هل أجاب الكواكبي على سؤال الانحطاط في "طبائع الاستبداد"؟

هل أجاب الكواكبي على سؤال الانحطاط في "طبائع الاستبداد"؟

مشاهدة

14/01/2021

لاحظ عبدالرحمن الكواكبي، عندما انتقل إلى مصر في عهد الخديوي عباس الثاني، أنّ النخبة فيها غارقة في غمار المسألة الاجتماعية الكبرى، طارحة كغيرها من الشرقيين أسئلة أسباب الانحطاط، بيد أن كل واحد فيها يذهب في ذلك مذهباً، ثم يجتهد بعد ذلك في وضع دواء لهذا الداء.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي: خطر الاستبداد الديني كنظرية في الحكم
أما الكواكبي، فقد وصل لنتيجة مؤداها أنّ أصل الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه هو دفعه بالشورى الدستورية، ومع أنّ هذه النتيجة تبدو بسيطة إلا أنّ الرجل في زمانه قد استقر عليها بعد بحث ثلاثين عاماً، بحثاً يكاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم فيه الباحث عند النظرة الأولى أنه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله!
ما هو أصل الداء؟
كباحث خبير وضليع، لا يشتبك الكواكبي في المسألة محل البحث إلا أن يستكشف ما كتبه السابقون قبله من الباحثين عن إجابة للسؤال: ما الذي وصل بنا إلى هذا المنحدر؟

الكواكبي وصل لنتيجة مؤداها أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي ودواؤه هو دفعه بالشورى الدستورية

ثمة من قال: إنّ أصل الداء التهاون في الدين.. إلا أن ذلك يرد عليه بسؤال مقابل:  ولماذا تهاون الناس في الدين؟ والقائل إنّ الداء اختلاف الآراء، يقف مبهوتاً عند تعليل سبب الاختلاف، فإن قال سببه الجهل، يشكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد.. وهكذا يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله تعالى بخلقه، غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله تعالى حكيم عادل رحيم.
أعد الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" مباحث قال إنّه أتعب نفسه في تحليلها، وخاطر بحياته في درسها وتدقيقها، حتى يعطي رسالة لمن يطالع كتابه، أنّه ما وقف على الرأي القائل بأنّ أصل الداء هو الاستبداد السياسي إلا بعد عناء طويل فيرجح أنه أصاب الغرض.
من رحم المعاناة والمأساة احترز الرجل، الذي لم يستطع أن يؤلف كتابه وينشره سوى في مصر، فشدّد على أنه لا يقصد في مباحثه هذه ظالماً بعينه ولا حكومة وأمة مخصصة، وإنما أراد بيان طبائع الاستبداد وما يفعل، وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه.

اقرأ أيضاً: "الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير
هو يريد فقط، التنبيه لمورد الداء الدفين، عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم، أنّهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعتبون على الأغيار، ولا على الأقدار، إنما يعتبون على الجهل وفقد الهمم والتواكل، وعسى الذين فيهم بقية رمق من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات، كما يقول.

كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"

ما هو الاستبداد؟
انشغل الكواكبي بتعريفات مصطلح الاستبداد وإعادة تحريره، حتى لا تضل الإجابة عن السؤال طريقها، ولذا فلم يسقط في فخ المعاني والمرامي المائعة، أو التي يمكن أن تحمل تأويلاً.

مراتب الاستبداد عنده عديدة لكنّه يرى أن أشدها حكومة الفرد المطلق الحائز على سلطة دينية

ذهب لتعريف علم السياسة بقوله: "هو إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة"، فيرى نتيجة لذلك أن أول بحث في علم السياسة، الغائب عن العرب في ذلك الحين، هو بحث "الاستبداد"  الذي يعرفه تعريفاً مضاداً فيقول إنّه "التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى".
يدفع الرجل بسيل من الأسئلة، التي يجتهد في الإجابة عنها فيما بعد، فيمسي بحثه كاملاً شافياً: "ما هو الاستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما إنذاره؟ ما دواؤه؟ ما هي طبائع الاستبداد؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم؟ على المجد؟ على المال؟ على الأخلاق؟ على الترقي؟ على التربية؟ على العمران؟ من هم أعوان المستبد؟ هل يتحمل الاستبداد؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟".

