من هو الأمير المجاهد الذي نام في سرير العدو؟

من هو الأمير المجاهد الذي نام في سرير العدو؟

مشاهدة

17/06/2021

لو كنت مخرجاً سينمائياً نافذاً، لما تردّدت في إنتاج فيلم تاريخي طويل عن أسامة بن منقذ! لا لأنه شخصية خصبة وعميقة فقط؛ بل لأنه يمثّل أيضاً إحدى نقاط الالتقاء والتقاطع النادرة بين الشرق والغرب أو الإسلام والمسيحية. ومما يزيد من ألق هذه الشخصية الفريدة؛ امتداد العمر بصاحبها، والإجماع الاستثنائي على نبلها وفروسيتها وعلمها وأدبها، رغم العديد من المحطّات الإشكالية في علاقاته وأدواره.

 وبغض النظر عمّا ستتمخّض عنه هذه المقالة من تساؤلات أو علامات استفهام، فإنّ أسامة بن منقذ (488 - 584 هـ) هو دون ريب، من الشخصيات العالمية القليلة العابرة لحدود الأديان والقوميات والتاريخ والجغرافيا والقيم الأخلاقية والحضارية.

 

لو كنت مخرجاً سينمائياً نافذاً، لما تردّدت في إنتاج فيلم تاريخي طويل عن أسامة بن منقذ لأنه شخصية خصبة وعميقة ويمثّل إحدى نقاط الالتقاء والتقاطع النادرة بين الشرق والغرب

 

وأما بخصوص التميّز على الصعيد الشخصي البحت؛ فالرجل عربي صميم، وأرستقراطي رفيع، وفارس مغوار، وعالم راسخ، وشاعر مجيد، وكاتب مبدع، وعاشق نبيل، وحكيم زاهد، ومعمّر صالح. وهذه كلها مناقب أقرّ له بها معاصروه ومن جاء بعدهم.

وأما بخصوص التميّز على الصعيد الدرامي؛ فالرجل بعد أن تخلّى والده عن حكم إمارة شيزر في سوريا وآلت الأمور لعمّه، آثر النأي بنفسه عن الصراعات السياسية والتحق بركب السلطان المجاهد عماد الدين زنكي، وأبلى معه بلاء حسناً وخاصة في مقارعة الفرنجة في فلسطين. ثم طال به التنقّل بعد ذلك، بين سوريا والعراق ومصر، حتى استقر به المقام في كنَف صلاح الدين الأيوبي في دمشق. ولعل أبرز لحظات التوتّر على هذا الصعيد، تتمثّل في فناء آل منقذ بسبب الزلزال المدمّر الذي حاق بقلعة شيزر عام 552 هـ ولم يبق منهم سوى أسامة وأفراد عائلته الصغيرة الذين كانوا يرافقونه في حلّه وترحاله. كما تتمثّل في نجاة عائلته من براثن فرنجة عسقلان من جهة، وخسارة مكتبته وماله ومتاعه من جهة ثانية، في الحادثة نفسها عام 449 هـ.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الخلاعة والتقوى في شخص المبدع؟

 وأما بخصوص التميز على الصعيد الإشكالي؛ فالرجل مجاهد كبير من أعلام الجهاد في بلاد الشام، لكنه في الوقت نفسه من أقرب المقرّبين لأمراء الفرنجة وفرسانهم؛ يزورهم وقتما شاء ويبيت عندهم وقتما شاء؛ يؤاكلهم ويؤاكلونه ويؤانسهم ويؤانسونه، حتى صار خبيراً بهم وبأحوالهم، إلى درجة أنه يستفيض في كتابه (الاعتبار) في وصف أدقّ خصوصياتهم، ومنها على سبيل المثال قلّة غيرتهم على نسائهم؛ فترى الواحد منهم يتقبّل انخراط زوجته التي كانت تسايره في الكلام مع رجل آخر، وقد تعود لمسايرته أو لا تعود. ناهيك بما يرويه من ردود أفعالهم الباردة على خيانات زوجاتهم لهم في السرير. لكنه يقرّ لهم بالقوّة والشجاعة المفرطة في الحروب. والرجل أيضاً زاهد في الحكم وليست له أية طموحات سياسية رغم إرثه الأرستقراطي العريق ورغم بلائه المشهود في الحروب، إلى درجة أنه حظي بحفاوة كل من حل بهم من الملوك والأمراء والقادة دون توجّس أو حذر. لكن هذا الزهد الذي بلغ بصاحبنا حد النأي بنفسه تماماً عن شؤون الحكم وشجونه في شيزر، أخلى مكانه لسمة لم نعهدها فيه، ألا وهي سمة التحريض والتآمر التي تمخّضت عن قتل خليفتين ووزيرين فاطميين، قبل أن يغادر مصر فارّاً إلى العراق. ومن المؤكّد أنّ هذا الدور التآمري المفاجئ الذي اضطلع به أسامة بن منقذ خلال إقامته في مصر، لم يعجّل بنهاية الدولة الفاطمية فقط، ولم يمهد لاستيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر فقط، بل إنه لم يستأثر أيضاً بالعناية التي يستحقها من جانب المؤرخين والباحثين.

 

الرجل مجاهد كبير من أعلام الجهاد في بلاد الشام، لكنه في الوقت نفسه من أقرب المقرّبين لأمراء الفرنجة وفرسانهم

 

 هذه هي الأنساق الرئيسة في سيرة أسامة بن منقذ، التي كادت تدفن تحت ركام الدراسات التقليدية الإنشائية المشغولة بالثّناء عليه والإشادة بفروسيّته وشاعريّته، بدلاً من الانشغال باستنطاق مضمرات سيرته بوجه عام ومضمرات النسق الإشكالي فيها بوجه خاص؛ فلماذا يُقبلُ من أسامة بن منقذ تحديداً أن يكون مجاهداً للفرنجة ومؤاخياً لهم في الوقت نفسه؟ وما الامتياز الذي كان يتمتّع به حتى يتسابق الفرنجة كلهم إلى إكرام وفادته في حالي السلم والحرب، إلى درجة أنّ الفرسان الدّاويّة كانوا يفتحون له أبواب المسجد الأقصى كلّما زار القدس؟ ولماذا تابع اللاحقون من المؤرخين والباحثين والنقاد هذا الإغضاء عن هذه الازدواجية الخطيرة في شخصه ولم يبخلوا عليه بالثناء؟ ولماذا شنّعوا على آخرين (مثل ابن خلدون مثلاً) بسبب اتصالهم الاضطراري بالعدو؟ ولماذا غضّ المؤرخون والباحثون النظر عن حقيقة ودافع الدور التآمري الذي اضطلع به خلال إقامته في مصر؟ وهل كان هذا الدور بدافع شخصي بحت أم بدافع سياسي مخطّط؟ وهل مثّلت الرعاية التي خصّه بها صلاح الدين الأيوبي في دمشق ضرباً من ضروب المروءة تجاه فارس وشاعر أرستقراطي مُسِنّ أم ضرباً من ضروب الامتنان للدور الذي اضطلع به في مصر ومهّد لقدوم الأيوبيين وربما لقاء الأدوار التي اضطلع بها في خضم المواجهة العسكرية والديبلوماسية الطاحنة مع الفرنجة؟

أيّاً كانت الإجابات على هذه التساؤلات الخطيرة والمحرجة، فإنّ أسامة بن منقذ سيظل، شخصاً ودوراً وإبداعاً، علامة فارقة جداً على صعيد المواجهة الحضارية بين الشرق والغرب. رغم أنني أشك في قدرة المؤرخين والباحثين والنقاد العرب، على استشعار وتلمّس ومقاربة وجوه أهمية هذه العلامة؛ شكلاً ومضموناً!

الصفحة الرئيسية