قراءة في سجال "الخطابات والرسائل" بين جبهتي الإخوان: لمن الحكم اليوم؟

قراءة في سجال "الخطابات والرسائل" بين جبهتي الإخوان: لمن الحكم اليوم؟

مشاهدة

07/12/2021

تكثفت السجالات العلنية بين جبهتي جماعة الإخوان المسلمين المتصارعتين على القيادة؛ ممثلة في جبهة نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين إبراهيم منير، وجبهة الأمين العام السابق للجماعة محمود حسين.

وبخلاف البيانات الحديثة التي توثق لمراحل الخلاف وتدرجاته، ثمّة رسالتان يتيح الوقوف عندهما وقراءتهما بتمهل فهماً أعمقاً لحالة التأزم الواقعة داخل الجماعة، ومستقبل المبادرات التي طُرحت من أجل لمّ الشمل، بل ومستقبل الجماعة بوجه عام.

اقرأ أيضاً: موسم الأفول.. حرب البيانات تشعل أجنحة الإخوان

الرسالة الأولى عبارة عن خطاب مصوّر من حسين، بثته الصفحات التابعة لجبهته، وفي مقدمتها صفحة "إخوان أون لاين" بتاريخ 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، فقد جلس الأمين العام وإلى يمينه المصحف، في تصوير بصري يحمل دلالة أولى للإيحاء بأنّ المتحدث مستمر في التمسك بكتاب الله والاحتكام إليه، وكان لافتاً غياب أيّ شعار للجماعة، وهي الدلالة الأخرى التي سيأتي مضمون الرسالة المنطوق محاولاً التأكيد عليها، وهي التبرّؤ من الاستئثار، ورفض الاتهامات بالطمع في المنصب والحكم داخل الجماعة.

بدا حسين متوتراً، رغم محاولته تقديم خطاب يبدو متماسكاً متوازناً، لكنّه بدا كما لو كان يقرأ من ورقة أمامه؛ ممّا أضعف من قوة الخطاب وتأثيره. من جانب آخر، استشهد حسين بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، في محاولة لإضفاء جانب من القدسية والنزاهة والتأثير على حديثه، خصوصاً في ظلّ سياقه في إطار تجرّدي، بمعنى التأكيد على أنّ خروجه للحديث والردّ على الاتهامات ليس للتشكيك في الآخرين، بل استجابة لرغبة أعضاء مجلس الشورى، وللتذكير  فهو هنا يحاول كسب التأثير بحديث المظلومية لا الخلاف.

 

جلس الأمين العام وإلى يمينه المصحف، في تصوير بصري يحمل دلالة أولى حول الإيحاء بأنّ المتحدث مستمر في التمسّك بكتاب الله والاحتكام إليه

 

دار حديث حسين حول التأكيد على أنّ "الشورى والعمل الجماعي أساس العمل في جماعة الإخوان المسلمين"، بالإضافة إلى الانسلاخ من كافة التهم التي تُساق إليه، سواء بارتكاب مخالفات مالية أو الاستئثار بقيادة الجماعة، أو التسبب فيما وصلت إليه من تفكك خلال الأعوام الماضية. قال حسين: "بعد اجتماع مجلس الشورى، وبتكليف من إخواني ولدفع الشبهات، خرجت لأوضح الموقف، فأنا لم أتكلّف بإدارة أيّ ملف منذ 2015، ومشاركتي تتمّ بصفتي الأمين العام للجماعة وعضو مكتب الارشاد، ويكثر الحديث عن تكليفات لم أكلف بها، ولم أنل أجر القيام بها".

اقرأ أيضاً: قراءة في تطورات الصراع داخل الإخوان ومآلاته بعد فشل مبادرات الصلح

ولم ينسَ التبرير أيضاً لأخطاء لم يعترف بها، حتى حين قال: "عملنا اجتهاد بشري، أنا وغيري لسنا فوق المحاسبة، تقدّمت حين كثر اللغط، وطلبت التحقيق فيها، ولم يتمّ التحقيق فيها".

