ماذا قال حسن البنا لوزير الداخلية المصري قبل حلّ "الجماعة"؟

ماذا قال حسن البنا لوزير الداخلية المصري قبل حلّ "الجماعة"؟

مشاهدة

19/01/2022

لم يطّلع باحثون كثيرون على محاضر تحريات المباحث العامة المصرية، أو تقارير البعثات  الدبلوماسية، التي كانت تعجّ بها مصر، في الفترة من بداية الثلاثينيات وحتى مطلع الخمسينيات، عن شخصية حسن البنا والإخوان المسلمين، على ما لهذا الأمر من أهمية في تكوين صورة أكثر وضوحاً عن حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، وما يزال التاريخ قادراً على أن يزيل كثيراً من الغموض عن طبيعة تلك الشخصية المثيرة للجدل، خصوصاً بعد أن نجح الإخوان عبر سنوات في بناء صورة ذهنية إيجابية عن الرجل، صنعت منه أسطورة تسعى على قدمين حتى أسماه أحد مرشدي الإخوان، وهو عمر التلمساني، الملهم الموهوب، لكن من بين الكتابات المهمة التي تحدّثت عن الرجل ما تضمنته مذكرات رجل الأمن مرتضى المراغي الذي كان مديراً للأمن العام، وهو منصب بالغ الخطورة، ثم وكيلاً لوزارة الداخلية.

اقرأ أيضاً: انهيار الإخوان.. تصدع جديد بسبب "حسن البنا"

 وفي عام 1950، ازدادت شهرته عندما أصبح محافظاً للإسكندرية، ثم وزيراً للداخلية، يوم 27 كانون الثاني (يناير) 1952، ورغم تغيّر الوزارات في الشهور التالية، على خلفية اشتعال الموقف بين الملك وحزب الوفد ومعركة تكسير العظام بينهما، فقد بقي وزيراً للداخلية، بل وجمع معها وزارة الحربية، ومن هنا كانت أهميته باعتباره الوزير الذي يعرف كثيراً عن فرقاء الساحة الداخلية المصرية، وقد كان آخر وزير داخلية قبل أن يقع انقلاب 23 تموز (يوليو) 1952.

الرجل أيضاً كان نجل الشيخ محمد مصطفى المراغي، أحد أبرز من تولوا مشيخة الأزهر، وأحد من كان يرعون الملك فاروق ويتوسمون فيه الخير في بداية توليه العرش، وقد جمع مرتضى المراغي بين خبرات وقدرات رجل الأمن وأخلاق ابن شيخ الأزهر، وهو ما بدا واضحاً في لغة كتابه الذي سجل فيه شهادته حول شخصية حسن البنا، والذي جعل عنوانه "مذكرات مرتضى المراغي – شاهد على حكم فاروق".

شهادة كاشفة

يسجّل المراغي، في كتابه المشار إليه، شهادته عن لقاء جمعه بحسن البنا، يبدو كاشفاً لجانب مهم من شخصيته، يقول: "... وفي يوم جمعة، في شتاء عام 1947، وكنت مديراً للأمن العام تأهّبت للخروج لأتمشّى في الصحراء التي تفصل حلوان عن المنيل، وعند الباب رأيت شخصاً واقفاً تقدّم إليّ يحييني فسألته من هو، فقال إنّه يحمل إليّ رسالة من الشيخ حسن البنا وسلمني إياها، فتحتها فوجدت أنّ الأستاذ قد حضر إلى حلوان ليلقي خطاباً في حفل تقيمه جماعة الإخوان، وأنّه علم بوجودي ويريد مقابلتي الساعة الخامسة ظهراً إذا رأيت ذلك مناسباً وإلا فلنحدد موعداً آخر للقاء، أخبرت الرسول بأني في انتظار الشيخ الساعة الخامسة "كان قد سبق لحسن البنا اللقاء بالمراغي كما يحكي عندما ذهب ليتوسط لأخيه الضابط عبد الباسط في رفع عقوبة وقد أجابه المراغي وجامله وقتها".

