ملفات العمالة الوافدة في قطر... هل تتحول تصفيات المونديال إلى فعاليات حقوقية؟

ملفات العمالة الوافدة في قطر... هل تتحول تصفيات المونديال إلى فعاليات حقوقية؟

مشاهدة

13/01/2022

اتخذت الحكومة القطرية عدة خطوات إيجابية لإصلاح النظام الحقوقي، وسوق العمل، لكنّها تبقى، وفق منظمات حقوقية، "محدودة"، في ظلّ عدم تفعيل الكثير من القرارات الحقوقية والعمالية التي اتخذتها لهذا الهدف.

فقد حذّر تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي من أنّ العمال الأجانب في قطر "ما يزالون يتعرّضون للاستغلال على نطاق واسع"، في الوقت الذي لم يتبقَّ فيه إلّا نحو عام على انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم المقبلة.

واتّهمت منظمة العفو الدولية، في بيان لها نشرته شبكة "بي بي سي"، الدوحة بـ"عدم الوفاء بوعودها بشأن تحسين حقوق العمال".

منظمة العفو الدولية تتهم الدوحة بعدم الوفاء بوعودها بشأن تحسين حقوق العمال وتؤكد استغلال أصحاب العمل ثغرات في التشريعات

وتتهم المنظمة الحقوقية، أيضاً، بعض أصحاب العمل بـ"استغلال ثغرات في التشريعات التي أدخلت لحماية ظروف العمل لأكثر من 2 مليون عامل وافد يعملون في قطر".

وقال التقرير، المكوّن من (48) صفحة: "إنّ العمال الوافدين يتعرّضون للاستغلال أثناء عملهم في بناء الملاعب والبنية التحتية لمونديال قطر 2022"، مضيفاً أنّ العمال ما يزالون "يواجهون سرقة الأجور، وظروف عمل غير آمنة، وأحياناً عقبات لا يمكن التغلب عليها لتغيير الوظائف".

الواقع عن كثب

تقرير منظمة العفو الدولية، الذي كان عنوانه "الواقع عن كثب 2021"، يسلّط الضوء على التغييرات القانونية التي أدخلت في عام 2017 لتحسين ظروف مئات الآلاف من العمال، الذين تقول منظمات حقوق الإنسان إنّهم أجبروا على العيش في "ظروف مروّعة؛ ممّا أدى إلى العديد من الوفيات".

ما تزال بعض عناصر نظام الكفالة سارية؛ ممّا يسهل إساءة معاملة القوى العاملة الوافدة الكبيرة في البلاد واستغلالها

وتضمّنت تلك التغييرات: قوانين تنصّ على قيود تتعلق بساعات العمل، وتشكيل لجان لتسوية النزاعات، وإنشاء صندوق لضمان دفع الأجور، وتحديد حدٍّ أدنى جديد للأجور، وإلغاء القواعد التي تعني أنّ العمال بحاجة إلى الحصول على إذن أصحاب العمل لتغيير وظائفهم أو مغادرة البلاد.

لكنّ منظمة العفو تقول إنّها وجدت أنّ "عدم التنفيذ يعني استمرار الاستغلال"، ووصفت الوضع بأنّه "يسير كالمعتاد" من نواحٍ كثيرة.

ونقل التقرير عن عامل مهاجر من كينيا قوله: "التغيير على الورق، لكن على الأرض ليس هناك تغيير، ما يزال الوضع مروعاً".

وقالت منظمة العفو أيضاً: إنّ "السلطات لم تفعل شيئاً يُذكر للتحقيق في حجم الوفيات غير المبررة" بين العمال المهاجرين على مدى الأعوام الـ11 الماضية، ومنعتهم من تشكيل نقابات عمالية أو الانضمام إليها.

اقرأ أيضاً: كأس العالم 2022: كيف تحولت أحلام العمال في قطر إلى كابوس؟

بدورها، فردت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مساحة كبيرة للحديث عن القصور في تنفيذ القرارات الإصلاحية التي اتخذتها قطر موخراً، حيث قالت في التقرير العالمي الذي نشر على موقعها الإلكتروني: إنّ إدخال قطر إصلاحات عمالية كبيرة تسمح للعمال الوافدين بتغيير وظائفهم دون إذن صاحب العمل، وزيادة الحدّ الأدنى للأجور دون تمييز، وحرية مغادرة البلاد، مع ذلك ما تزال بعض عناصر نظام الكفالة سارية؛ ممّا يسهل إساءة معاملة القوى العاملة الوافدة الكبيرة في البلاد واستغلالها، وأثبتت جهود السلطات القطرية لحماية حقّ العمال الوافدين في الحصول على أجور عادلة، وفي الوقت المناسب، أثبتت عدم نجاحها إلى حد كبير، وكشف الوباء الناتج عن فيروس "كورونا" طرق انتهاك حقوق العمال الوافدين وفاقمها.

إجراءات شكلية

بعيداً عن حقوق العمال الأجانب، سلّطت المنظمة الضوء على الحريات المحلية في البلاد، وقالت: إنّ قطر عدّلت قانون العقوبات لتقييد المساحة الضيقة أصلاً لحرية التعبير، من خلال وضع عقوبات لنشر "أخبار كاذبة" على الإنترنت.

وأضافت في تقريرها: "رغم إصدار قطر قراراً بإلغاء الممارسة التي تقضي بوجوب حصول المرأة القطرية على إذن وليّ أمرها للحصول على رخصة قيادة، تستمر السياسات الأخرى الناتجة عن ولاية الرجل والقوانين التمييزية ضد المرأة، بما فيها التي توجب على النساء غير المتزوجات تحت سن (25) الحصول على إذن ولي الأمر الذكر قبل السفر إلى الخارج، وما يزال يُطلب من بعض النساء اللواتي حصلن على هذا الإذن أو تجاوزن (25) عاماً الاتصال بأولياء أمرهن الذكور لتأكيد حصولهن على الموافقة قبل السفر".

وأضافت المنظمة: يمكن للرجال تقديم التماس إلى المحكمة لمنع سفر زوجاتهم. وتُلزم المرأة القطرية بالحصول على إذن ولي الأمر من أجل العمل في بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية، وتواجه النساء الملتحقات بـ"جامعة قطر" قيوداً على تنقلاتهن، ولا يمكن للمرأة أن تتزوج دون إذن ولي أمرها، بغضّ النظر عن العمر.

وتابعت "هيومن رايتس": "يميّز قانون الأحوال الشخصية القطري أيضاً ضد المرأة في الزواج، والطلاق، وحضانة الأطفال، والميراث. ويُطلب من النساء طاعة أزواجهن، ويمكن أن يفقدن الدعم المالي من أزواجهن إذا عملن أو سافرن رغم اعتراضهم".

حرية التعبير والمونديال

وعن حرية التعبير، أدخلت قطر تعديلاً على قانون العقوبات يفرض عقوبة تصل إلى السجن لمدة (5) أعوام لنشر إشاعات أو أخبار كاذبة بسوء نية. ولا يحدّد النص الجديد من يحدد ماهية الإشاعات أو الأخبار الكاذبة، أو كيف سيتخذ هذا القرار، أو المعايير التي ستستخدم للقيام بذلك، ولم ينصّ التعديل أيضاً على وجوب أن تكون المعلومات المنشورة تتسبب في ضرر حقيقي لمصلحة مشروعة.

منظمة العفو الدولية: العمال الأجانب في قطر ما يزالون يتعرّضون للاستغلال على نطاق واسع

وأعادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" فتح ملف عائلات عشيرة الغفران الذين سحبت قطر جنسياتهم بشكل تعسفي عام 1996، مؤكدة أنّها لم تلتزم بتصحيح وضعهم.

ويُحرم عديمو الجنسية من عشيرة الغفران، وفق المنظمة، من حقوقهم في العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، والزواج، وتكوين أسرة، والتملك، وحرية التنقل.

وبالعودة إلى تنظيم مونديال 2022، فإنّ قطر تواجه تحدياً يتمثل في تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية التي باتت أكثر من أيّ وقت مضى تعتبر أنّ تنظيم الأحداث الرياضية العالمية لا يجوز أن يكون أداة لتلميع صورة دول تتبنّى أنظمة حكم استبدادية.

وبهذا الصدد، كتب موقع "موركور دي.إي" البافاري في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2021 أنّ الإمارة الغنية بالغاز تسعى عبر المونديال لتلميع صورتها في العالم، وفق ما نقلته "دوتشيه فيليه"..

اقرأ أيضاً: تصفيات مونديال قطر تتحول إلى فعاليات احتجاجية... أولى عراقيل كأس العالم 2022

وقال الموقع: "تُعتبر قطر من أغنى دول العالم، في العقود القليلة الماضية تطوّر هذا البلد من دولة صحراوية إلى مركز حضري شديد اللمعان، غير أنّ ثروة البلاد التي يبلغ عدد سكانها (3) ملايين نسمة، تقتصر على القطريين فقط".

وفي السياق ذاته، قالت خبيرة الشرق الأوسط في منظمة العفو الدولية في ألمانيا كاتيا مولر فحلبوش، في تصريح للموقع: "يعتمد اقتصاد قطر، وبالتالي ازدهارها، على مليوني عامل مهاجر يعيشون هناك"، واستطردت موضحة أنّ "العمال الأجانب الوافدين يعيشون على خط عتبة الفقر، رغم أنّ الفضل يعود إليهم بشأن بريق ناطحات السحاب (...)، إنّهم يأتون من بنغلاديش ونيبال وباكستان، وغالباً ما يتمّ استدراجهم إلى قطر بوعود كاذبة".

أمّا إذاعة "دويتشلاندفونك" العمومية الألمانية، فقد تابعت في 19 من الشهر الماضي أطوار بطولة كأس العرب، وسألت في مقال نشرته على موقعها، الخبير في شؤون الشرق الأوسط كريستيان أولريتشسن من معهد بيكر في هيوستن، الذي أجاب: "إنّ المونديال يمكن أن يساعد في التقريب بين الشعوب، سيحضر الكثير من المشجعين، ومن المحتمل جداً أن يتأهل منتخبان تربط بلديهما خصومة"، مؤكداً أنّ "على قطر أن تغيّر سياستها تجاه الأجانب، لكي تبقى كرة القدم لغة السلام".

وكان منتخب ألمانيا لكرة القدم قد أعلن على لسان مدير الاتحاد الألماني لكرة القدم أوليفر بيرهوف، في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، عن لقاء مع منظمات حقوقية كـ "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" لبحث أوضاع حقوق الإنسان في قطر قبل المونديال.

وقال بيرهوف: "من المهمّ بالنسبة إليّ التعامل مع مضمون هذا الموضوع عن كثب"، مؤكداً أنّه سيكون هناك حوار مع خبراء حقوق الإنسان، واستطرد موضحاً: "قطر موضوع يهمّنا بالفعل اليوم، وسنفعل شيئاً ما بالتأكيد مع الفريق".

يُذكر أنّه مع بداية تصفيات كأس العالم في آذار (مارس) الماضي، اتّبع المنتخب الألماني نهج الدول الإسكندنافية بارتداء قمصان تحمل رسائل تدعم حقوق الإنسان، وصرّح بيرهوف بأنّ اللاعبين سيأخذون زمام المبادرة في تحديد الخطوات التالية للمشاركة في المونديال.

المنتخب الألماني يتبع نهج الدول الإسكندنافية بارتداء قمصان تحمل رسائل تدعم حقوق الإنسان، كرسالة تتعلق بالانتهاكات الحقوقية في قطر

من المبادرات المثيرة ما أقدم عليه نادي "ترومسو إي.إل" النرويجي بالتعاون مع منظمة العفو الدولية في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2021 بالترويج لـ "أوّل قميص كرة قدم في العالم برمز الاستجابة السريعة (كيو.آر.كود)" بهدف الدفاع عن حقوق الإنسان في قطر قبيل المونديال. القميص يتميز برمز الاستجابة السريعة عند مسحه ضوئياً، ما يتيح للمستخدمين نقلهم إلى موقع على الإنترنت يحتوي على معلومات حول حقوق الإنسان و"الغسيل الرياضي"، حيث تحاول بعض البلدان تلميع صورتها من خلال تنظيم الأحداث الرياضية. وقال ترومسو: إنّه كان أوّل نادٍ محترف طالب في شباط (فبراير) 2021  بمقاطعة كأس العالم في قطر احتجاجاً على ظروف العمّال الوافدين في قطر.

هذا، وكان لاعبو النرويج وهولندا وألمانيا قد احتجّوا على انتهاكات حقوق الإنسان في قطر، مؤكدين أنّ الحقوق العمّالية وانتهاكات النظام الإيراني سوف تكون حاضرة في نهائيات كأس العالم، وفق ما أوردت "فرانس برس" قبل شهرين.

الصفحة الرئيسية