اقرأ أيضاً: عرّاب التفاؤل التاريخي سلامة كيلة يرحل بعد صراع مع المرض والاستبداد
يضع الكواكبي مراتب عديدة للاستبداد، لكنّه يرى أنّ أشدها، هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية.. وكلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب المؤقت المسؤول فعلاً،  وكذلك يخف الاستبداد كلما قل عدد نفوس الرعية، وقل الارتباط بالأملاك الثابتة، وقل التفاوت في الثروة وكلما ترقى الشعب في المعارف.
أشكال الاستبداد
يمضي الكواكبي في تشريح أشكال الاستبداد، فلا يقف عند حكومة الحاكم الفرد المطلق، الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، بل يضم أشكالاً متعددة منها: الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً، معللاً ذلك بأنّ الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد.

اقرأ أيضاً: الاستبداد يحول الإقليم الصومالي الإثيوبي إلى سجن
كما يشمل الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن قوة المراقبة، لأنّ الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولون لدى الأمة، تلك الأمة التي تعرف أنّها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب.. أما أقبح أنواع الاستبداد لدى الكواكبي فهو استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل.

مع أنّه يبرئ الإسلام من تهمة التسبب بالاستبداد السياسي إلا أنّه يحمّل التاريخ الإسلامي المسؤولية
يشترط الكواكبي لخروج الحكومة من حيز الاستبداد أن تخضع للمراقبة الشديدة "والاحتساب الذي لا تسامح فيه"، ويقول: "ومن يدري كم يتعجب رجال الاستقبال من ترقي العلوم في هذا العصر ترقياً مقروناً باشتداد هذه المصيبة التي لا تترك محلاً لاستغراب إطاعة المصريين للفراعنة في بناء الأهرامات سخرة، لأن تلك لا تتجاوز التعب وضياع الوقت".

انشغل الكواكبي بتعريفات مصطلح الاستبداد وإعادة تحريره حتى لا تضل الإجابة عن السؤال طريقها

لا يخلو الكتاب من نقاط يُرد فيها على الكواكبي، الذي ربما أخذته نزعة معاداة الحكم الفردي إلى الزج بقياسات لم يكن موفقاً فيها، حيث وقع فيما يقع فيه الإسلاميون من معاداة العصور الفرعونية القديمة التي يظل تاريخها يخضع للنظريات والاكتشافات التي لا ترقي لدرجة العلم اليقيني المطلق، ومن ذلك كيفية بناء الأهرامات في مصر.
كما اعتبر الرجل أنّ "الجندية تفسد أخلاق الأمة، حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يُطاق، وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم، استبداد الحكومات القائدة لتلك القوة من  جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى" وما يمكن أن يرد عليه، بأنّ الجندية الجبرية، وإن كانت لها مسالب، إلا أنّها لم تكن عائقاً في العصر الحديث من تكوين نظم ديمقراطية حديثة، وربما تأثر الرجل بما فعله محمد علي، حاكم مصر، من تأسيس جيش رآه عدد من المؤرخين، خادماً لسلطانه الشخصي.
الاستبداد والدين
يربط الكواكبي بين إطالة مدة الحكومة وتمكن الاستبداد، ولا يرى أنّ هناك في تاريخ الحكومات المدنية استمرار حكومة مسؤولة مدة أكثر من نصف قرن إلى غاية قرن ونصف.
يستثني من ذلك الحكومة الإنجليزية في هذا التوقيت، ويرجع ذلك إلى وعي الشعب الانجليزي، الذي يمدحه قائلاً: "يقظة الإنكليز الذين لا يسكرهم انتصار، ولا يخملهم انكسار، فلا يغفلون لحظة عن مراقبة ملوكهم، حتى إنّ الوزارة هي تنتخب للملك خدمة وحشمة، فضلاً عن الزوجة والصهر، لو تسنى الآن لأحدهم الاستبداد لغنمه حالاً، ولكن، هيهات أن يظفر بغره من قومه يستلم فيها زمام الجيش".

اقرأ أيضاً: أخطار الشعبوية ... وتسلل الاستبداد إلى الديموقراطيات
يتعرض الكواكبي لجدلية "الاستبداد والدين" فيذهب أولاً لقراءة آراء العاملين في التاريخ  الطبيعي للأديان الذين يذهب معظمهم إلى أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، وبعضهم إلى: "إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان، أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان، بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذيل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان، أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في مملكة القلوب".
في نقده لتلك الآراء ينحاز الكواكبي إلى الدين الإسلامي ليبرئه في النهاية من تهمة العمل على خلق الاستبداد: "الفريقان مصيبان بحكمهما بالنظر إلى مغزى أساطير الأولين، والقسم التاريخي من التوراة، والرسائل المضافة إلى الإنجيل، ومخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أن القرآن جاء مؤيدا للاستبداد السياسي".

يلفت الكواكبي في عصره إلى أنّ الإصلاح الديني مقدمة ضرورية للإصلاح السياسي
ينقل الكواكبي عن هؤلاء المحررين قولهم: "إن التعاليم الدينية، ومنها الكتب السماوية تدعو البشر إلى خشية قوة عظيمة لا تدرك العقول كنهها، قوة تتهدد الإنسان بكل مصيبة في الحياة فقط، كما عند البوذية واليهودية، أو في الحياة وبعد الممات، كما عند النصاري والإسلام، تهديداً ترتعد منه الفرائص فتخور القوى، وتنذهل منه العقول فتستسلم للخبل والخمول، ثم تفتح هذه التعاليم أبواباً للنجاة من تلك المخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم، ولكن، على تلك الأبواب حجاب من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم يعظموهم مع التذلل والصغار، ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران، حتى إن أولئك الحجّاب في بعض الأديان يحجزون فيما يزعمون لقاء الأرواح ما لم يأخذوا عنها مكوس المرور إلى القبور وفدية الخلاص من مطهر الأعراف".

يرى أنّ الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد

ويقولون، كما يذكر: "إن السياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساس من هذا القبيل، فهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم، عاملين لأجلهم".
يلفت الكواكبي في عصره إلى أنّ الإصلاح الديني مقدمة ضرورية للإصلاح السياسي "والحاصل أنّ كل المدققين السياسيين يرون أنّ السياسة والدين يمشيان متكاتفين، ويعتبرون أنّ إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي".
ومع أنّ الرجل يبرئ الدين الإسلامي من تهمة التسبب في الاستبداد السياسي، إلى أنّه لا يبرأ التاريخ الإسلامي من ذلك، بل ويهاجم الخلفاء والملوك الأوائل في أنهم اختلقوا مقولات دينية لتدعيم عروشهم والتبرير لاستبدادهم "والناظر المدقق في تاريخ الإسلام يجد للمستبدين من الخلفاء والملوك الأولين، وبعض العلماء الأعاجم، وبعض مقلديهم من العرب المتأخرين أقوالاً افتروها على الله ورسوله تضليلاً للأمة عن سبيل الحكمة".

اقرأ أيضاً: وزيرة تونسية سابقة: الاستبداد مشكلة العالم العربي
يخلص الكواكبي إلى أنّ الاستبداد هو الذي أضرّ الإسلام، وعلماءه، وليس العكس "وإني أمثل للمطالعين ما فعله الاستبداد في الإسلام، بما حجر على العلماء الحكماء من أن يفسروا الآلاء والأخلاق تفسيراً مدققاً، لأنّهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغفل السالفين أو بعض المنافقين المقربين المعاصرين، فيكفرون فيقتلون".
رغم أنّ الباحث عند النظرة الأولى يعتقد أنّ الكواكبي ظفر بأصل الداء أو بأهمّ أصوله، إلا أنّ التدقيق لا يلبث أن يكشف له أنّه لم يظفر بما كان ينشده، أو أنّ ما ذهب إليه في الواقع فرع لا أصل له، أو هو نتيجة لا وسيلة كما اعتقد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية