لماذا يعتبر ميقاتي رئيساً لحكومة الوساطة الإيرانية الفرنسية؟

لماذا يعتبر ميقاتي رئيساً لحكومة الوساطة الإيرانية الفرنسية؟

مشاهدة

16/09/2021

ولادة عسيرة لحكومة نجيب ميقاتي، ومولود أقلّ ما يراه المتفائلون مشوّهاً، وآمال بأن يبقى على قيد الحياة حتى موعد الانتخابات النيابية، وأن يعيد للشعب اللبناني أبسط حقوقه في الغذاء والدواء والطاقة.

حكومة يراها غير المخدوعين على أنّها تنفيس بخار غليان الشعب، وخلافات القوى السياسية إلى حين تغير معادلة الواقع الإقليمي الدولي، بعد أن بان للجميع أنّها حكومة الوساطة الإيرانية الفرنسية، التي حافظت على مكانة حزب الله، ومنعت الأوضاع من الانفجار، لكنّ مثل هذه الحكومة من غير المرجح أن تضع يديها على مكامن الأمراض في جسد الدولة؛ فليس فيها خبراء مؤهلون للتشخيص، أو شخصيات قادرة أو راغبة في العلاج، فضلاً عن أنّ مأساة تحكم صنّاع الأزمة ما تزال مستمرة.

حكومة المحاصصة

بعد 13 شهراً على استقالة حكومة حسان دياب، و45 يوماً على تكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة، جاءت الانفراجة المنتظرة بالإعلان عن تشكيلة الحكومة اللبنانية، مساء العاشر من شهر أيلول (سبتمبر) الجاري، بتوقيع رئيس الجمهورية، ميشيل عون، ورئيس الوزراء المكلف، نجيب ميقاتي، على مرسوم تشكيل الحكومة، بحضور رئيس البرلمان، نبيه بري، وتتكون من 24 وزيراً، بينهم امرأة واحدة.

عون وبري ضمن الصورة التذكارية لحكومة ميقاتي

ولا علاقة للحكومة الجيدة بالمبادرة الفرنسية؛ فهي حكومة محاصصة سياسية، تمّ التوافق عليها بتدخل فرنسي إيراني، وتوزعت حصص القوى السياسية فيها كالتالي؛ ستة وزراء من حصة الرئيس عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهم؛ وزراء الخارجية والعدل والدفاع والشؤون الاجتماعية والسياحة والطاقة والمياه.

وحصل رئيس الحكومة على حصة من أربعة وزراء، هم؛ الداخلية والاقتصاد والصحة والبيئة، إضافة إلى وزيرَين بالتوافق مع ميشيل عون، هما وزيرا الشباب والرياضة والتنمية الإدارية.

اتفاق بين المراقبين على أنّ انفراجة التشكيل جاءت بوساطة فرنسية إيرانية، مارس إثرها حزب الله ضغوطاً كبيرة على فريق عون - باسيل، ضمن سياق دولي أوسع

وحصل الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) على خمسة وزراء؛ ثلاثة من حركة أمل، هم: وزراء المال والزراعة والثقافة، إضافة إلى وزيرَين لحزب الله، هما: وزيرا الأشغال والعمل.

ولم يشارك حزب الكتائب وحزب القوات في تسمية ميقاتي وحكومته، وحصل تيار المردة، بزعامة سليمان فرنجية، على وزارتَي الإعلام والاتصالات، ونال الدروز حقيبتَين هما؛ التربية من حصة الحزب التقدمي الاشتراكي، وشؤون المهجرين من حصة الحزب الديمقراطي اللبناني، ومُنح الحزب السوري القومي الاجتماعي منصب نائب رئيس الوزراء، ونال حزب الطاشناق الأرمني حقيبة الصناعة.

وتعليقاً على التشكيلة، يقول الكاتب والباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن؛ حصل عون - باسيل على حصة الأسد من الحقائب المهمة، إلى جانب وزارة الشؤون الاجتماعية المهمة انتخابياً، واستمرت هيمنة التيار الوطني على وزارة الطاقة والمياه.

