هل أصبحت أفغانستان لقمة سائغة أمام الإرهابيين؟

هل أصبحت أفغانستان لقمة سائغة أمام الإرهابيين؟

مشاهدة

02/08/2021

ما تزال الأوضاع، السياسية والميدانية، في أفغانستان، في حالة سيولة وتطورات متلاحقة، الأمر الذي يبعث بسيناريوهات متفاوتة فيما يتصل بمآلات الانسحاب الأمريكي، الذي بدأ منذ أيار (مايو) الماضي، خاصة مع صعود داعش المباغت، من خلال الهجوم المسلح على قصر الرئاسة في العاصمة كابول، مؤخراً، وكذا التوقعات المتباينة بخصوص إعادة حركة طالبان لتموضعها وتسيّدها المشهد السياسي، وقد سيطرت على عدد مهم من المعابر والمنافذ الحدودية، بينما أخفقت، حتى الآن، في الوصول للمدن الرئيسة.

تبقى المسافة التي تقف عليها الأطراف الإقليمية والدولية محلّ تدقيق ومتبابعة مستمرَّين، لفهم تأثيراتها على القوى المحلية، وطبيعة المسارات القائمة.

أفغانستان ساحة للتنافس الإقليمي

وبينما تنخرط حركة طالبان في محادثات سلام، لمحاولة الوصول إلى حلول سلمية وأفق سياسي للأزمة الأفغانية، وتجنّب الوقوع في حرب أهلية، إلا أنّ نتائجها تبدو ضعيفة، أو بالأحرى بلا أثر ملموس في الواقع.

وبالتبعية، تؤدّي الأطراف الخارجية تأثيرات جمّة لخلق توازنات ميدانية؛ إذ نفذت قوات التحالف ضربات جوية على مواقع لحركة طالبان، بغية الحدّ من تغوّلها، ومساندة حكومة أشرف غني. وفي المقابل، تلعب إيران وروسيا وباكستان وتركيا أدواراً أخرى لضمان مصالحها الجيوإستراتيجية.

قبل أيام قليلة، أكّد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، أنّ الأوضاع الأمنية في أفغانستان تشهد حالة "صعبة للغاية"، وشدّد على ضرورة حدوث "تسوية" مع طالبان.

وغرّد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، في أعقاب اتصال هاتفي مع الرئيس أشرف غني: "يبقى الوضع الأمني في أفغانستان صعباً للغاية، ويقتضي تسوية يتم التفاوض عليها، سيواصل حلف شمال الأطلسي دعم أفغانستان، بما في ذلك عبر التمويل والتواجد المدني والتدريب خارج البلاد".

وبحسب التقرير الرسمي الأمريكي، الصادر عن "مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان" (سيغار)؛ فإنّ عدد "الهجمات التي شنّها العدو"، والتي تورّطت فيها حركة طالبان، تصاعد من 9651، في نهاية عام 2019، إلى 13242 في نهاية العام الماضي.

التطورات الأخيرة والمتلاحقة التي تتحرك داخلها جماعات إرهابية على أرض الواقع في أفغانستان، هي انعكاس للتنافس المحتدم بين بعض القوى الإقليمية

وذكر المفتش العام، جون سوبكو، في تقريره: "من الواضح أنّ الاتجاه العام ليس في مصلحة الحكومة الأفغانية التي قد تواجه أزمة وجودية إذا لم تنجح في عكسه"، موضحاً أنّ "مصدر القلق الأكبر هو السرعة والسهولة التي سيطرت بها طالبان فيما يبدو على مناطق في شمال البلاد، المعقل السابق للمعارضة ضدّ طالبان".

وإثر سيطرة الحركة المسلحة على مواقع عديدة في أفغانستان، ستمتدّ إلى أكثر من نصف مراكز الأقاليم بحسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).

 شنّت الولايات المتحدة غارات جوية، مؤخراً؛ وقال قائد القيادة الأمريكية الوسطى، الجنرال كينيث ماكينزي: "لقد كثّفنا غاراتنا الجوية لدعم القوات الأفغانية في الأيام الأخيرة، ونحن على استعداد لمواصلة هذا المستوى العالي من الدعم في الأيام المقبلة إذا واصلت طالبان هجماتها".