احتكم حسين خلال حديثه إلى "مجلس الشورى كمؤسسة مرجعية"، قائلاً: "البعض جادل في وجودها، رغم أنّها من قامت بانتخاب اللجنة الإدارية، ولجنة التحقيق، والرؤية العامّة، وتعيين القائم بأعمال المرشد العام، وقد قام بالمشاركة كلّ الأعضاء، إلّا من تغيب بعذر"، وتابع: "إنّ مجلس الشورى العام هو المؤسسة نفسها التي تصدّت لمحاولة تحويل مسار الجماعة عام 2015، في مؤشر إلى اتجاه الجماعة للعنف عبر الحركات المسلحة المنبثقة من جبهة محمد كمال.

اقرأ أيضاً: هل اقتربت نهاية حزب العدالة والتنمية الإخواني في المغرب؟

وسحب حسين، الذي سبق أن أقاله منير، الشرعية عن الأخير بالاستناد إلى اجتماع عقد لمجلس الشورى في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قرر اختيار لجنة لإدارة الجماعة في المرحلة المقبلة، وأنّه لم يرغب في إدارة الجماعة بنفسه، رغم أنّ اللائحة التنفيذية تنصّ على أنّه في حالة غياب المرشد؛ يتولى الإدارة أكبر الأعضاء في مجلس الشورى سنّاً، والذي هو حسين نفسه.

 

تجاهل القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رسالة حسين، حتى أسبوع، حين استأنف منير إصدار الرسالة الأسبوعية التي يصدرها مرشد الجماعة

 

من جانبه، تجاهل القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رسالة حسين، حتى أسبوع، حين استأنف منير إصدار الرسالة الأسبوعية التي يصدرها مرشد الجماعة، في رسالة مبطّنة، تشير إلى استمرار منير في عمله كمرشد للجماعة، بغضّ النظر عن الاعتراضات أو الاتهامات، أو السحب المعلن للسلطة منه.

المدقق في رسالة منير يجدها تتجنّب ذكر الجماعة وخصوصيتها مقابل التركيز على ذكر الإسلام والدين، وما يحاك ضده من مكائد، بالإضافة إلى الإشارة للعهد وفضل الالتزام به، ومن ثمّ ضمنياً عقوبة من يخون العهد.

عادة ما تُطبع الرسالة الأسبوعية بالخطابية والشمولية، منذ بدايات الجماعة، وهي تصدر يوم الجمعة، لكنّ ذلك لا يعني أنها منفصلة عن الواقع الحالي الذي تعيشه الجماعة، بل على العكس، فكلّ عباراتها وآياتها، بل وعنوانها يحمل دلالة تنعكس على المشهد، وقد عنون منير الرسالة بـ"إلى اليقظة من جديد".

اقرأ أيضاً: البرلمان الأوروبي يصدر تقريراً عن الخريطة الإخوانية في أوروبا الغربية

بدأ الرسالة بالإشارة إلى أنّ واقع الجماعة الآني من صراعات وخلاف ومشقة ليس بدعاً، وإنّما هي السُّنّة الكونية، فقال: جاء الإسلام وجموع البشر يعيشون بشقاء في كافة جوانب حياتهم، فكان هديّة السماء العظمى ونعمة الله الكبرى التي ارتضاها إلى خلقه أجمعين، "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" (سورة المائدة).

اقرأ أيضاً: الخروج من الجحيم.. منشقة عن الإخوان تروي سنوات "العبودية" بالجماعة

واختتم رسالته قائلاً: "فيا أبناء الدعوة، ويا رجال الصحوة، ويا كلّ محبٍّ للعدل والسلم الإنساني العام...، المنوط بنا أكبر ممّا تتصوّرون، والذي لن ندركه اليوم سيكون علينا بذل أضعاف أضعاف الجهود لمحو آثاره غداً، والنار المضرمة في الحي إن لم يتداعَ لها أهل الحي، دخلت كلّ بيت، ولكم أن تتخيلوا أنّ هذه الحرب التي تدور رحاها على كلّ ما هو إسلامي، رغم ما تعانيه الحركة الإسلامية ودعوتنا الكريمة من حصار ومطاردة وضغوط وتضييق؛ لذلك أيها الإخوان؛ أهتف إليكم جميعاً بقول الشاعر: قد رشحوك لأمر إن فطنت له... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل".

وتابع: أيها الإخوان؛ جدّدوا في الخطط والأفكار، وأبدعوا في الوسائل، واستفيدوا من كلّ مخلص صاحب رأي وعقل، فكم في الأمّة من غيورين على دينهم...، اجتهدوا في تطهير أرض الله ممّا علق بها من دنس الفساد بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة".

استخدام الدين

يقول الباحث في جماعات الإسلام السياسي أحمد سلطان لـ"حفريات": "إنّه يمكن فهم الرسائل والرسائل المضادة التي ظهرت من طرفي الإخوان، في إطار الصراع القيادي المستمر داخل الجماعة، والذي ما زال محتدماً، رغم طرح مبادرات للصلح؛ أحدها من أحمد عبد العزيز مستشار الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، والأخرى من يوسف القرضاوي، لإنهاء الخلاف وإعادة الجماعة إلى ما تزعم أنّه قيادة موحدة، فالواقع يقول: إنّ الجماعة منقسمة إلى أكثر من جبهة، وليس فقط إلى جبهتي منير وحسين.

 

سلطان: الرسالتان تكتظان بالعبارات الإسلامية، فكلّ طرف يحاول إظهار نفسه أنّه متمسّك بربانية القيادة، التي تعرّضت لخلخلة في الفترة الماضية في ظل الخلاف والحديث عن مخالفات مالية

 

اللافت، بحسب سلطان، أنّ الرسالتين تكتظان بالعبارات الإسلامية، فكلّ طرف يحاول إظهار نفسه أنّه متمسّك بربانية القيادة التي تعرّضت لخلخلة في الفترة الماضية، في ظلّ الخلاف والحديث عن مخالفات مالية، وإدارية، وما إلى ذلك؛ ممّا أسقط الصورة التاريخية عن قدسية القيادة، لذا فكلّ منهما يحاول الإيحاء بأنّها ما زالت حيّة وموجودة، ويدور خطاباهما في إطار طهرانية الجماعة، حتى إذا أخطأت.

ويلفت إلى أنّ ذلك ليس غريباً في أدبيات الجماعة، التي في منظورها إلى ذاتها أنّها تمثل الإسلام، وإذا تحدثت عن الإسلام، تقصد الجماعة؛ لأنّها تعتبر نفسها المعبّر عن الإسلام، لذا جاءت رسالة القائم بأعمال المرشد لإثبات أنّها ما زالت موجودة وفاعلة، وتنطلق إلى فجر جديد، لكن لا أظنّ أنّ ذلك له تأثير على الأرض، فالواقع يتجاوز الخطابات الرنانة، الجماعة تفككت، ولن تستطيع أن تعوّض الخسائر.

فكرة اللّاجماعة

ويلفت سلطان إلى أنّ الصراع امتدّ إلى عضد الفكرة المؤسساتية للجماعة نفسها، فبعض الأصوات داخلها بات ينتقد الجماعة، ويطرح أنّ حسن البنا، الذي يشكّل الرمزية الأهمّ، كان مجدداً وفق عصره، ومن ثمّ علينا أن نخترع جديداً.

اقرأ أيضاً: صراعات الأجنحة تعمق انقسامات "الإخوان" المصريين

وفي السياق ذاته، يرى أنّ الرسالتين تحاولان مغازلة أكبر عدد ممكن من قواعد الجماعة للاصطفاف حولهم، خصوصاً في ظلّ تلك الأفكار التي تنادي بحلّ التنظيم، والتحوّل إلى استراتيجية العمل بلا تنظيم محدّد،  عبر جماعات ضغط ومراكز إسلامية، دون وجود الرباط التنظمي، والتركيز في المقابل على نشر الإيديولوجية، قائلاً: "ثمة اتجاه يقول إنّ التنظيم جرّ على الجماعة مساوئ كثيرة جداً؛ ومن ثمّ فالحلّ هو حله، والعمل بدون التقيد بإطار تنظيمي قد يكون عائقاً؛ أي إنّ النقد قد تسرّب إلى الرمز الأهم، والفكرة تُهدم من جذورها، وستحاول أن تتجمّل أكثر خارج إطار التنظيم.

في المقابل، يرى الباحث في جماعات الإسلام السياسي، أنّ طرفي الخلاف انكشفا للقواعد، الكلّ يحاول الحصول على أكبر قدر من الدعم والزخم لحسم الخلاف، خاصة أنّ حسين والجبهة الموالية له، التي تتمثل في رابطة إدارة المصريين في تركيا، ترفض أن تتنازل لمنير، والأخير يصرّ على التمسك بمنصبه، في حين أنّ الجسد التنظيمي الموجود في مصر، أو خارجها، شهد الكثير من الانشقاق وتجميد العضوية، فهو تنظيم شبه مفكّك، حتى الاجتماعات الدورية التي تتمّ بين أعضائه لا تتمّ بالشكل ذاته.

ويعتبر سلطان أيضاً أنّ الخطابات والخطابات المضادة تعكس أنّ محاولات المصالحة قد فشلت.

اقرأ أيضاً: منظمات الإخوان تكثف نشاطها في أمريكا.. ما سر التوقيت؟

وردّاً على سؤال حول "الملف المالي" وموقعه في الأزمة وإمكانيه حسمها من خلاله، يقول سلطان: "إنّ الملف المالي هو الذي ساهم في ترجيح كفة القيادات التاريخية في الخلاف الشهير الذي حصل بداية أيار (مايو) 2015 مع القيادات الشبابية، أو جبهة محمد كمال، عبر التكتيك الشهير في الجماعة، من قطع الدعم المالي عن معارضيها؛ وبالتالي تركيعهم؛ لكي يضطرّوا للخضوع لهذه القيادة، والاستجابة للطلبات التي طلبتها منهم".

اقرأ أيضاً: "محاضن التربية" عند "الإخوان المسلمين"

وعلى ذكر أزمة 2015 التي تطرّق إليها حسين في خطابه، يُعلّق سلطان بأنّ الخطاب حمل تدنيساً ومحاولة للتنصل من المسؤولية، وهي الانجرار بالجماعة نحو العنف، يقول: "إنّ ادعاء حسين تصدّي مجلس شورى الإخوان لتحويل مسار الجماعة في 2015 مغالطة، فالتوجه إلى العنف تمّ بناء على موافقة الجماعات التاريخية في جماعة الإخوان، واللجنة التي شرعنت العمل المسلح اختيرت وانتخبت من مجلس الشورى العام في الاجتماع الذي عقد بشكل سرّي في شباط (فبراير) 2014؛ ممّا جرّ على الجماعة مشكلات أكبر".

ويضيف: "إنّ الجماعة ورّطت نفسها، وتصوّرت أنّ خطة العنف ستنجح خلال عام واحد، عبر خطة الإنهاك والإرباك، ثم الحسم، وكلّ مرحلة منها تستغرق (6) شهور؛ أي إنّه بحلول منتصف 2015 تبدأ مرحلة الحسم، غير أنّ ذلك فشل بصمود قوات الأمن المصرية، ونجاحها في التصدّي لجماعات العنف".

ويشير إلى أنّ اللجنة الإدارية برئاسة كمال كانت مسؤولة عن إعادة صياغة اللائحة التنفيذية لجماعة الإخوان، وضمنياً كان يقتضي ذلك تنحية القيادات التاريخية للجماعة، محمود حسين، ومن هنا اندلع الصراع الذي نشأ على أمرين؛ الأوّل: من له الحقّ في إدارة الجماعة، والثاني: التعامل الأمني الذي كان فوق ما توقعته الجماعة.

اقرأ أيضاً: علماء الإخوان ينحازون إلى منير... هل ينصاع حسين وموالوه؟

وحول استناد حسين إلى مجلس الشورى في خطابه، يقول سلطان: "ما تبقى من مجلس الشورى (23) عضواً تقريباً، بعد وفاة البعض وسجن آخرين، وذلك من مجمل (117) عضواً، الارتكاز عليه باعتباره الهيئة الوحيدة الباقية المنتخبة، بعدما حُلّت اللجان الإدارية العليا، فالكلّ الآن يعوّل على قرارات مجلس الشورى العام، غير أنّ ذلك المجلس لن يحسم شيئاً، فلم يصدر بيان واحد موقّع من أحد قياداته يعلن بشكل صريح دعم أحد الجبهتين؛ ومن ثمّ يُتوقع أن يستمرّ هذا الخلاف إلى حين آخر، وقد يستمر لأعوام، وربما تنتهي إلى (3) أو (4) جماعات، كما في تجربة الأردن والجزائر.

الصفحة الرئيسية