الثلث المعطل

واختلفت التحليلات اللبنانية حول حصول فريق عون - باسيل على الثلث المعطل داخل الحكومة، فظاهرياً لا يوجد ثلث معطل، ويقول نائب رئيس تيار المستقبل، مصطفى علوش؛ المؤشرات تشي بأنّ هناك وزراء عندهم انتماءات متعددة أو صداقات متعددة، وهو المعتاد في السياسية، التي تزخر بكثير من المتاجرة والمصالح الشخصية، ولهذا فكثير من المعطيات تشي بأنّ هناك ثلثاً معطلاً لرئيس الجمهورية وفريقه السياسي من خلال الصداقات المزدوجة داخل الحكومة، لكن لن يظهر هذا إلا في القرارات الحاسمة، أولها موضوع الكهرباء.

صورة تجمع الرؤساء الثلاثة؛ ميقاتي وعون وبري

ومن جانب آخر، يقول الباحث عبد الرحمن، لـ "حفريات"؛ برأيي ليس هناك ثلث معطل في الحكومة، وفريق عون - باسيل هو من ينشر دعاية أنّه حصل على ما يريد، كي يرفع من معنويات جمهوره الذي لا يملك تبريراً أمامه للضغط الذي مارسه عليه حزب الله، وأجبره على السير في التسوية الحكومية التهدوية، أقلّه حتى الانتخابات النيابية، في أيار (مايو) 2022.

اقرأ أيضاً: الفشل يتهدد ميقاتي.. هل تشكيل الحكومة اللبنانية مهمة مستحيلة؟

ويعلل القائلون بحصول فريق عون - باسيل على الثلث المعطل، بما تحقق عبر جمع وزيرَي الطاشناق والحزب الديمقراطي اللبناني، طلال أرسلان، حلفاء رئيس الجمهورية، ليصبح العدد ثمانية وزراء، إلى جانب وزير الشباب والرياضة كوزير ملك، لتصبح الحصة 8 + 1، وبهذا يكون الثلث المعطل، الذي بيده تعطيل عمل الحكومة، ولا يوافق عبد الرحمن على هذا التحليل، ويوضح؛ وزيرا الطاشناق وأرسلان من ضمن حصة عون الوزارية والنيابية، أما وزير الشباب والرياضة فعلاقته الجيدة بنبيه بري خصم ميشيل عون تدحض ادعاءات فريق عون - باسيل التي تقول إنّه الوزير الملك للثلث المعطل، والبعض يتحدث عن وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، نجلا الرياشي، لكن سبق لعون أن رفض زوجها للتوزير، كما أنّها مزكاة من الفرنسيين.

دور فرنسي - إيراني

ولا خلاف بين المراقبين على أنّ انفراجة التشكيل جاءت بوساطة فرنسية إيرانية، مارس إثرها حزب الله ضغوطاً كبيرة على فريق عون - باسيل، ضمن سياق دولي أوسع، بعد أن بدأت واشنطن في تغيير موقفها جزئياً نحو لبنان، ودعم الدور الفرنسي، وهو ما ينفي الحديث داخل تيار العونيين عن الإفراج عن الحكومة بعد تحقيق أهدافهم، وعلى رأسها الحفاظ على مكانة قوية لرئاسة الجمهورية؛ إذ لا يستقيم أن يخضع رئيس الجمهورية لضغوط من حزب يحمل سلاحاً غير شرعي، ويعود للحديث عن الاستقلال والسيادة، ويعلم الجميع أنّ مسألة مكانة رئاسة الجمهورية لم تظهر إلا لمناكفة سعد الحريري من زاوية طائفية، وانتقاصاً من مكانة رئاسة الوزراء.

نائب رئيس تيار المستقبل، د. مصطفى علوش

وفي حديثه لـ "حفريات"، قال نائب رئيس تيار المستقبل؛ لا شكّ في أن هناك إيحاء دائماً من قبل عون - باسيل بأنهما منتصران، حتى ولو كانا غير ذلك، وربما فتح الأبواب من جديد بين المجتمع الدولي (باريس - واشنطن) وميشيل عون، إلى جانب التسويات التي حصل بموجبها الذهاب إلى سوريا، وهذه مؤشرات على حصول باسيل على بعض المكاسب، ما أدّى للإفراج عن الحكومة.