اقرأ أيضاً: الجيش الأفغاني يكشف خسائر حركة طالبان في آخر 24 ساعة

وأردف ماكينزي: "أودّ أن أكون واضحاً، ستخضع حكومة أفغانستان لاختبار قاسٍ في الأيام المقبلة، وتحاول حركة طالبان إضفاء الطابع الحتمي لحملتها. إنّهم مخطئون، إنّ انتصار طالبان ليس حتمياً".

المواجهة الحتمية

وبالتزامن مع تصريحات قائد القيادة المركزية الأمريكية الوسطى، قال وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن: "المهمة الأولى لقوات الأمن الأفغانية هي التأكد من قدرتها على إبطاء قوة زخم حركة طالبان قبل محاولة استعادة السيطرة على الأراضي".

كما أكّدت وكالة "رويترز"؛ أنّ الجيش الأفغاني يقوم بإصلاح "إستراتيجيته الحربية" ضدّ حركة طالبان لجهة تعزيز وجود قواته في المناطق الرئيسة المتاخمة والقريبة من العاصمة كابول، فضلاً عن المدن الأخرى، وتأمين المعابر الحدودية، والبنية التحتية الحيوية.

وتابع أوستن، في لقاء مع الصحفيين: "إنّهم (القوات الأفغانية) يعززون قواتهم حول المراكز السكانية الرئيسة. وفيما يتعلّق بما إذا كانوا سيوقفون (طالبان) أم لا؛ أعتقد أنّ أول شيء يجب فعله هو التأكد من أنّها تستطيع إبطاء الزخم".

اقرأ أيضاً: تحوّلات أفغانستان.. أي سياسة ستتبناها إيران ما بعد الانسحاب الأمريكي؟

بيد أنّ بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان (يوناما)، قد أوضحت في تقريرها، الإثنين الماضي؛ أنّ مستويات العنف قد وصلت إلى درجات "غير مسبوقة"، منذ بدأت عملها التوثيقي، عام 2009، وحذّرت من تنامي "العنف غير المبرّر" في أفغانستان، والذي تسبّب في سقوط أعداد هائلة من المدنيين، خلال العام الحالي، حيث سقط، في النصف الأول منه فقط، حوالي 5 آلاف و183 مدنياً (1659 قتيلاً و3524 جريحاً)، وهو ارتفاع بنسبة 47% مقارنة بالفترة ذاتها العام الماضي، فيما بلغ عدد الضحايا الكلّي، بين أيار (مايو) وحزيران (يونيو) الماضيَين، 2392 (783 قتيلاً و1609 جرحى).

من يدفع كلفة الفراغ الأمني في أفغانستان؟

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام في أفغانستان، ديبورا ليونز: "أناشد طالبان والقادة الأفغان أن يتنبهوا لمسار الصراع الكئيب والمروّع وتأثيره المدمّر على المدنيين"، كما شدّدت على ضرورة "تكثيف الجهود على طاولة المفاوضات، ووقف القتال الأفغاني ضدّ الأفغان، وحماية الشعب الأفغاني ومنحه الأمل في مستقبل أفضل".

ومن جانبه، قال رئيس إدارة شؤون اللاجئين في قندهار، دوست محمد درياب، قبل أيام؛ إنّ المعارك "دفعت 22 ألف أسرة إلى النزوح من قندهار، خلال الشهر الماضي"، موضحاً أنّهم "نزحوا جميعاً من مناطق مضطربة في المدينة إلى مناطق أكثر أماناً".

وعليه، أوضح نائب حاكم ولاية قندهار، لالاي داستاغيري؛ أنّ "الإهمال الذي تعاني منه بعض القوى الأمنية، خصوصاً الشرطة، أفسح المجال أمام اقتراب (طالبان) إلى هذا الحدّ"، وتابع: "حالياً نحن نحاول تنظيم صفوف قواتنا الأمنية".

