ما هي مسؤولية العثمانيين عن احتلال فرنسا للجزائر؟

ما هي مسؤولية العثمانيين عن احتلال فرنسا للجزائر؟

مشاهدة

14/10/2021

أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قبل عدّة أيام حول التاريخ الاستعماري لبلاده في الجزائر، والتي انتقد فيها تمركز السلطة الجزائرية حول الماضي الاستعماري لبلاده، ووصف الجزائر بأنّها لم تكن "أمة" قبل الاحتلال الفرنسي، أزمة دبلوماسية بين البلدين.

وإلى جانب ذلك، أبدى ماكرون استياءه من نسيان الجزائريين للماضي الاستعماري العثماني لبلادهم، وقال: "أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماماً الدور الذي لعبته في الجزائر، والهيمنة التي مارستها، وأنّ الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون، وهو أمر يصدقه الجزائريون".

اقرأ أيضاً: الخلاف الفرنسي الجزائري... لماذا انفجر البركان الآن؟

وبغضّ النظر عمّا يبدو من نبرة هجومية في سؤال ماكرون: "هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟"، فهو سؤال مهمّ، ومن المؤكد أنّه طُرح من قبل مؤرخين جزائريين، فضلاً عن أنّ مثل هذا السؤال لا يعيب الجزائر في شيء، فهو سؤال حداثي بامتياز، مرتبط بفكرة "الدولة القومية"، والتي نشأت حديثاً في المنطقة العربية ككلّ، وفي أوروبا من قبلها بوقت ليس ببعيد.

رسومات عن الاستعمار الفرنسي للجزائر

وأهمّ ما طرحه ماكرون هو تغييب الماضي الاستعماري العثماني للجزائر عن الذاكرة الجمعية، والتركيز على الاستعمار الفرنسي، ولا لوم أو نقد لما تحمله الذاكرة الوطنية الجزائرية من مآسي فرنسية، ولكن تطرح الصورة الذهنية عن الحضور الإيجابي للفترة العثمانية في الجزائر (1519 - 1830) تساؤلاً مهماً، حول كيفية تكوّنها، في الوقت الذي يعلم أقل المُطلعين على التاريخ مآسي الحكم العثماني في البلاد العربية والأوروبية، ودوره في التخلف الذي عاشته المنطقة، والإجابة عن هذا السؤال الحسّاس تتطلب الرجوع إلى الكتابات التاريخية في الجزائر إبان العهد العثماني، وكتابات المؤرخين الجزائريين في مرحلة ما بعد الاستقلال.

كيف دخل العثمانيون الجزائر؟

عاشت دول المغرب العربي لعقود طويلة فترة اضطرابات سياسية قبيل الوجود العثماني، بعد الضعف الذي اعترى دولة الحفصيين في تونس، والهزائم المتتالية للمسلمين والعرب في الأندلس، وتعرضت خلالها لهجمات متعددة من فرسان مالطا والإسبان والبرتغاليين، واحتلّ الإسبان مناطق في الجزائر وليبيا، ولم تكن في دولة الجزائر الحديثة سلطة واحدة، بل حكم ذاتي وقبائلي متعدد للمدن ومناطق القبائل، ولهذا وجدت بعض المناطق والقبائل مصالحها مع الإسبان، ومدن أخرى مثل الجزائر وجدت مصالحها في التحالف مع قراصنة البحر المتوسط المسلمين، والذين كانوا السبب في دخول العثمانيين البلاد.

تشكّلت الصورة "الطيبة" للعثمانيين في الوعي العربي بسبب المؤلفات في التاريخ العثماني، لكتّاب منتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الدينية

ولم يكن التوسع غرب مصر في شمال أفريقيا هدفاً عثمانياً، فلم تكن مناطق مهمّة لهم من ناحية، إلى جانب أنّها بعيدة عن السلطة العثمانية في إسطنبول، ومجهولة بالنسبة إليهم، ولهذا حتى بعد خضوع ليبيا وتونس والجزائر للسلطة العثمانية ظلت معظم الوقت تتمتع بحكم مستقل إلى حدّ كبير، دون دفع ضرائب إلى الخزينة المركزية في إسطنبول، على عكس مصر التي كانت ضريبتها لإسطنبول فائقة الأهمية.

