لماذا لا تخشى "إسرائيل" من الإسلامويّة؟ (2)

الإسلام السياسي

لماذا لا تخشى "إسرائيل" من الإسلامويّة؟ (2)

مشاهدة

18/05/2020

تشترك الجماعات الإرهابية بشعار "عشر رصاصات للمرتدين وواحدة للكافرين".. وهو ما يعني أنها تعطي الأولوية لقتال المسلمين المخالفين لها من بني جلدتها حتى من التكفيريين أمثالها بعد إنزال حكم "الردة" عليهم، بينما لا تولي اهتماماً يذكر لقتال الكافرين الأصليين وفق التصنيفات التي تعتمدها.
استدعاء مفهوم الردة
اندلعت حروب "الردة" في شبه الجزيرة العربية، بعد وفاة النبي -عليه السلام- ضد العرب الذين أعلنوا تمردهم على خلافة أبي بكر الصديق بدوافع عدة، منها اعتراضهم على استيفاء ركن الزكاة، باعتبار أنها وجبت لرسول الله دون غيره، بينما ترك غيرهم الإسلام بالكلية.
وعندما ظهرت التنظيمات التكفيرية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، استدعت أحكام الردة لتطلقها على النظم السياسية القائمة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، بينما خلعت حكم الكفر الأصلي على ما سواها من شعوب وأنظمة.

تشترك الجماعات الإرهابية جميعاً بإعطاء الأولوية لقتال المسلمين المخالفين لها دون غيرهم

وأعطت تلك التنظيمات أولوية لقتال الدول العربية والإسلامية القائمة "بوصفها مرتدة وفق مفهومها" على قتال النظم "الكافرة"، ومنها "إسرائيل"، باعتبار أنّ حرب "المرتدين" أهمّ وأولى من غيرهم"، مستشهدين بأنّ أبا بكر -رضي الله عنه- أوقف الغزوات الخارجية، لصالح القضاء على الردة "أعداء الداخل"، ثم انطلق المسلمون بعد ذلك لفتح بلاد الفرس والروم.
سادت مفردة "الردة" في أدبيات تنظيم "داعش" منذ بواكير تأسيسه على يد أبو مصعب الزرقاوي، وحتى زعيمهم الحالي أبو بكر البغدادي، فلا يكاد يخلو خطاب لذلك التنظيم من إطلاق هذا الوصف على جميع من خالفهم تقريباً، وهو ما يترتب عليه وجوب قتال المرتدين أولاً قبل غيرهم، ما جعل التنظيم في حالة حرب دائمة ضد جميع الفصائل السورية والعراقية، حتى أنه اتُّهم بعدم الدخول في حروب مباشرة وشرسة ضد النظام السوري، الذي يعتبره "كافراً أصلياً" بزعم أنه يمثل الطائفة العلوية "النصيرية" التي لا تنتمي إلى الإسلام في نظره.

العدو البعيد والعدو القريب
خرج الأفراد الجهاديون من رحم هزيمة العرب في حزيران (يونيو) 1967، بعد أن أرجعوا أسباب الهزيمة إلى الابتعاد عن "حاكمية الله"، فذهبوا لتأسيس خلايا وتنظيمات تسعى إلى مقاتلة النظم السياسية في بلدانهم، وهو ما أطلقوا عليه "العدو القريب"، وتأجيل صراعهم مع العدو البعيد "أمريكا وإسرائيل والغرب" إلى أجل غير مسمى.
لم يكد العام 1974 يبدأ، قبل مضي 3 أشهر على خروج مصر منتصرة على "إسرائيل" في حرب أكتوبر 1973، حتى تشكلت جماعة عُرفت بعد ذلك بــ"تنظيم الفنية العسكرية"، لتنفيذ عملية انقلاب ضد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والسيطرة على مؤسسات الدولة، ولم يكن انتصار الرجل على "إسرائيل" ليشفع له عندهم، وذلك قبل دخوله في عملية السلام، فمضوا في تكفير الحاكم وإسقاط الدولة.. فشلت العملية بعد أن ذبحت المجموعة عدداً من جنود الكلية الفنية العسكرية، من الذين شاركوا في الحرب ضد الكيان الصهيوني.

استدعت التنظيمات التكفيرية عند ظهورها أحكام الردة لتطلقها على النظم العربية والإسلامية القائمة

في كتابه "شهادة على أحداث الفنية العسكرية"، يصف أحمد الرجال، أحد العناصر التي ذهبت لتنفيذ العملية، شعوره قبل لحظة اقترابه من أحد الجنود على مسرح العملية، فتذكّر أول ما تذكّر أن هذا الجندي لا شك كان مقاتلاً ضد الصهاينة في سيناء، فتساءل في نفسه: "كيف لي أن أذبح هذا الجندي بيدي وأنا المسلم؟" .. وسرعان ما هرب الرجل تاركاً مسرح العملية الإجرامية، قاصداً أحد المساجد القريبة، فرآه شيخ طاعن في السن، فروى له حكايته، فنصحه بالإبلاغ فوراً عن تفاصيل العملية، وهو ما كان.
اللافت أنّ قادة هذه العملية، ومنهم طلال الأنصاري، وياسر سعد، كشفوا في مذكراتهم عن أنّ مرشد جماعة الإخوان المسلمين، حسن الهضيبي، وزينب الغزالي وغيرهما، كانوا على علم بالعملية، وأخبروهم بأنّها إن نجحت فسيتبناها الإخوان، وإن فشلت فكأنهم لا يعلمون عنها شيئاً!
كان الإخوان قد خرجوا لتوهم من السجون بعد قرارات أصدرها الرئيس السادات، الذي لم يكتف بذلك فحسب؛ بل أعطاهم حرية واسعة في تحركاتهم، وسمح لهم بإعادة إحياء تنظيمهم، تلك العملية التي أطلقوا عليها "التأسيس الثاني للجماعة"... على أية حال نجحت هذه التنظيمات في نهاية الأمر في قتل "عدوها القريب" الذي عفا عنها خلال احتفاله العام 1981 بالانتصار على العدو الصهيوني الذي لم يطلقوا عليه طلقة واحدة!

إسرائيل دوماً خارج حسابات "الجهاد"
بعد أن وضعت الحرب الأفغانية أوزارها العام 1989، عزم زعيم الأفغان العرب عبدالله عزام على تحويل جهود المقاتلين نحو إسرائيل، لكن قادة تنظيم الجهاد المصري، وعلى رأسهم أيمن الظواهري، كان لهم رأي آخر؛ فكانوا قد عقدوا العزم على تشكيل خلايا وسرايا لقتال الأنظمة العربية، دون الدخول في صراع مع الإسرائيليين، مخالفين لاستراتيجية عزام وأهدافه، حتى نجحوا في السيطرة على "القاعدة" ثم ما لبث أن قُتل عزام إثر نسف سيارته في بيشاور، مما عزز الشكوك حول مسؤولية القادة المختلفين معه عن اغتياله.
كتب الدكتور الزعيم السابق للجماعة الإسلامية في مصر ناجح إبراهيم في 1 كانون الأول (ديسمبر) 2017 مقالاً في جريدة الشروق المصرية، بعنوان "دماء على أرض الصلاة"، يقول فيه: "حاولت جماعة الجهاد اغتيال دكتور عبدالله عزام الأردني، وهو يخطب فى مسجده فى مدينة بيشاور الباكستانية وذلك لمجرد ظنون وهواجس.. ، وما أكثر هواجس الحركات الإسلامية في مثل هذه الأبواب، وما أكثر اتهاماتها وظنونها التى قد يكون أكثرها لا أساس له من الصحة، فقد بلغ الجرم بهؤلاء أنهم وضعوا لغم دبابة تحت منبره، وهذه كانت كافية لتفجير المسجد كله، ولكن عزام لم يذهب يومها وتلقى تحذيراً بذلك، ولكنهم لم يتركوه ففجروا سيارته ومعه ابنه، دون مراعاة لا لعلمه أو فضله أو لأستاذيته في الشريعة، ودون تفهّم أن الناس لا يؤخذون بالظنون، فضلاً عن أن يقتلوا بها دون وجه حق، وأنهم ليسوا حكاماً ولا قضاة ولا جهة تنفيذ قانون ولكنهم استلبوا ذلك جميعاً في غفلة من الزمان".

خرج الجهاديون من رحم هزيمة 1967 بعد أن أرجعوا ذلك إلى الابتعاد عن "حاكمية الله"

بعد مقتل عزام في نهاية العام 1989 بدأت أفواج المقاتلين القادمين من أفغانستان تترى على الأراضي المصرية سراً، لكن سرعان ما تم القبض على طلائعهم، واختراقهم من قبل الأجهزة الأمنية، بعد فشل عدد من عملياتهم التي كان أبرزها، محاولة اغتيال وزير الداخلية المصري الأسبق، حسن الألفي، ثم محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري الراحل، عاطف صدقي، وبعد فشل التنظيم في مصر أعلن أيمن الظواهري في العام 1996 وقف العمليات بسبب ما أسماه "عدم القدرة".
في العام 1998، أعلنت القاعدة تشكل "الجبهة العالمية لمقاومة اليهود والنصارى"، لتؤكد نيّتها تغيير أهدافها الإستراتيجية من قتال العدو القريب "الأنظمة"، إلى قتال العدو البعيد "أمريكا وإسرائيل"، فذهبت لاستهداف عدد من المصالح الأمريكية في المنطقة (نسف سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودار السلام العام 1998، واستهداف المدمرة الأمريكية يو إس إس كول في اليمن العام 2000) ثم كان ختام المشهد في العام 2001 بعد نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك... ودفع العرب ثمناً باهظاً جراء تلك العمليات، إلا أن القاعدة لم تقترب من الجناح الثاني المستهدف في الإعلان الشهير وهو "إسرائيل"، وكانت العواقب احتلال الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان في العام نفسه، وغزو العراق في العام 2003، الذي أفرز في النهاية زعزعة الأمن القومي العربي بظهور "داعش" وأخواتها التي تشترك في إخراج الكيان الصهيوني من حساباتها.

الصفحة الرئيسية