لماذا لا يثق التونسيون براشد الغنوشي؟

لماذا لا يثق التونسيون براشد الغنوشي؟

مشاهدة

09/06/2021

احتلّ رئيس حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي المرتبة الأولى في قائمة "الانعدام الكلي للثقة في الشخصيات السياسية" لشهر أيار (مايو) 2021، بنسبة 77 بالمائة، يليه القيادي في حزبه علي العريض بنسبة 65 بالمائة، ثم رئيس كتلة ائتلاف الكرامة حليفة حركة النّهضة سيف الدين مخلوف بنسبة 64 بالمائة.

 وهذه ليست المرّة الأولى التي يتصدر فيها الغنوشي قائمة الشخصيات التي لا يثق فيها التونسيون، فغالباً ما يتصدر خلال السنوات الأخيرة، ترتيب الشخصيات السياسية الأدنى ثقة والتي يجب أن لا تلعب أي دور مهمّ في البلاد.

اقرأ أيضاً: بعد تعافي ليبيا: هل تنجح تونس في تجفيف منابع الإرهاب؟

وعلى الرغم من تخليه عن "الجبة والعمامة" التي أعلنت دائماً خلفيته الدينية، وتوجهه إلى ارتداء ربطة العنق بشكل متواصل، إلا أنّه ظل على رأس قائمة الشخصيات السياسية الأكثر ازدراء في تونس، وتؤكد هذه الحقيقة مختلف نتائج سبر الآراء في فترات متباعدة.

عرائض متتالية لسحب الثقة

ومن أهم مؤشرات انعدام ثقة التونسيين بالغنوشي، تنامي زخم المطالبة بمساءلته داخل البرلمان، حول علاقاته الخارجية الغامضة، وتخابره مع جهات أجنبية والنظر في سحب الثقة منه، من طرف العديد من النواب الذين انضموا إلى هذه المبادرة التي تقودها رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، والتي قادها لاحقاً حزب التيار الديمقراطي، الذي تشارك مع النّهضة في حكومة إلياس الفخاخ المستقيلة.

دعوات سحب الثقة التي تلت نتائج سبر الأراء، والتي انتهت جميعها إلى فقدان الغنوشي ثقة التونسيين، جعلته في موقف صعب، لاسيما بعد أن أصبح محاصراً بعدّة أزمات باتت تهدد وجوده على رأس البرلمان وحتى على رأس حركة النهضة، بسبب  الخلافات داخلها.

منظومة الإسلام السياسي تسعى عبر بعض المدارس القرآنية المشبوهة، إلى تفريخ الفكر التكفيري، مما دفع بآلاف الشباب إلى تبني الفكر المتطرف، والانخراط في معسكرات التدريب الإرهابية

ويتهم الغنوشي بالتخابر مع النظامين التركي والقطري ضد مصلحة تونس، من أجل بناء ركام الدولة العثمانية واستعادة تركيا نفوذها في المنطقة، وهو ما يشكل ضرب القواعد والأسس التاريخية للدولة المدنية، والمتمثلة أساساً في التعليم العصري، وتعويضه بمدارس قرآنية خارج عن المراقبة الرسمية، حيث كشفت السلطات الأمنية التونسية سنة 2019، في هذا الخصوص عن وجود مدرسة قرآنية بمنطقة "الرقاب" من محافظة سيدي بوزيد، مهمتها إعداد جيل من "الجهاديين" للالتحاق بالجماعات المسلحة المتمركزة في الجبال الغربية للبلاد.

اقرأ أيضاً: "نهضة تونس وخرابها".. شاهد هذا الفيديو

واعتبر المحلل السياسي جمعي القاسمي أنّ نتائج سبر الأراء تعكس حقيقة نظرة رجل الشارع التونسي لزعيم الإخوان راشد الغنوشي، واصفاً إياه بالشخصية المرفوضة والكريهة، لذاك هو دائماً في أسفل الترتيب من حيث الشخصيات التي تحظى بثقة التونسيين، وهذا يعكس بدء وعي وإدراك التونسي لخطورة ما يمثله الغنوشي والسياسات التي انتهجتها حركته المحسوبة على الإخوان.