الباحث محمد الديهي لـ"حفريات": تحرّكات طالبان، عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان يؤكد أنّ الفترة القادمة سوف تشهد عمليات مسلّحة وعسكرية متفاوتة لطالبان

تسبّبت الهجمات العنيفة التي تواصل حركة طالبان تنفيذها في عدة نتائج، سياسية وميدانية وإنسانية؛ حيث وصفها رئيس الأركان الأمريكي، الجنرال مارك ميلي، مطلع الأسبوع الحالي، بأنّها منحت الحركة "زخماً إستراتيجياً"، وعليه، اضطرت الحكومة إلى فرض حظر تجوّل ليلي، في 31 ولاية من أصل 34، بهدف تقليل مستوى العنف، وتمّ استثناء كابل وبانشير وننغرهار.

وإلى ذلك، دانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ممارسات الحركة في أنحاء أفغانستان، واتهمت عناصرها بـ "تهجير السكان ونهب ممتلكاتهم وإحراق البيوت؛ بما في ذلك منطقة سبين بولداك، المحاذية للحدود مع باكستان، والتي سيطرت عليها هذا الشهر"، كما قالت مديرة قسم آسيا في المنظمة الحقوقية الأممية، باتريشا غروسمان؛ إنّ "قادة (طالبان) ينفون مسؤوليتهم عن أيّة انتهاكات، لكنّ الأدلة المتزايدة على الطرد والتوقيفات العشوائية والقتل في مناطق خاضعة لسيطرتهم تثير مخاوف السكان".

اقرأ أيضاً: أفغانستان.. هل تكون ملاذاً جديداً لـ"داعش"؟

إذاً، فالانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، تحديداً أفغانستان، تسبّب في حالة فراغ أمني، حسبما يوضح الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور محمد ربيع الديهي، وهو الأمر الذي جعل العناصر الإرهابية تستغلّ ذلك لجهة تحقيق مكاسب سياسية على أرض الواقع.

الباحث المصري في العلوم السياسية الدكتور محمد ربيع الديهي

 ويضيف الديهي لـ "حفريات": "التحرّكات التي قامت بها حركة طالبان، عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لمحاولة فرض سيطرة الحركة على عدد من المناطق في البلاد، دون السيطرة على العاصمة كابول والمدن الرئيسة، إنّما يؤكد أنّ الفترة القادمة سوف تشهد عمليات مسلّحة وعسكرية متفاوتة لطالبان، خاصة في ظلّ تعثّر محادثات السلام الأفغانية الأفغانية".

اقرأ أيضاً: هل تفرض طالبان هيمنتها على أفغانستان؟.. آراء وتقييمات

تحركات طالبات تثير العديد من المخاوف، التي سبق أن طُرحت بمجرد إعلان الولايات المتحدة قرارها بانسحاب قوات الناتو، والذي بعث بترجيحات متباينة حول الأدوار المحتملة لعدد من القوى الإقليمية والدولية، وفق الباحث المصري، موضحاً أنّ "أفغانستان أمست لقمة سائغة يسيل عليها لعاب العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين، وكذا التنظيمات الإرهابية مثل داعش، والأخير يجد في المنطقة الجديدة فرصه حقيقية لإعادة انطلاقه، وفرض نفوذه، حيث يجري توظيفه من خلال أطراف خارجية".

اقرأ أيضاً: خوف من الصين حتى روسيا بسبب انسحاب الأمريكيين من أفغانستان

وعلى ما يبدو فإنّ التطورات الأخيرة والمتلاحقة التي تتحرك داخلها جماعات إرهابية، على أرض الواقع في أفغانستان، هي "انعكاس للتنافس المحتدم بين بعض القوى الإقليمية، من أجل فرض النفوذ والسيطرة على الأراضي الأفغانية، لذلك؛ فمن المتوقع تزايد نفوذ هذه التنظيمات واتساع رقعة تحركاتها، بناء على دعم سخيّ مقدَّم من أطراف عديدة، لتحقيق الاستفادة الجيوسياسية القصوى، والمكاسب الإستراتيجية، ثم تقوية أدوار إقليمية محددة، من خلال التقدم في أفغانستان".

الصفحة الرئيسية