النقراشي لوزير الداخلية: هل تريد أن نقرّ الإرهاب ونعترف بشرعية الإخوان. وهل تسمح لهذه الجماعة بأن تتمادى إلى حدّ قتل القضاة؟ لا بدّ لي من حلّ الجماعة

يواصل المراغي شهادته عن الشخصية في أجواء مهمة وحرجة؛ ففي تلك الفترة كانت الحكومة تعدّ العدة لحلّ تنظيم الإخوان، بعدما تأكدت من نواياه الإجرامية وجمعه للسلاح بكثافة، يقول: "وفي الساعة الخامسة حضر الأستاذ البنا وكان ذا لحية لا هي طويلة ولا هي قصيرة، خفيف الخطى، سريع الحركة والكلام، آية في الذكاء، يركّز عينيه اللامعتين على محدثه ثم يخفض وجهه ثم يعود للتحديق، .... وبعد شرب القهوة وتبادل التحية قال: "اعذرني إذا قطعت عليك عطلتك، لكني وددت أن أختلي بك بعيداً عن مكتبك، لأنّ عندي أشياء أودّ أن أقولها وأود منك الإصغاء إليها، قلت: تفضّل ومرحباً بك، قال: عندي رسالة شفوية أرجو أن توصلها إلى القصر، لأني أعلم أنك الوحيد الذي ستنقلها بأمانة؛ لقد كنت صديقاً للمرحوم والدك، وقصدتك شخصياً في موضوع وأجبت رجائي فارتحت إليك كما كنت أرتاح لوالدك.

قلت: وما الرسالة؟ قال: إنّ رئيس الحكومة يريد حلّ جماعة الإخوان المسلمين، وهذا قرار بالغ الخطورة، وقد تكون له مغبة وعواقب وخيمة أخشى منها كثيراً؛ إذ لا بدّ أن يقع بيننا وبين الحكومة اصطدام عنيف، ولا شكّ في أنّك تدرك ذلك بوصفك مديراً للأمن العام، ونحن الإخوان نشعر بأنّ رئيس الحكومة (النقراشي باشا) قد جرّ الملك فاروق إلى خصومتنا، بما أرسله إليه من تقارير وضعها له عبد الرحمن عمار، وكيل الداخلية، تتضمن أننا نريد قتل الملك وننبذ تصرفاته.

اقرأ أيضاً: حسن البنا والأدلجة السياسية للإسلام في القرن العشرين

فردّ عليه مرتضى المراغي بالقول: "يا أستاذ حسن، هل تأذن لي في أن أدبّر لك مقابلة مع النقراشي باشا، لعلك تستطيع فيها بلباقتك وحكمتك أن تصفّي الجو بينه وبينكم؟

"لا أمل في الوفاق"

قال الشيخ، يقصد البنا، وهو يرفع يديه: لا أمل في الوفاق معه، إني أعرف طباعه، إنّه عنيد وإذا ركب رأسه فلن يلوي على شيء، ثم إننا نستطيع أن نصبر على رئيس الحكومة لأنه قد يترك منصبه في أيّ وقت، أما الملك فهو باقٍ، أرجوك أن تحمل إليه هذه الرسالة، إنّ الإخوان المسلمين لا يريدون به شرّاً، قل له إننا لا ننبذ تصرفاته، إنه يذهب إلى نادي السيارات للعب الورق فليذهب، وإلى النوادي الليلية ليسهر فليسهر فلسنا قوامين عليه، وضحك قائلاً: "وعلى كل حال نأمل أن يهديه الله".

الحوار السابق يكشف عن شخصية ماكرة تتلاعب بالجميع لبلوغ أهدافها، لا يحركها منطق أخلاقي أو مبدئي، كما يشيع في خطابه الدعوى، بل هو يدّخر لكلّ موقف الخطاب المناسب له، فالخطاب الأخلاقي للأتباع والبسطاء بينما الخطاب السياسي المهادن والبراجماتية للسلطة، سواء تمثلت في الملك أو الحكومة او أجهزة الأمن.

يواصل المراغي شهادته راسماً صورة بالغة الدقة للرجل يقول: "سكت ملياً ثم نظرت إلى الأستاذ فوجدته يحدّق بي بنظرة نفّاذة ليعرف تأثير كلامه، قلت: يا أستاذ حسن، إنّ رسالتك خطيرة وسأبلغها إلى الملك، وسأبلغ رأيك في حلّ الإخوان وخطورة عاقبته إلى النقراشي.

