كيف دعم الإنجليز فكرة جماعة الإخوان؟

كيف دعم الإنجليز فكرة جماعة الإخوان؟

مشاهدة

01/08/2021

شهدت فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية نمواً ملحوظاً للحركات الدينية في كل الأقطار العربية، وهي التي ظهرت فيها جماعة الإخوان أيضاً، وبتحليل أسباب ذلك سنجد أنّ الاحتلال الإنجليزي كان يهدف لضرب المرجعية الإسلامية للدولة العثمانية عن طريق دعم تلك التيارات الدينية المتعارضة مع المذهب الصوفي التقليدي السائد في هذا الوقت، وهنا سنتوقف عند اثنين من الشخصيات المحورية، كانا مرتبطين بالإنجليز، ساهما دون مواربة في تأهيل حسن البنا، لينشئ جماعته وفروعها من خلال التمويل والتخطيط لإفشال المنطقة العربية والإسلامية، تحت عنوان عريض وهو تأسيس مجتمع إسلامي.

محمد رشيد رضا والرحلة للبنا

قدم الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) إلى مصر قادماً من لبنان، وتعرف إلى (متشل انس) الذي كان موظفاً بوزارة المالية المصرية وقد مدحه رشيد بوصفه أنّه أشد الإنجليز استقلالاً في الفكر وحرية في الرأي، وهو الذي عقد الصلة بينه وبين الشيخ محمد عبده، حيث سيقوم الأخير عن طريق علاقته بالمندوب السامي البريطاني اللورد كرومر بتقديمه إلى مجالس الباشوات وكبار رجالات الدولة المصرية.

يقول د.أحمد صبحي منصور في موقع "الحوار المتمدن": أرسل الإنجليز رشيد رضا في رحلات مختلفة تسبقه فيها شهرته كعالم مسلم وخليفة الإمام محمد عبده، وكان في رحلاته يجتمع بالأمراء والملوك والقادة، حيث يتحدثون معه بحرية واثقين من مكانته لدى بريطانيا، فقام بزيارة للهند (دُرّة التاج البريطاني) والتي من أجلها سيطرت على إمارات الخليج، وفي هاتين الرحلتين تم استقبال رشيد رضا بحفاوة بالغة، وأجرى محادثات مع بعض الحكام، وفي طريق عودته من الهند إلى مصر مرَّ بعُمان والكويت وكلها بلاد كانت مستعمرة من الإنجليز. وكان وصوله إلى مسقط في 12 جمادى الأولى عام 1330هـ بواسطة سفينة إنجليزية حملتْه من الهند إلى مسقط، والتَقَى هناك بسلطانها السيد فيصل وبعض رجالها، كما قام بإلقاء بعض الخُطَب والمواعظ في بعض مساجدها، وأقام بعدها في الكويت أسبوعاً أيضاً، ألقى فيه العديد من الخطب والمواعظ في بعض مساجدها.

 

شهدت فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية نمواً ملحوظاً للحركات الدينية في كل الأقطار العربية ومنها جماعة الإخوان

يدلل د.أحمد الشرباصي، في كتابه عن رشيد رضا على علاقته بالإنجليز، وهي العلاقة التي ستؤثر في حسن البنا فيما بعد، فيقول: بين يديَّ الآن مذكرة كتبها رشيد رضا بخط يده في أوائل عام 1915م (1334هـ) وقدَّمها إلى رجال الدولة البريطانية في مصر، وقد بدأ رشيد مذكرته في ملحق إضافي بيَّن فيها سبب كتابته هذه المذكرة، وذكر أنّ بعض أصحابه السوريين جمعوه مع (الكولونيل هوكر باشا) الذي سأل رشيد عن موقف العرب إزاء دخول الدولة العثمانية في الحرب الحاضرة (الحرب العالمية الأولى) مع ألمانيا فأجابه رشيد بأجوبةٍ تمنَّى الكولونيل كتابتَها له لأهميتها، ولأجل دراستها مع رجال حكومته. كما حرص على ذلك مدير المخابرات في مصر (الكابتن كليتن)، فكتب رشيد هذه المذكرة من أربع عشرة صفحة مع ملخص لها في صفحتين، أمَّا الملحق الإضافي لها فهو في خمس صفحات، حتى إذا اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى العام 1914م وانضمَّت تركيا إلى ألمانيا ضد إنجلترا وفرنسا انحاز إلى جانب الإنجليز.

وفي كتابه عن رشيد رضا "معاهدة نجد"، أو "كيف أصبح الإسلام الطائفي إسلاماً صحيحاً"، يقول الباحث حمادي الرديسي إنّ "رضا قد أخرج الوهابيين من خانة الهرطقة، ليجعلهم في خانة العقيدة السليمة، وأظهر خصوم الوهابيين على أنّهم حلفاء لإنجلترا واليهود الذين يعملون على محو الإسلام من على وجه الأرض، وقد قام بنقل هذا الكره للغربيين واليهود إلى حسن البنا".

بالفعل يعترف حسن البنا في مذكرات "الدعوة والداعية" بتأثير الشيخ رضا عليه، وأنّه كان دائم الحضور في مجالسه، وأنّه قد تأثر كثيراً بما كانت تنشره مجلة المنار، وحاول إعادة إصدارها بعد وفاته.