المحلل السياسي جمعي القاسمي

القاسمي توقع أيضاً في تصريحه لـ"حفريات"، أن ينعكس ذلك على مستوى الانتخابات القادمة، خصوصاً أنّ ذلك بدأ يظهر خلال الانتخابات البلدية الجزئية الأحد الماضي، والتي خسرت فيها قائمات النهضة المرتبة الأولى، مشدّداً على أنّ زمن تغوّل النّهضة الذي بُني على مغالطات وازدواجية في الخطاب بدأ يتراجع، على وقع وعي الشعب التونسي بخطورة الحركة ورئيسها.

اقرأ أيضاً: الباحث التونسي محمد ذويب لـ "حفريات": "النهضة" ما زالت ترعى الإرهاب

والغنوشي ليس "النهضوي" الوحيد الذي تولى رئاسة البرلمان، ففي الفترة النيابية 2014/2019 تولى عبد الفتاح مورو خطة النائب الأول لرئيس البرلمان، وأدار خلال تلك الفترة أغلب جلسات البرلمان بصفته تلك، وبعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، تولى رئيس المجلس محمد الناصر منصب رئيس الجمهورية، ليترك موقع رئاسة المجلس لنائبه الشيخ مورو، الذي حافظ على ارتدائه في أغلب الأحيان للجبة والعمامة، في إشارة لمرجعيته الدينية، وبرغم ذلك لم يكون مرفوضاً ولا منبوذاً من التونسيين.

المحلل السياسي جمعي القاسمي لـ"حفريات":  راشد الغنوشي شخصية مرفوضة وكريهة لذاك هو دائماً في أسفل الترتيب من حيث الشخصيات التي تحظى بثقة التونسيين

وتضاعف الغضب الشعبي من وجود الغنوشي وترأسه للبرلمان، بعد توسع الدعوات التي تنادي بالتدقيق في مصادر ثروته، التي تبلغ بحسب تقارير إعلامية حوالي عن 2.7 مليار دينار بما يعادل مليار دولار، ليتصدر بذلك قائمة أثرياء تونس، وهو الذي لم يُعرف له يوماً أي نشاط اقتصادي، هذا بالإضافة إلى الضغوط الداخلية التي يتعرّض إليها من طرف قيادات حركة النهضة التي تطالبه بالتنحي من رئاسة الحزب.

ملف الإرهاب والاغتيالات السياسية

تلاحق الغنوشي أيضاً، عدّة ملفات مزعجة من بينها الوقوف وراء الاغتيالات التي شهدتها تونس عام 2013، واستهدفت القياديين اليساريين المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والوقوف وراء تسفير الشباب التونسي للقتال ضمن التنظيمات الإرهابية بسوريا وليبيا، وعلى نشاطاته الداخلية وتحركاته وعلاقاته الخارجية، علاوةً على وجود مخاوف على البلاد والمجتمع من مشروع الإسلام السياسي الذي يسعى لتحقيقه.

اقرأ أيضاً: استطلاع رأي جديد في تونس: حركة النهضة وحلفاؤها لا يحظون بثقة الشعب

 وبلغت الضربات الإرهابية ذروتها خلال 2012 و2013 و2014، وهي الفترة التي قادت فيها النّهضة حكومة الترويكا برئاسة حمادي الجبالي ثم علي لعريّض، وبحسب هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي (أكثر من 100 محامٍ)، فإنّ رئيس التنظيم السري للإخوان في البلاد بمعية القيادي بالنّهضة عبد العزيز الدغسني، كانت له علاقة سرية بفرعي الإخوان في تونس ومصر سنة 2012، لتبادل أجهزة تنصت وترتيب ضربات استباقية لتصفية الخصوم السياسيين.

الأمين العام للتيار الشعبي اليساري زهير حمدي

ويعتبر زهير حمدي الأمين العام للتيار الشعبي اليساري أنّ تنظيم أنصار الشريعة المحظور، هو الحديقة الخلفية للغنوشي، وخزانه الاحتياطي لإدارة اللعبة الإرهابية في تونس، بل الجناح المسلح للإخوان الذين ارتكبوا جرائم إرهابية، منوهاً بعلاقة الغنوشي بزعيم تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي سيف الله بن حسين (المعروف بأبي عياض)، الذي دعاه في فيديو شهير تم تسريبه بضرورة اختراق أجهزة الأمن والجيش التونسي.

اقرأ أيضاً: تونس في مواجهة الإرهاب... ما الجديد؟

ويرى حمدي أنّ منظومة الإسلام السياسي تسعى عبر بعض المدارس القرآنية المشبوهة، إلى تفريخ الفكر التكفيري، مما دفع بآلاف الشباب إلى تبني الفكر المتطرف، والانخراط في معسكرات التدريب الإرهابية بليبيا وسوريا، والالتحاق بمعسكرات القتال في بؤر التوتر، موضحاً أنّ الغنوشي ينتمي إلى مدرسة فكرية تؤمن بعلاقة الجماعة التي لا تثق في أحد، وتمارس كل شيء من أجل خدمة الجماعة وليس الوطن، وهو ما أكدته السنوات العشر التي حكمت خلالها النهضة البلاد.

مستقبل الغنوشي الغامض

تراجع ثقة التونسيين وانعدامها براشد الغنوشي، يفسره مراقبون للشأن السياسي كونه يأتي في خانة الوعود الكاذبة التي أطلقتها حركة النهضة، والتي تسببت في تراجع شعبية الحركة وفقدانها نسبة كبيرة من أنصارها، فيما يذهب المراقبون إلى أنّ تعميق الفجوة بين الغنوشي والقيادات المستقلة من الحركة قد يضعف الخزان الانتخابي للحركة الإسلامية، وأنّ الغنوشي لن ينجح  في حال الترشح لأي منصب رسمي في المستقبل، ولن ينجح أيضاً بالاستمرار على رأس الحركة، خاصّةً في ظل مطالبة أكثر من  100 قيادي نهضوي بعدم ترشحه لرئاسة الحركة في المؤتمر الحادي عشر، في عريضة بعنوان "مستقبل النهضة بين مخاطر التمديد وفرص التداول".

وبرغم محاولات بعض قيادات النهضة الداعمة للغنوشي، التي تقدّمه على أنّه القائد الوطني الذي يجمع بين الفرقاء السياسيين في الداخل ويغلب المصلحة الوطنية على مصلحة حزبه السياسي، والتي ترفض خروجه من الباب الصغير، غير أنّ هذه التعلاّت تصطدم بالأخطاء القاتلة  التي اقترفها الغنوشي  وحركته.

 المحلل السياسي باسل ترجمان

من جانبه، يرى المحلل السياسي باسل ترجمان أنّ الغنوشي رجل كثير الوعود قليل المصداقية، وأنّه ترك مستقبله خلفه، ولم يعد له أي آمال يستطيع تحقيقها، لأنّه كوّن لنفسه صورة سلبية لدى التونسيين، ولفت في تصريحه لـ"حفريات" إلى أنّ الغنوشي كان قد تعهّد خلال عودته من منفاه في 2011، بأن لا يتقلد أي دور سياسي، وترشح لرئاسة البرلمان، كما تعهد بتحقيق الديمقراطية ولم يفعل، فضلاً عن أنّه تعهد بأن لا يترشح لرئاسة حركته، والحال أنّه يتزعمها منذ أربعين عاماً.

ولم ينس التونسيون زلات اللسان الخاطئة لقيادات الحركة الإسلامية، في تبرير الغنوشي للإرهابيين في جبل الشعانبي، الذي اعتبر أنّ تحركات الإرهابيين يذكرونه بشبابه، ودفعتهم في كثير من المناسبات إلى التعبير عن خشيتهم على مصير الدولة المدنية، أمام المطامع ببناء إمارة إسلامية.

الصفحة الرئيسية