هل تغيرت إستراتيجية القاعدة في قتال العدو البعيد؟

القاعدة

هل تغيرت إستراتيجية القاعدة في قتال العدو البعيد؟

مشاهدة

29/04/2019

منذ أن أعلن "داعش" انفصاله عن "القاعدة" رسمياً في العام 2014، عبر متحدثها الرسمي آنذاك أبو محمد العدناني، وإعلان زعيمها أبو بكر البغدادي عن خلافة إسلامية دعا المسلمين في كافة أرجاء المعمورة للانضمام تحت لوائها، دخل تنظيم القاعدة في شبه كمون عملياتي، وإن ظل يدفع بمزيد من البيانات والإصدارات المرئية والمسموعة لقادته.

اقرأ أيضاً: "القاعدة" تتنامى إعلامياً على أنقاض "داعش"

ترك تنظيم القاعدة غريمه داعش يواجه مصيره في مواجهة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبقي في حالة ترقب مراهنة في الوقت ذاته على أن التنظيم المتوحش والذي استخدم سياسة إمساك الأرض سيفضي به الحال في نهاية المطاف إلى الانكسار، وأن تنظيم "القاعدة" هو الذي سيرثه، بعد أن يمنى بفشل ذريع.
ترك تنظيم القاعدة غريمه داعش يواجه مصيره في مواجهة التحالف الدولي

كمون مؤقت
كمون "القاعدة" لم يكن فقط لتفادي ضربات التحالف، أو التخفيف من وطئتها على الأقل، بل كان مراهنة على إثبات أنّ منهجه التنظيمي والاستراتيجي والقاضي بالاعتماد على الخلايا المتحركة العابرة للحدود لضرب مصالح الولايات المتحدة هي المنهجية الأكثر صوابية في عالم التنظيمات الإسلاموية المسلحة.

كان كمون القاعدة مراهنة على إثبات أن منهجها بالاعتماد على الخلايا المتحركة العابرة للحدود هي الأكثر صوابية

لم يغير تنظيم "القاعدة" نظرياً من إستراتيجيته القاضية بقتال العدو البعيد "أمريكا وإسرائيل" والكف عن قتال العدو القريب "الأنظمة" منذ إعلانه هذه الإستراتيجية في نهاية القرن الماضي.
وعندما شكل أبو مصعب الزرقاوي تنظيمه في العراق "التوحيد والجهاد" لم يكن مبايعاً للقاعدة في هذا الوقت، بل قذفت به الأقدار إلى هناك الضربات التي تلقتها جماعته في مدينة هيرات الأفغانية القريبة من الحدود الإيرانية.

تنظيمات الواقع

لم يكن يرغب تنظيم "القاعدة" في تشكيل تنظيم تقليدي يعمل على إمساك الأرض في العراق، لولا القيادات الموالية للقاعدة والقريبة تنظيمياً من "الزرقاوي" والتي أقنعت الطرفين بأنّ المكاسب من جراء مبايعة التنظيم "الذي يحارب العدو البعيد عن قرب" أكبر من المخاسر الذي يمكن أن يلحقها تنظيم الزرقاوي بالقاعدة، ما أدى في النهاية إلى أن يصبح "التوحيد والجهاد" فرعاً للقاعدة رسمياً لكن من الناحية الشكلية؛ إذ إن "القاعدة" لم يكن يسيطر على التنظيم فعلياً، ولم يكن باستطاعته دعمه مادياً نظراً للظروف الأمنية المشددة التي كانت تحيط به، فضلاً عن أن التنظيم في العراق كان يمتلك ميزانية مالية أكبر من التي يمتلكها القاعدة الأم.

اقرأ أيضاً: مجلة جديدة لتنظيم القاعدة تكشف ما يحدث داخله

كما أنّ جميع التنظيمات الجهادوية التي بزغت في تسعينيات القرن الماضي، لم تنشأ في البداية بإرادة القاعدة، بل فرضتها الظروف المحلية، فالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، لم تبايع أسامة بن لادن، مع أنها قاتلت في صف القاعدة في أفغانستان.

تنظيمات بدون بيعة

كما أنّ الجماعة الإسلامية في الجزائر "جيا" لم تكن مبايعة للقاعدة، مع أنّها تكونت في الأصل من العائدين الجزائريين من أفغانستان، مطلع القرن الماضي.

ولم يعلن المنشقون عن تلك الجماعة مبايعتهم للقاعدة إلى بعد الصراعات الدامية التي ضربت التنظيم من الداخل، فاضطرت القاعدة لقبول بيعتهم كمخرج جديد لهم من طوق شرعية البيعة الأولى لـ"الجيا".

اقرأ أيضاً: لماذا فشل تنظيم داعش أسرع مقارنة بالقاعدة؟

ولم يكشف تنظيم "التوحيد والجهاد" المصري الذي أعلن عن وجوده عبر عدد من التفجيرات التي وقعت في وسط وشمال سيناء، منتصف العقد الأول من القرن الحالي، عن علاقة بينه وبين تنظيم القاعدة، كما لم يرد على لسان قادة القاعدة ذكراً لهذا التنظيم، أو رثاء لأحد قادة القتلي كما هو تقليد القاعدة في مثل هذه الأحوال.

قاعدة غير رسمية

وبالنسبة لجماعة "أنصار بيت المقدس"، الامتداد التنظيمي لـ"التوحيد والجهاد"، فإنها لم تعلن مبايعتها للقاعدة الأم، قبل تقديم داعش نفسه بديلاً للقاعدة، مما يشي بأن القاعدة لم تكن تريد مثل ذلك الإعلان.

اقرأ أيضاً: هل يجمع حمزة بن لادن شتات تنظيم القاعدة؟

ومع أن تنظيم جبهة النصرة، والذي ظهر في سوريا أواخر العام 2012، لم يشكل وفق رغبة القاعدة، بل هو في الأصل مجموعة كان على رأسها أبو محمد الجولاني، وأبو محمد العدناني، وغيرهما من كوادر داعش، أرسلت وفق تعليمات صدرت من أبي بكر البغدادي، ولم تكن إرادة زعيم القاعدة أيمن الظواهري.
يدل على ذلك ويؤكده ما جاء في كلمة "الظواهري" على إثر الخلاف بين "الجولاني" و"البغدادي" من أنه كان لا يريد أن يكون للقاعدة تنظيم في الشام ولذا فإنه عاتب "الجولاني" عن أنه كشف عن تلك العلاقة، التي ستؤدي إلى عرقلة التنظيم "الفرع" في ساحة تقع تحت أعين اللاعبين الدوليين الكبار.

أيمن الظواهري

أبناء يبحثون عن أب

بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، العام 2013، وتشكل تنظيمات وخلايا إرهابية مارست العمل المسلح، تحت مسميات "أجناد مصر" وتنظيم "المرابطون" فإنّ أياً من تلك التنظيمات لم تعلن مبايعتها للقاعدة على الرغم من إظهارها لولائها المنهجي لها.

لم تنشأ التنظيمات الجهادوية التي بزغت في تسعينيات القرن الماضي في البداية بإرادة القاعدة بل فرضتها الظروف المحلية

وعندما قرر هشام عشماوي نشر كلمة له، واصفاً نفسه بزعيم جماعة "المرابطون"، صدّر كلمته بكلمة لـ"الظواهري" في إشارة إلى الولائية، دون أن يدعي صلة تنظيمية له بالقاعدة.

كما أن الظواهري لم يشر لأي من تلك التنظيمات علانية، في كلماتها وبياناته، في أنه على الأرجح لا يقبل مبايعات لتلك الجماعات الناشئة، كونها تقاتل عدواً قريباً "الأنظمة" بينما هو ما يزال محافظاً على إستراتيجية القاعدة العامة في قتال العدو البعيد.

ولا شك أن هذه التنظيمات نشأت دون إشراف مباشر من القاعدة المركزية، بل جاءت كنتاج طبيعي وإفراز حتمي للمجموعات الجهادوية التي كانت تعيش في بلدان ثورات الربيع العربي، فظلت علاقة القاعدة بها علاقة "أبوية" دون أن تحمل الطابع الرسمي والمركزي.

 الجماعات التي تم تصنيفها على أنها "القاعدة" في ليبيا، لم ترفع راية القاعدة

مسميات بعيدة

وبالانتقال إلى إفريقيا، فإنّ الجماعات التي تم تصنيفها على أنها "القاعدة" في ليبيا، لم ترفع راية القاعدة، وظلت تحمل مسمى "مجلس شورى" في ظل توقعات بأن تلك الجماعات لها ارتباطات بالقاعدة في شمال إفريقيا التي يمثلها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب" الذي يقوده أبو مصعب عبدالودود في الجزائر.

لم تعلن جماعتا أجناد مصر وتنظيم المرابطون مبايعتهما للقاعدة على الرغم من إظهارهما الولاء  المنهجي للتنظيم

ومع أن عمليات "عبدالودود" قد توقفت تقريباً ضد النظام الجزائري، فإن التنظيمات المنتشرة في شمال مالي وصحراء النيجر وتشاد، والمحسوبة على القاعدة، لم تبايع القاعدة، ما عدا التنظيم الذي يقوده مختار بلمختار، ومع ذلك فلم يرد "الظواهري" على بيعة بلمختار، وهو ما يعني في الأدبيات الجهادوية، عدم قبوله لها؛ إذ إنّ للمبايعة تقليداً متبعاً في عرف تلك التنظيمات، فيجب أن تسبقها مراسلة بين المبايع والمبايع، بمقتضاها يوفق الطرف الذي تتم بيعته على مبدأ البيعة ابتداءً.

وفي مطلع الشهر الجاري أصدرت القاعدة مجلة جديدة تحت عنوان "أم واحدة" كتب مقدمتها أيمن الظواهري، وكتب فيها عدد من قادة التنظيم.

ربما هذا العنوان يشي بإستراتيجية التنظيم الجديدة، وهي البدء بدعوات للاتحاد بين الفصائل الجهادوية، والعودة إلى منهجها القديم، دون نشر مواد تعيد الحديث عن الصراعات بينهم وبين تنظيم داعش، وكأنه يأذن ببدأ مرحلة جديدة.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية