كيف منع المغرب تغوّل تنظيمات الإسلام السياسي المؤدلج؟

كيف منع المغرب تغوّل تنظيمات الإسلام السياسي المؤدلج؟

مشاهدة

22/09/2021

رغم أنّ المغرب اعتمد إستراتيجية "الاستباق المتعدد المسارات" لمواجهة مخاطر التنظيمات الإسلامية المسلحة والمتشددة، تحديداً تنظيمَي داعش و"القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الإرهابيين، إلا أنّ الخلايا النائمة و"الذئاب المنفردة" تواصل تنفيذ هجماتها المباغتة، بين الحين والآخر، بينما تحاول استغلال بعض التوترات الإقليمية، سواء التقليدية، كما هو الحال مع الجزائر، أو المستجدة، بفعل التطورات والتفاعلات السياسية بالمنطقة، خلال العقد الأخير، وقد ساهمت الصراعات في ليبيا وتونس بتدفق موجات من المقاتلين والمسلحين عبر الحدود، وانبعاث نشاطاتهم في منطقة الساحل جنوب الصحراء.

تفكيك خلية لداعش.. ما الجديد؟

لا يعدو إعلان المكتب المركزي للأبحاث القضائية (جهاز مكافحة الإرهاب) بالمغرب، تفكيك خلية إرهابية موالية لداعش، منتصف الأسبوع الماضي، أمراً عرضياً أو مباغتاً، لكنّه يكشف الخطر الرئيس الذي ما يزال يفرض تهديداته، والمتمثل في الخلايا النائمة؛ إذ إنّ الأجهزة الأمنية تواصل نشاطها بخصوص ملاحقة تلك العناصر الكامنة، بصورة شبه منتظمة، حسبما توضح بياناتها الرسمية، الأمر الذي ساهم في تراجع الهجمات الإرهابية، وذلك منذ تفجير مراكش عام 2011، كما احتلت المغرب في مؤشر الإرهاب العالمي المرتبة 92 من إجمالي 163، قبل عامين، بعد أن كانت تحتل المرتبة 132، عام 2018.

كشفت وكالة الأنباء المغربية الرسمية نجاح الأجهزة الأمنية في "تفكيك هذه الخلية الإرهابية في سياق تضافر وتعزيز الجهود التي تبذلها المصالح الأمنية لتحييد مخاطر التهديد الإرهابي ومنع التنظيمات المتطرفة من بلوغ مرحلة التنفيذ المادي لمخططاتهم ومشاريعهم التي تحدق بأمن الوطن والمواطن".

اقرأ أيضاً: الانتخابات المغربية: الدرس الأخير في مستقبل التيارات الإسلامية

ووفقاً للبيان الرسمي الصادر عن المكتب المركزي للأبحاث القضائية؛ فقد تمكّن أفراد القوة الخاصة التابعون لجهاز المخابرات الداخلية من توقيف "المشتبه فيه الرئيس، وهو الأمير المزعوم لهذه الخلية الإرهابية، كما تم أيضاً توقيف اثنين من أعضاء هذه الخلية وحجز معدات معلوماتية وذاكرتَي تخزين وهواتف محمولة وملابس شبه عسكرية ومخطوطات عديدة مكتوبة بخط اليد، وأخرى مطبوعة من الإنترنت، تحرض وتمجد العمليات الإرهابية، فضلاً عن ملصقات تتحدث عما تسمى ولاية خرسان باعتبارها قاعدة جديدة للقتال".

مع توالى تفكيك الخلايا الإرهابية داخل المغرب، تبرز تساؤلات عدة حول الخطر الإرهابي  والحاضنة الفكرية والثقافية التي تغذي هؤلاء الذين اختاروا مسار العنف الراديكالي

ويشير البيان إلى أنّ "أعضاء هذه الخلية الإرهابية كانوا يتشاركون المحتويات الرقمية ذات الحمولة المتطرفة، كتلك التي توثق للعمليات الانتحارية والتصفيات الجسدية التي يقوم بها تنظيم داعش في عدة مناطق من العالم، وذلك كوسيلة لإذكاء الفكر المتطرف والتحفيز على محاكاة هذه الجرائم".

مخاطر عودة المقاتلين من سوريا والعراق

منتصف العام الماضي، تمّ تفكيك خلية مماثلة تواجدت في منطقة سيدي الزوين، حيث أوضحت الأجهزة الأمنية أنّ "عمليات البحث الميداني ساهمت في تجميع معطيات حول المشروع الإرهابي لزعيم هذه الخلية، الذي كان  يعتزم تنفيذ أجندات التنظيمات الإرهابية الدولية عبر ضرب أهداف ومشاريع داخل المغرب، كما كان يخطط إلى الالتحاق بتنظيم داعش".

وثمة اتجاه يرجح اتساع دائرة الخطر الإرهابي، لا سيما أنّ تراجع تنظيم داعش في مناطق نفوذه الرئيسة، في سوريا والعراق، أدى إلى نمو نشاطه في منطقة الساحل والصحراء، خصوصاً في ظلّ اشتداد الصراع الليبي، وفي دول مجاورة لها مثل مالي التي لا تستطيع تأمين حدودها، بحسب مركز الإمارات للسياسات، ويضاف لذلك "تلاقي المصالح بين خلايا الإرهاب وجماعات الإجرام المنظم، خاصة شبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات، كما أنّ الموقع الإستراتيجي للمغرب، والحرب التي يخوضها ضدّ الإرهاب يجعلانه مستهدفاً من قبل تنظيم داعش، وغيره من التنظيمات التي تبذل طاقتها لضرب الاستقرار الداخلي للبلاد".

اقرأ أيضاً: إخوان المغرب وإخوان المشرق واختلاف آليات السقوط

ولذلك؛ تهدف الجهود التي تبذلها المغرب إلى اجتثاث التطرف الديني من خلال معالجة العوامل الكامنة التي تدفع الأفراد إلى الانضمام للجماعات المتطرفة والإرهابية، وهو ما تطلب إعادة تنظيم كيانات الدولة الدينية بهدف حماية المواطنين من التطرف، وفقاً للمركز، وكذا مراجعة مضامين الخطاب الديني.

مقاربات أخرى لمعالجة الإرهاب والعنف

يتفق والرأي ذاته، الباحث المغربي الدكتور يوسف هريمة، الذي يرى أنّه مع توالي تفكيك الخلايا الإرهابية داخل المغرب، تبرز عدة تساؤلات مثيرة حول الخطر الإرهابي الذي يحيط بنا من كل جانب، والحاضنة الفكرية والثقافية التي تغذي هؤلاء الذين اختاروا مسار العنف الراديكالي، بغية معالجة قضايا الوطن والمؤسسات والدولة، ناهيك عن النظرة الإقصائية التي يختزلها هذا الفكر في تعاملاته مع الآخر المختلف.

المفكر المغربي سعيد ناشد لـ"حفريات": نموذج دينامية الاستقرار ساعد المغرب في تفادي زلزال "الربيع العربي"، من خلال سياسة وازنة نجحت في تجنب تغول تنظيمات الإسلام السياسي المؤدلج

ويضيف هريمة، في حديثه لـ "حفريات": "كلّ ما توجهنا إليه هذه الأحداث ليس فقط مرتبطاً بشكل الإخراج الفني الذي تتم به العمليات، ولا طرق وملابسات القبض على المشتبه فيهم، لكن الأعمق من كلّ هذا هو أنّ مقاربة الإرهاب يجب أن تأخذ مسارات أكاديمية وبحثية ونفسية واجتماعية وثقافية، بالإضافة إلى بعدها الأمني"، لافتا إلى أنّ هذا الأمر يحيلنا إلى أنّ الخوف والتردد في ملامسة المسكوت عنه مهمة صعبة وشاقة في واقع ثقافي مغلق، يقف فيه الباحث عاجزاً عن إدراك حجم التحريم والتأثيم والتجريم الذي تمارسه الثقافة، لضمان استمراريتها وبسط نفوذها على هذا الكائن الإنساني، في رغبة ملحة وأبدية، هدفها التكرار من أجل الاستمرار.

اقرأ أيضاً: قراءة في نتائج الانتخابات المغربية.. سقوط آخر معاقل الإخوان

يشدد المفكر المغربي على ضرورة التحليل النفسي والمقاربة السيكولوجية، للوقوف على ما وراء الأحداث والسلوكات والتعابير الاجتماعية، حيث إنّ للتحليل النفسي أهميته في هذا السياق المتشابك؛ لأنه "يميط اللثام على الدواعي الحقيقية المخفية وراء الواجهة، حتى إن كانت هذه الإماطة من وجهة نظر التحليل النفسي تكشف لنا رغباتنا اللا واعية، حيث تصيبنا بجروح، إذ من المربك والمقلق أن نعترف بأنّنا لا نعرف حقاً الأسباب التي تدفعنا وتسيرنا".

 

هل نجح المغرب في تفادي تغول الإسلاميين بالحكم؟

ومن جانبه، يشدّد المفكر المغربي، سعيد ناشيد، في حديثه لـ "حفريات" على أهمية التذكير، مرة أخرى، بأنّ المغرب كان، وما يزال، مستهدفاً من طرف الإرهاب العالمي، وذلك لاعتبارَين أساسيين؛ أولها "فعالية الأجهزة الأمنية التي تميزت بكفاءة استباقية عالية، ليس فقط حين يتعلق الأمر بالتهديدات الداخلية والمحلية، بل وأيضاً مع التهديدات الإرهابية التي تنفذ خارج الحدود في بعض الأحيان، مما يجعل التعاون الأمني مع المغرب ضرورياً وحيوياً".

المفكر المغربي، سعيد ناشيد

والأمر الثاني، وفقاً للمفكر المغربي، يتمثل في "نموذج دينامية الاستقرار الذي قدمه المغرب، بينما ساعده في تفادي ذلك الزلزال المسمى "الربيع العربي"، من خلال سياسة وازنة نجحت في تجنب تغول تنظيمات الإسلام السياسي المؤدلج"، الأمر الذي ساهم إلى حد بعيد في القضاء على كافة الرهانات المطروحة بخصوص أشكال "إدارة التوحش" التي حاول تطبيقها القسري الإرهاب العالمي في مجتمعات شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: موت الأيديولوجيا: نهاية تجربة العدالة والتنمية المغربي

ويشير أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل، رشيد لزرق، إلى أنّه منذ أحداث الدار البيضاء، عام 2003، أظهر الدور الأمني اللافت بالمغرب قدراته في مواجهة الظاهرة الإرهابية، بصورة استباقية، وذلك بفعل التعاون الدولي، المعلوماتي والاستخباري، لافتاً، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ المغرب تبنى سياسية أمنية فعالة في مواجهة داعش، وكذا تقليص خطر الفعل الإرهابي المبني على نظرية الذئاب المنفردة والعمليات الانتحارية.

أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل، رشيد لزرق

ويلمح الأكاديمي المغربي، إلى أنّ الإستراتيجية الأمنية "الاستباقية" بالمغرب تضع في أولوياتها تداعيات تنامي التنظيمات الراديكالية المسلحة بالمنطقة، وتأثيراتها المحلية المتسببة في السيولة الأمنية، خاصة مع عودة المقاتلين من العراق وسوريا وليبيا، مما يجعل شمال أفريقيا مهدداً، على نحو خاص، وحتى العمق في ساحل الصحراء، وصولاً لأوروبا، الأمر الذي يفرض أهمية التعاون الأمني المتعدد.

ويختتم: "لقد اكسبت الأجهزة الأمنية المغربية خبرة هائلة في مواجهات التنظيمات المتشددة والمسلحة؛ ليس فقط على المستوى المحلي والإقليمي، بل والدولي، وذلك بعد الأعمال الإرهابية التي شهدتها المملكة بالدار البيضاء، ومن ثمّ بات لها نهج استباقي في مواجهة الإرهاب المسلح".



الصفحة الرئيسية