عام 1518، خضعت مدينة الجزائر وبعض مناطق دولة الجزائر اسمياً للسلطة العثمانية، بعد إرسال حاكم مدينة الجزائر، القرصان من أصول يونانية، خير الدين بربوس، وفداً إلى إسطنبول لتقديم الولاء وطلب الحماية من السلطان العثماني، فمدّه السلطان بسفن وبعدة آلاف من الانكشاريين، ونجح خير الدين في طرد الإسبان من حصنهم المشهور "بينون" المقابل لمدينة الجزائر، وطرد دايات (حكام) الجزائر الأتراك الإسبان من آخر معاقلهم في مدينة وهران، عام 1792.

...

أما عن دخول القراصنة، بقيادة الأخوين عروج وخير الدين بربروس مدينة الجزائر، فيعود إلى عام 1516 حين طلب حاكم المدينة الزعيم القبلي، سالم التوني معاونتهم في طرد الإسبان من المدينة، وبالفعل استجابوا له، وساعدوه، لكن بعد ذلك قتل عروج التومي غدراً، وثار أهل الجزائر ضد الأتراك، فهربوا من المدينة، ولقي عروج حتفه، وعاد أخوه خير الدين بدعم من العثمانيين، فانسحب الإسبان إلى قلعة بينون، حتى طردهم عام 1528.

المؤرّخ صالح عباد الداي لم يترك الخزينة سالمة فحسب للفرنسيين، بل سلّم البلاد بكاملها مقابل تأمين حياته وحياة حاشيته وحياة الانكشارية

وتمثّلت أهمية شواطئ الجزائر وتونس في اتخاذها قواعد خلفية لأعمال القرصنة الإسلامية ضدّ الأوروبيين، ولهذا عقد عروج بربروس اتفاقية مع سلطان الحفصيين قبل دخوله الجزائر، مقابل حصة من غنائم القرصنة، لكن إزاء خطر الانتقام الإسباني تخلى الحفصيون عن الاتفاقية، وقطعوا علاقاتهم مع بربروس، فاستبدلهم بالشواطئ الجزائرية، وبغضّ النظر عن كيفية دخول العثمانيين البلاد، فيبقى المحكّ هو طريقة إدارتهم للدولة، حتى عام 1830، حين استسلم آخر الحكام الأتراك للفرنسيين.

دايات الجزائر

حاز حكام الجزائر الأوائل على مكانة عظيمة لدى سلاطين إسطنبول، بسبب مهاراتهم البحرية التي جعلتهم على رأس أساطيل العثمانيين في الحروب ضدّ الأوروبيين، لكن بعد ذلك صار حكام الجزائر عبئاً على السلطنة، لعدم تقيدهم بالمعاهدات التي تعقدها مع الأوروبيين، كون القرصنة كانت المورد الأساسي لخزينة الجزائر، ومع التطور في البحرية الغربية أصابت القرصنة ضعف شديد، ما جعل الأتراك يعوضون النقص المالي بزيادة الضرائب على الريف، وهو ما أدّى إلى ثورات قبلية ودينية قادها رجال الدين الصوفية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن "الحركيين الجزائريين"؟ ولماذا اعتذر لهم ماكرون باسم فرنسا؟

وقسّم الحكام الأتراك البلاد إلى أربعة مناطق، عُرفت كلّ منها باسم بايلك، هي: بايلك الشرق وعاصمته قسنطينة، الأكبر والأكثر ثراءً، وبايلك الغرب وعاصمته معسكر ثم وهران، وبايلك التيطري وعاصمته المدية، وبايلك دار السلطان وعاصمته مدينة الجزائر.

ولم يكن سلطان إسطنبول يعين الدايات مباشرة، بل يعتمد تعيين من يختاره الإنكشارية، وهؤلاء لم يكونوا يصلون من الجيش العثماني بانتظام، بل كان الدايات يقومون بتجنيدهم من منطقة الأناضول، بشكل دوري، و يتوارثون الحكم بينهم، وبسبب ذلك شهدت البلاد صراعات دموية شبه دائمة على السلطة.

وقسّم الأتراك القبائل في الجزائر إلى ثلاثة أصناف؛ قبائل المخزن والمتحالفة، ولم تكن تدفع ضرائب لكنّها تساعد الأتراك عسكرياً، وتشارك في الحملات ضدّ القبائل الأخرى الخارجة عن سلطتهم.

اقرأ أيضاً: الجزائر: ماذا تبقى من التاريخ النضالي لجبهة التحرير؟

 والقبائل الرعوية التي تزرع الأراضي التي امتلكتها السلطة التركية والولاة وتدفع الضرائب وتقوم بأعمال السخرة. والقبائل الممتنعة، وهي غير خاضعة للسلطة، واقتصرت علاقتهم بالأتراك على دفع الضرائب قسراً، بعد تجريد حملات (محلات) عليهم، مرتين في العام في فصلي الخريف والربيع.

شهادات جزائرية

وفي دراسة العهد العثماني في الجزائر تجب التفرقة بين الحكم التركي في المدن والريف؛ فالأولى استفادت من نشاط القرصنة، وشاركت فيه، وكانت المدن مركزاً لأقلية جزائرية وأخرى تركية، إلى جانب المهاجرين الأندلسيين وأقلية يهودية، ولم تكن ذات حجم سكاني كبير، بينما تركز معظم الجزائريين في الريف، وبلغت نسبتهم 95% بحسب المؤرخ الجزائري صالح عباد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي".

اقرأ أيضاً: القضاء الجزائري يسند إلى نبيل القروي وشقيقه هذه التهم

ويقول عباد في كتابه: "القبائل الرعوية خضعت للسخرة، وسددت رسوماً مالية، مثل الضيفة والعلفة، فضلاً عن الغرامات الثابتة التي كانت تقدم إلى الباي أو المحافظ، التي عرفت بـ "ضيفة الباي" و"ضيفة الدنوش"، وكان المحافظ يدفع منها لهدايا الداي أو الوالي العثماني"، وكان الأتراك في حرب دائمة مع القبائل الممتنعة، وجردوا عليهم حملتين كلّ عام لجمع الضرائب، أو بمعنى أدق للنهب؛ إذ كانت هذه القبائل تسكن المناطق الوعرة والجبال، فكان هدف الأتراك نهب هذه القبائل.

غلاف الكتاب

ويصف المؤرخ عباد المحلات بقوله: "المحال العثمانية كانت دليلا على وحشية الاحتلال وظلمه للجزائريين، وكانت من أبشع أساليب الحكم التي طبقها الأتراك، حتى أنّ كلمة المحلة تعني الزحف الهمجي حتى اليوم في الجزائر".

ومن الشهادات القليلة، ما دوّنه المؤرخ صالح بن محمد العنتري (1790 - 1870)، في كتابيه: "تاريخ قسنطينة"، و"مجاعات قسنطينة": "لما ملك الترك قسنطينة بقوا أهل البلاد في أشد ما يكون من الجوع والشر سبعة أعوام"، وفي موضع آخر كتب: "لما تمكنوا صاروا يظلمون الناس ويسفكون دماءهم ويأخذون أموالهم بغير حقّ، ويعدون ولا يوفون، ويؤَمنون ويغدرون، ولم يزل ظلمهم يزداد حتى تم وجاوز الحد في ولاية حاج أحمد باي قسنطينة الذي اشتهر بالغدر".

وعن وضع الزراعة كتب العنتري: "لا تجد في ذلك الزمان ولا في الذي قبله وبعده من يهتم بأمر الزرع أبداً، فقد كانت الحراثة زمن الترك ضعيفة، ولم يرغب الناس فيها".

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ الأزمة بين الجزائر والمغرب؟ وما مآلاتها؟

وسجل المؤرخون الجزائريون الأوضاع المعيشية السيئة وانتشار المجاعات التي عانى منها الريف في الجزائر، ما تسبب في نقص حاد في عدد السكان، وشهدت البلاد موجات متتالية من الطاعون، بينما لم يقدم الأتراك أيّة خدمات عامة للبلاد، واقتصر دورهم على الحكم وجباية الضرائب.

وكتب المؤرخ العنتري عن مجاعة عام 1804 في قسنطينة ما يلي: "لم يبلغ عنه (باي المدينة) أنّه فتح مخازن البايلك مثلاً، وتصدّق منها على الضعفاء بشيء من الحبوب أو عاملهم بسلف من مال الخزينة يستعينون به على ما أصابهم"، أما حال الناس فكان كارثياً: "أنزل الله القحط على العباد، وصاروا يأكلون لحوم بعضهم من شدة الجوع وانقطع الطعام واستمر ذلك سنة كاملة".

ثورات لا تخمد

وتدل الثورات المتعددة والكبيرة التي شهدتها البلاد ضدّ الحكم التركي على الرفض الشعبي للأتراك، لكن لا تحفظ الذاكرة الوطنية ذلك بسبب العهد المرير للاستعمار الفرنسي، والتغيرات الديموغرافية وطبيعة التعليم التي ركزت على وصم الفرنسيين، مقابل التسامح مع العهد التركي.

ومن أوائل الثورات المسجلة، ثورة مدينة الجزائر، عام 1518، وثورات في مدينة بجاية، وثورة قبائل السويد في إمارة تنس، وغيرها في أوائل العهد العثماني، وثورة قبائل بوطريق عام 1544، بسبب الضرائب القاسية، وامتدت إلى نواحي مليانة والجزائر.

