هل أثرت وحشية داعش في الدراما التلفزيونية؟

الدراما والإرهاب

هل أثرت وحشية داعش في الدراما التلفزيونية؟

مشاهدة

20/06/2019

تحاول الدراما التلفزيوينة الاستحواذ على ذهنية المشاهد، وخطف بصره ووجدانه، بمشاعر عديدة ومتناقضة، وكلّما استطاعت ذلك، وصفت بالنجاح.

اقرأ أيضاً: هل يؤرِّخ رمضان 2019 لانتكاسة الدراما المصرية؟
ومع أنّ صنّاعها يرددون دائماً؛ أنّ مادتهم الخام هي الواقع، إلا أنّهم يطلقون عنان خيالهم، لممارسة الصدمة والرعب، خارج حدود الواقع، وهذا حقّ، لكنّ الإشكالية هي في نقل ممارسة تنظيم متوحش كداعش إلى قلب الدراما الاجتماعية دون الإشارة إليه، فيقعون في فخّ تحوّل الاستنثاء الكريه إلى فعل اجتماعي معتاد، وهو ما تترتب عليه محاولة تقليده عند ممارسة العنف والانتقام بين المجتمع، وهنا قد تكمن الخطورة.

وحشية داعش تتفوق
حاول تنظيم داعش، عبر عناصره من ذوي الخبرة الغربية في الميديا، أن يبثّ الرعب في قلوب الناس، بالوصول إلى أقصى خيال متوحش، في تعذيب وقتل خصومه من الأسرى والمعتقلين لديه، مستنداً بعد ذلك إلى وقائع تاريخية ذات سياقات قديمة، هي في الواقع ابنة تاريخها وظروفها وملابساتها.

الناقد طارق الشناوي: أيّ مشهد للحرق في الدراما ليس من الضروري أن يكون مقتبساً من الدواعش

لكنّ الإشكالية هي في تأثّر خيال كاتب الدراما التلفزيونية والسينمائية، في الخيال المتوحش لداعش، فيستخدم البطل المنتقم، وصاحب الحقّ في أنّ ينكل بالشخصية الشريرة، من خلال فعل "إجرامي"، يتصور أنّه يصل بالمشاهد إلى أقصى حالات التشفي والشعور بالرضاء لما حلّ بذالك الشرير.
وظلّ مشهد حرق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، من قبل تنظيم داعش، مؤثراً سلبياً في الدراما المصرية، مع أنّ التنظيم بثّ فيديوهات للتعذيب والقتل أكثر قساوة من مشهد حرق "الكساسبة"، إلا أنّها لم تحظَ بمشاهدات كبيرة، مثل مشاهد إدخال داعش عدداً من أسراه في قفص حديدي وإغراقهم في الماء، وتسليط الكاميرا الضوء عليهم حال اختناقهم تحت الماء، أو المشاهد التي قام فيها التنظيم بتقطيع خصومه وسلخهم أحياء في مجازر وسلخانات البهائم.

 

ضدّ مجهول
أول من قلّد مشهد "الكساسبة"؛ كان المسلسل المصري "ضدّ مجهول"، وعرض في رمضان، عام 2018، وقامت ببطولته الفنانة يسرا، التي وضعت قاتل ابنتها في قفص حديدي، بعدما ألبسته زياً برتقالياً، كالذي كان يرتديه "الكساسبة"، ثمّ أشعلت فيه النيران، مع محاكاة لا تخطئها العين مع المشهد الداعشي المنفر.

اقرأ أيضاً: لماذا اختفت الدراما الدينية؟
ومع ذلك، لم يستطع مخرج المسلسل أن يصل إلى مستوى الصدمة الذي أوقعه داعش في قلوب المشاهدين؛ إذ إنّه استطاع أن يخرج المشهد باحترافية عالية فاقت صنّاع الدراما، ربما لأنه امتلك عناصر ذات خبرات غربية بين صفوفه، ساعدته في إخراج مشهد طقسي عنيف يعود إلى العصور الوسطى.
لكن ربما تكمن المشكلة في تخزين المشهد في عقل المشاهد، الذي وإن رأى داعش جماعة متوحشة لا يقاس على أفعالها، إلا أنّه قد يعتدّ بطريقة القتل في حالة الانتقام من قاتل الابن أو الابنة، في محاولة منه للوصول إلى أعلى درجات الانتقام الذي يظنّ أنها ستذهب بغليله.
انتقادات عنيفة
قوبل مشهد الحرق في مسلسل "ضدّ مجهول" بانتقادات حادّة العام الماضي، إلا أنّ مشهداً جديداً مشابهاً ظهر في رمضان هذا العام، في مسلسل "ولد الغلابة"، من بطولة أحمد السقا ومحمد ممدوح.
فممدوح "ضاحي" استمر في الضغط على الطيب أحمد السقا "عيسى"، حتى حوله لتاجر مخدرات، وواصل شرّه حتى تزوج سرّاً من شقيقته، التي قتلها أخوها عندما علم بذلك، فما كان من "عيسى" إلا أن خطّط لقتل "ضاحي"، وعندما تمكن من ذلك، اختار أن يسكب عليه البنزين، ثم قام بإشعال عود الكبريت، وألقاه عليه، ليحترق "ضاحي" ويصرخ، فيجد المشاهدون في ذلك الفعل انتقاماً مشروعاً ومحقّاً.