محب الدين الخطيب دعم حسن البنا لتأسيس جمعية الإخوان المسلمين وعمل مستشاراً ومرشداً فكرياً له حتى مقتله

يقول ثروت الخرباوي في حديث صحافي إنّ "البنا استغلّ قول الشيخ محمد رشيد رضا، نتعاون في ما اتّفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، وارتبط بالإيرانيين، الذين استضافهم في دار التقريب.

ويؤكد الدكتور عصمت حسين نصار أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر بكلية الآداب بجامعة القاهرة، في حوار إعلامي: استفاد البنا من رشيد رضا فكرة الوحدة الاسلامية، وفكرة التكتل والتجهيز الدائم للمعارك القادمة، وبالطبع أصبح أعضاء جمعية الشبان المسلمين، وأعضاء جماعة الإخوان تلاميذ غير مباشرين، ثم إنّك لو سألتنى عن أكثر الذين أثّر فيهم رشيد رضا سأقول لك في البداية حسن البنا، ومحمد إقبال، والمودودى، وسيد قطب، والهضيبي، وبن باز وابن عثيمين، ولعلك تلاحظ أنّ بإمكانك أن تضعهم جميعاً في جانب واحد، وهو تيار وإن كان الأكثر محافظة، فهو الأكثر تواجداً والأكثر أتباعاً.

محب الخطيب وعلاقات التأسيس

بالتوازي مع جهود رشيد رضا مع البنا، انتقل محب الدين الخطيب (1886-1969) من دمشق إلى القاهرة بعد أن عمل في القنصلية البريطانية في الحديدة باليمن، وكان يترأس جريدة القبلة الناطقة باسم الثورة العربية التي قادها الكولونيل لورانس بالحجاز.

الباحث محمد عبد الرحمن برج، في أوراق محب الدين الخطيب، التي حصل عليها من أبناء الأخير، أثبت وجود اتصالات بين الجمعية السرية العربية وأجهزة المخابرات الإنجليزية، وهي وثيقة صادرة عن الجمعية التي أسسها رشيد رضا، لتوحيد كلمة الأمراء العرب في الجزيرة، يطالبهم فيها بالاتحاد والوثوق بمطالب الإنجليز، والوقوف على الحياد وعدم مناصرة الدولة العثمانية، ورغم ذلك فإنه دعا لإعادة الخلافة الإسلامية بعد سقوطها!

يعترف البنا في مذكراته بتأثير الشيخ رشيد رضا عليه وأنّه كان دائم الحضور في مجالسه

وقد أصبح اسم محب الدين الخطيب مقترناً بالشيخ محمد رشيد رضا بالقاهرة، وعمل في هذا الوقت بتحرير جريدة الأهرام وأسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها وأصدر مجلة الزهراء، ثم أسس مجلة الفتح، مستهدفاً تثقيف النشء، وطور العلاقة مع حسن البنا، حين ساهم في تأسيس جمعية الشبان المسلمين بالتعاون معه ومع عدد من شخصيات مصرية منهم أحمد تيمور ومحمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق.

اقرأ أيضاً: هل تصنف تونس الإخوان جماعة إرهابية؟

يقول يوسف القرضاوي في مذكراته عن علاقة محب الدين الخطيب مع حسن البنا: "السيد محب الدين قد اكتشف من قديم موهبة الشاب النابه، المتخرج حديثاً في دار العلوم، حسن البنا، وطلب إليه أن يكتب في مجلته (الفتح) وشجعه على ذلك، فكتب أول مقال له بعنوان "الدعوة إلى الله"، وكان الخطيب يباهي بأنّ حسن البنا من اكتشافه، وأنه ممن ساهم في صناعته".

يقول محب الدين الخطيب عن حسن البنا: عرفتُه في تلك الغرفة المتواضعة من دار المطبعة السلفية سنة 1346هـ، وكنتُ ابنَ صنعة يوم اكتشفت بيني وبين نفسي حاجتنا إليه.

وكان محب الدين الخطيب هو من أسس مكتبة سلفية عنيت بنشر كتب التراث الديني السلفي، وساهم في تأسيس جماعة أنصار السنة المحمدية، وكذا جمعية الشبان المسلمين، التي كان من المفترض أن تقوم بدور تثقيفي جهادي كما يزعم القريبون من فريق التأسيس، فضلاً عن دعمه حسن البنا لتأسيس جمعية الإخوان المسلمين، وعمل مستشاراً ومرشداً فكرياً له حتى مقتله، كما اشترك في الجمعية السرية "العربية الفتاة".

اقرأ أيضاً: سقوط "الإخوان" عربياً

نجح حسن البنا في تكوين وإنشاء جماعة الإخوان، ونجح الإنجليز في إنشاء حركات متوافقة وأحياناً متعارضة، إما قومية عروبية أو دينية إسلامية، في تفكيك الدعوة للجامعة الإسلامية، التي كانت ترعاها تركيا، ولعب محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب دوراً محورياً في ذلك بدعمهما لمرشد الجماعة، لتبدأ دورة في التاريخ لم تنته حتى الآن.

الصفحة الرئيسية