جنود فرنسيون في الجزائر قبل الاستقلال

وعام 1627، اندلعت ثورة حملت اسم ثورة "ابن الصخري" شرق الجزائر، واستطاعت أن تهزّ أركان النظام العثماني، وكادت تطيح به بفضل امتدادها من المنطقة الواقعة بين الزاب وحدود تونس إلى حدود دار السلطان، واستمرت فترة طويلة نجحت خلالها في إسقاط العديد من الباشوات، ودخلت بسببها قسنطينة في الفوضى. وعام 1784 اندلعت ثورة بقيادة شيوخ الطريقة "التيجانية" الصوفية.

تدلّ الثورات المتعددة والكبيرة التي شهدتها البلاد ضدّ الحكم التركي على الرفض الشعبي للأتراك، لكن لا تحفظ الذاكرة الوطنية ذلك بسبب العهد المرير للاستعمار الفرنسي.

وشهد أواخر الحكم العثماني ثورات واضطرابات كبيرة، بسبب تناقض عوائد القرصنة وزيادة اعتماد الدايات على الضرائب، وشهد عام 1804 ثورتين كبيرتين؛ ثورة سي محمد بن عبد الله الشريف بن الأحرش، المعروف بـ "البودالي"، شرق البلاد، وثورة الشيخ عبد القادر بن الشريف، المعروف بـ "ابن الشريف الدرقاوي"، والمنتمي إلى الطريقة الصوفية الدرقاوية، غرب البلاد.

مسؤولية الأتراك عن الاحتلال الفرنسي

وفضلاً عن ذلك؛ تخاذل الأتراك في حماية الجزائر من الخطر الفرنسي، ولم تتحرك الدولة العثمانية لنجدة البلاد، والحقيقة أنّه لم يكن بمقدورها ذلك، لكنّها تتحمّل المسؤولية بصفتها حاكم البلاد.

وكتب المؤرخ صالح عباد عن آخر الحكام الترك، الداي حسين باشا، الذي سلم البلاد للفرنسيين: "الداي لم يترك الخزينة سالمة فحسب للفرنسيين، بل سلم البلاد بكاملها مقابل تأمين حياته وحياة حاشيته وحياة الانكشارية، فرحل تاركاً رعيته تقاوم الاحتلال دون مال أو سلاح"، وعلى المنوال نفسه فعل حكّام المناطق، الذين يعرفون بـ "البايات".

ولم يقتصر الأتراك على ذلك، بل تعاونت فئة الكراغلة، وهم من آباء أتراك وأمهات جزائريات، وكانوا أكثر عدداً من الأتراك، مع الفرنسيين ضدّ المقاومة الوطنية بقيادة الأمير عبد القادر.

اقرأ أيضاً: توقيف رئيس حزب "قلب تونس" حليف الإخوان بعد فراره إلى الجزائر

وفي عهد الثورة الجزائرية ضدّ الفرنسيين، وقفت تركيا في صفّ فرنسا في المحافل الدولية، في عهد رئيس الوزراء عدنان مندريس (1950 - 1960)، على الرغم مما تحاول تركيا ترويجه من تقديم دعم عسكري للثوار الجزائريين عبر ليبيا.

ورغم ذلك يظنّ معظم الجزائريين أنّ العثمانيين حموا بلادهم من الإسبان، وهو أمر صحيح جزئياً، لكنّه لم يكن هدفاً عثمانياً لذاته، بل جاء استجابة لمصالح سياسية، وفي نهاية الأمر وقعت البلاد تحت استعمار أشدّ سوءاً من الخطر الأسباني، ويعدّ العثمانيون مسؤولين بشكل كبير عنه، فقد كانوا حكام البلاد.

وتشكّلت الصورة الطيبة للعثمانيين في الوعي العربي بسبب المؤلفات في التاريخ العثماني، لكتّاب منتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الدينية، والتي أعلت شأن العثمانيين وخلقت صورة مثالية عن حكمهم للمنطقة العربية، كرد فعل على الاستعمار الغربي، ومع صعود الإسلام السياسي في تركيا وتولّي أردوغان السلطة زادت الدعاية الإعلامية عبر وسائل الإعلام التركية والعربية التي تدور في فلكها لصالح العثمانيين، ضمن مشروع العثمانيين الجدد، وإلى جانب ذلك، أدّت ندرة المنهجية في الدراسات التاريخية في المنطقة إلى سيطرة الأيديولوجية في تناوله، خصوصاً أيديولوجية الإسلام السياسي.



الصفحة الرئيسية