 

 

كما اختار كاتب مسلسل "أبو جبل" الذي قام ببطولته الممثل المصري مصطفى شعبان، أن يقتل طفلين من أطفال "حسن"، على يد خالهما، الذي أراد أن يسرق ملايين الجنيهات من منزل شقيقته، فقام بإحراق المنزل بمن فيه.

اقرأ أيضاً: الدراما السورية تعود من الحرب ببطولات جماعية
وصل صنّاع المسلسل إلى قمة التراجيديا، واستطاعوا خطف المشاهدين للنهاية لمعرفة القاتل الحقيقي، والذي عزم "الأب" أن يثأر منه انتقاماً لطفليه، لكنّ الكاتب اختار أن تكون النهاية قانونية، بعد تراجع البطل عن قتل الخال، وقام بتسليمه إلى يد العدالة، إلا أنّ تلك النهاية قد لا تكون واقعية؛ إذ إنّ بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى الحرق بالمثل، على منهجية داعش، واعتقاداً منهم بأنّ القصاص يقتضي ذلك.

 

 

لسنا نحن فقط

وقد يجيب صنّاع الدراما المصرية بأنّ نوعية تلك المشاهد تتكرر في أعمال درامية عالمية، فلماذا ينصبّ النقد على الأعمال المحلية فحسب؟
ففي مسلسل "صراع العروش"، استخدمت الملكة "دينيرس" قواتها، بالتعاون مع "جون سنو" للهجوم على "كينجز لاند"، لكنّها رفضت السلام بعد الاستسلام التام من قبل "سيرسي"، ملكة الممالك السبع، وبعدها قررت حرق المدينة وأهلها بواسطة التنانين.

 

 

مشاهد الحرق الجماعية كان يقابلها مشاهد حرق فردية، فحرقت "دينيرس" مستشارها السياسي "هاريس"، بعدما اكتشفت أنّه يروّج بأنّ ابن أخيها "جون سنو" هو الأحقّ بحكم الممالك السبع، لأنّه الوريث الشرعي لعرش "تيرغيريان"، فأحرقته بنيران أحد تنانينها في مشهد مأساوي أليم.

 

 

ويعتقد الناقد طارق الشناوي، أنّ الدراما تناولت تنظيم داعش نفسه بكل تفاصيله المثيرة للجدل، في أكثر من عمل، وتعرضت لسلوكيات مستهجنة مثل: جهاد النكاح، وغرس الأفكار التكفيرية والمعتقدات المتطرفة في الأطفال الصغار والنساء، وبشاعة الهجمات الانتحارية، التي تسبّبت في خراب ودمار الكثير من البلدان العربية.

قوبل مشهد الحرق في مسلسل "ضدّ مجهول" بانتقادات حادّة العام الماضي، إلا أنّ مشهداً جديداً مشابهاً ظهر في رمضان

وأكّد الشناوي، لــ "حفريات"؛ أنّه كان من واجب الدراما أن تناقش المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا العربية، مثل مشكلة داعش، مشيراً إلى أنّ بعض الأشياء التي يمارسونها لا بدّ من أن تناقَش بحذر شديد، رغم أنّ هناك بعض الأعمال الفنية التي تضمنت مشاهد لحرق البطل أو إحدى الشخصيات الثانوية قبل ظهور تنظيم داعش من الأساس.
ولفت الشناوي إلى أنّ هناك فريقين في عالم الفنّ، الأول: مَن يرى فكرة ترسيخ ما يفعله الدواعش بكل التفاصيل في أعمال فنية، والثاني: مَن يختار أن يكون حذراً جداً عند تناولها، أو أن يخفّف من الصورة الحقيقية التي يظهر بها داعش، مثل العنف والذبح والحرق، حرصاً على المشاعر الرقيقة للبعض.

اقرأ أيضاً: "الإرهاب" في دراما رمضان: وأد للتطرف أم توجيه للرأي العام؟
وأوضح الشناوي؛ أنّ الأهم من كلّ هذا، الحرفية في التقديم، وتناول الموضوع بشكل جيد، مشيراً إلى أنّ الدواعش وتنظيمهم فرضوا أنفسهم على العالم كلّه؛ لذا من الطبيعي أن تنعكس تصرفاتهم في الكتابة الدرامية، بما أنّهم باتوا مصدر قلق للكثيرين، ولذلك كان من المهم تسليط الضوء عليهم.
وأضاف الشناوي: "أيّ مشهد للحرق في الدراما، ليس من الضروري أن يكون مقتبساً من الدواعش؛ فقد ظهرت من قبل أشياء تشبه تلك التصرفات، ولكنّ التوقيت الحالي جعل بعض الناس تربط داعش بالأحداث، وربما يرجع ذلك لمخاوفهم وقلقهم من هذا التنظيم".


الصفحة الرئيسية