناة التي تنتظر الطفل الذي سيأتي للحياة، وهو مقيد فيها لا يملك أي حق في العيش مثل أقرانه، ولا يكون بمقدوره الحصول على ملكية عقار أو أرض، إلا من خلال تسجيلها بأسماء آخرين.

ويتساءل: "ما حال المرء عندما يكون مواطناً سورياً، لكنه منبوذاً بحكم قرار حصل عام ١٩٦٢، وأصبح على إثره بلا جنسية أو هوية، ومحروماً من جميع حقوق المدنية؟".

اقرأ أيضاً: أزمة الأكراد: هجوم عفرين وأطماع أردوغان

ويشير موقع "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، في دراسة منشورة بعنوان: "المواطنة السورية المفقودة"، إلى أنه حتى مطلع العام 2011 كان عدد فئة "أجانب الحسكة/أصحاب البطاقة الحمراء"، والمسجلين ضمن قيود محافظة الحسكة، قد بلغ (346242) فرداً، ومع نهاية شهر أيار (مايو) 2018 بلغ عدد الحاصلين على الجنسية السورية من نفس الفئة (326489) فرداً، فيما لا يزال هنالك (19753) فرداً من فئة أجانب الحسكة غير حاصلين على الجنسية السورية بعد.

وبالتالي، فقد بلغ مجموع عدد المجردين/المحرومين من الجنسية منذ عام 1962 إلى العام 2011 إلى أكثر من (517) ألفاً من الكرد السوريين. وقد تم تمييز الهويات الشخصية التي حصل عليها أجانب الحسكة بشفرات خاصة، حيث تم وضع الرقم 8 بعد رقم الخانة/القيد: لتصبح كالتالي: "××/8". بحسب ما تشير الدراسة.

الصفحة الرئيسية