الباحث عاصم عبد الرحمن لـ "حفريات": حصل فريق عون - باسيل على حصة الأسد من الحقائب المهمة، إلى جانب وزارة الشؤون الاجتماعية، المهمة انتخابياً

ويرى الباحث عبد الرحمن؛ أنّ وراء الإفراج عن تشكيلة الحكومة ضوءاً أخضر أمريكياً في الدرجة الأولى، والذي تمثل بإعفاء لبنان من عقوبات قانون قيصر لناحية التواصل مع سوريا، بهدف إتمام صفقة الغاز المصري وإمداد الكهرباء من الأردن عبر الأراضي السورية، وما تبعه من سماح واشنطن بزيارة وفد وزاري لبناني سياسي وتقني إلى دمشق، وهو ما يرتبط بمؤشرات عن توجه أمريكي لإسقاط قانون قيصر عن سوريا، إلى جانب رغبة واشنطن في خلق متنفس للبنان ريثما يصبح ملفه جاهزاً على طاولة التسوية الكبرى المرتقبة، خوفاً من سقوط لبنان في فوضى تجعله مرتعاً لتنظيمات إرهابية تستهدف إسرائيل.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أجرى اتصالاً بنظيره الإيراني، إبراهيم رئيسي، في الخامس من الشهر الجاري، وتناول الاتصال عدداً من المواضع، من بينها: ملف تشكيل الحكومة اللبنانية، وخلال الاتصال أكد رئيسي على دعم تشكيل الحكومة، وفي تصريح كاشف لهيمنة حزب الله على فريق عون - باسيل، ودوره اللاحق في الإفراج عن تشكيل الحكومة، أشار رئيسي إلى أنّ "بذل الجهود والمساعي، من جانب إيران وفرنسا وحزب الله، من أجل تأليف حكومة لبنانية قوية، يمكن أن يكون لمصلحة لبنان".

وكانت لافتاً مساواة رئيسي بين إيران وفرنسا وحزب الله، وهي خطة فسرها المراقبون بأنّها تعويم غريب للحزب.

شكوك حول الإصلاح

ويأتي إصلاح قطاع الطاقة، سواء المحروقات أو الكهرباء، على رأس المطالب المحلية والدولية، ومن المرتقب الإعلان عن رفع الدعم عن الطاقة خلال الأيام المقبلة، ويُتهم التيار الوطني الحرّ، برئاسة جبران باسيل، بالمسؤولية عن أزمة الطاقة في البلاد، بسبب الفساد الذي كرسته هيمنة التيار على الوزارة لسنوات طويلة، وإخفاق وزرائه في علاج الأزمة، ورغم ذلك حافظ التيار على حقيبة الطاقة والمياه، وهو ما يعدّ مؤشراً على استمرار الفساد والإخفاق في الوزارة، حتى إن حُلت الأزمة جزئياً، عبر الاتفاق مع العراق ونقل الكهرباء والغاز من مصر والأردن، والبواخر النفطية الإيرانية التي استقدمها حزب الله.

الكاتب والباحث السياسي عاصم عبد الرحمن

ولا يتوقع مصطفى علوش، أن تنجز الحكومة برنامجاً إصلاحياً حقيقياً، ويقول؛ كلّ الحكومات تأتي ببرامج، لكن طالما أنّها تستند إلى الطبقة السياسة ذاتها والمحاصصة والطائفية، والارتهان إلى هيمنة حزب الله، وتحافظ على الآلاف من كبار المسؤولين المعنيين كحصص طائفية ومكاسب حزبية، فستبقى الأمور هامشية، ولن يتعدى دور الحكومة إدارة الكارثة والصدقات والهبات التي يمنحها المجتمع الدولي.

وتعليقاً على الدور الكبير لحزب الله في تشكيل الحكومة، يرى الباحث عاصم عبد الرحمن؛ أنّ الحزب يهدف إلى خلق متنفس شعبي على المستوى الاجتماعي والمعيشي، على اعتبار أنّ وجود حكومة توافق وطني محدود خير من حكومة مستقيلة، ولا تعويل على مثل هذه الحكومة في إجراء إصلاحات، وإحداث انفراجات كبيرة، ودورها الأساسي إنجاز الانتخابات النيابية، وهو ما يترقبه الحزب، ولهذا يريد بقاء الوضع كما هو عليه مع انفراجة بسيطة لحين عقد الانتخابات.

ومن المفترض عقد الانتخابات النيابية، في أيار (مايو) المقبل، وستنتج عنها إعادة تشكيل الحكومة، ما يجعل عمر حكومة ميقاتي لا يزيد عن ثمانية شهور، وتشهد الساحة السياسية سجالات عديدة بين الفرقاء حول قانون الانتخابات واتفاق الطائف.



الصفحة الرئيسية