اقرأ أيضاً: كيف فصل حسن البنا جماعته عن عموم المسلمين؟

هزّ الأستاذ رأسه وقال: إني أعرف أنه عنيد وسينفذ رأيه، ولكني رجوت أن تخبر الملك لعلّه يقنعه بالعدول عن تلك الجريمة النكراء، وقدحت عيناه شرراً وقال: نعم إنها جريمة نكراء، يريد النقراشي ارتكابها، هل يظن أننا لعبة في يده يستطيع تحطيمها بسهولة؟

وانقلب الشيخ الوديع نمراً هائجاً، لكنّه عاد إلى طبيعته الهادئة حينما رآني أنظر إليه وضحك قائلاً: "لا تؤاخذني إذا نسيت نفسي".

البنا مخاطباً وزير الداخلية المصري: لا أمل في الوفاق مع النقراشي، أعرف طباعه، فهو عنيد وسينفذ رأيه، أرجو  أن تخبر الملك لعلّه يقنعه بالعدول عن تلك الجريمة النكراء

تلخص الكلمات الأخيرة التركيبة النفسية لكلّ الإخوان، الذين يتحلون بـ"التمسكن" حال الضعف بينما يعلو صوتهم ويلوحون بالعنف حال التمكن، وهو ما بدا واضحاً في تلك الشهادة التي يكملها الرجل، الذي ذهب إلى النقراشي ليبلغه بكل ما جرى بينهما، حيث أكّد النقراشي أنّه لم يكن ينبغي أن يقابله، ليؤكّد عبد الرحمن عمار، وكيل الداخلية في اللقاء، قائلاً: "على كلّ حال، المسألة منتهية، يا دولة الرئيس، فقد انتهيت من وضع قرار حلّ الإخوان المسلمين وسأعرضه غداً على دولتكم لتوقيعه"، يقول المراغي: "هالني الأمر، فقلت أرجو، يا دولة الرئيس، أن تقدّر خطورة الأمر، وأن تتمهل في إصدار القرار، إن الإخوان المسلمين يشكّلون منظمات وخلايا سرّية لا علم لوزارة الداخلية حتى الآن بأسماء أعضائها، وقد يكون بعضهم داخل الوزارة ومن حراس الأمن، وأنا أعلم أنّ كثيرين من ضباط الجيش هم من جماعة الإخوان.

النقراشي: رصاصة أو رصاصتان في صدري

قال النقراشي: هل تريد أن نقرّ الإرهاب وتريد أن تعترف بشرعيتهم لأنّه حكم على بعضهم بالسجن؛ فهل تسمح لهذه الجماعة بأن تتمادى إلى حدّ قتل القضاة؟ لا بدّ لي من حلّ هذه الجماعة، ثم ضحك وقال: إني أعرف ديّتها إنّها رصاصة أو رصاصتان في صدري".

وقد صدقت نبوءة الرجل الوطني الشريف الذى لم يخشَ الجماعة، ولم يهادن على مستقبل بلده وتحمّل المسؤولية بشجاعة ولم يرهب الرصاص.

لكنّ اللافت في شهادة المراغي عن حادث الاغتيال الذي نفذته عناصر الإخوان في مبنى وزارة الداخلية أنّه يقول: "وكانت الوزارة من الخارج والداخل محروسة بما لا يقل عن مئتي شرطي، مسلحين جميعاً بالبنادق الأوتوماتيكية، والغريب أنّ أحداً من الذين كانوا في بهو الوزارة وأمام المصعد، لم يحاول أن يطلق على الجاني طلقة واحدة أو يحاول إمساكه".

اقرأ أيضاً: رسائل حسن البنا... بين إقرار العنف وممارسته

سجل الرجل، بطبيعة الحال، جرائم الإخوان بحقّ الدولة المصرية، لكن تبقى أهمية شهادته في أنّه أجلى جانباً مهماً في شخصية البنا، وهي شخصية زعيم عصابة إجرامية تعيث في الأرض فساداً، وتتعاظم قوتها إلى حدّ اغتيال رئيس الحكومة في قلب وزارة الداخلية بهذا الشكل. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية