عندما يكون الموت في أقبية التعذيب أقصى الأمنيات

عندما يكون الموت في أقبية التعذيب أقصى الأمنيات

مشاهدة

26/06/2018

عندما تسأل محرّك البحث "جوجل" عن ضحايا تحت التعذيب، فإنّ جلّ إجاباته سوف تتضمن "النظام السوري"، وهذا ليس مستغرباً، وإن كانت الثورة السورية، والمحنة التي مرّت وتمرّ بها سوريا حالياً، قد أخرجت وفضحت فظاعة ما يحصل داخل المعتقلات السورية، لكنّ النظام السوري، منذ الأسد الأب، معروف بجرائمه بحق المعتقلين في سجونه، وتفنّنه في اختراع وابتكار أساليب تعذيب جسدي ونفسي، لا تخطر ببال الشيطان نفسه.

في درعا، منذ سبعة أعوام وأكثر، اشتعل الغضب في نفوس الأهالي بسبب أساليب التعذيب الوحشية التي استخدمت بحقّ أطفال كتبوا على جدران المدارس عبارات مناهضة للأسد، فخلعت أظافرهم، واعتدي عليهم، ومنهم من لم يتحمل جسده الصغير فقضى تحت التعذيب، واسم الطفل "حمزة الخطيب" سيبقى شاهداً على ذلك، طالب الأهالي حينها بالاقتصاص من المسؤول، لكنّ ذلك لم يحدث طبعاً؛ بل استُهزِئ بهم وبمطالبهم وبأرواح أولادهم، فاشتعلت درعا غضباً...

"جريمة العصر"

اسم أطلق على فضيحة الصور التي سرّبها "قيصر"، اسم مستعار، رئيس قسم الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية المنشق، في آذار (مارس) 2015، وبلغ عددها قرابة 55 ألف صورة لأكثر من 11 ألف ضحية.

نعم، اضطرّ ذوو كلّ معتقل أن يدقّقوا في صور لوجوه أموات مشوّهة، باحثين فيها عن ملامح أزواجهم أو أبنائهم أو إخوانهم، وبالفعل كثيرون وجدوا، للأسف، من يبحثون عنه، لتختلط المشاعر حينها؛ هل يفرحون بأنهم أخيراً عثروا على ذلك المفقود المختفي منذ أعوام ربما، أم يحزنون لموته، أم تعتصر قلوبهم ألماً وقهراً على تلك الصورة الأخيرة التي ستبقى مطبوعة في خيالهم عن ذلك المفقود!!

كتب معتقلون سابقون عشرات الكتب عن السجن سردوا فيها تجاربهم المؤلمة ومن أهمها "تدمر شاهد ومشهود"

"كلّ ما كنت أريده بشدة أن أموت بهدوء"... "كانوا يعاملوننا كالحيوانات"... "كنت أرى الدماء تسيل بغزارة كالنهر"... "لم تكن لديهم أية مشكلة في أن يقتلوننا"... "سبعة أشخاص توفوا خنقاً حين توقفت أجهزة التهوئة عن العمل"... "بدؤوا يركلوننا ليروا من منا ما يزال على قيد الحياة، وطلبوا مني ومن الناجين أن نقف، وعندئذ أدركت أنني كنت أنام بجوار سبع جثث.."

عبارات يمكن أن تعتقد أنك سمعتها في أحد الأفلام أو المسلسلات، لكنّها واقع يعيشه آلاف، بل عشرات الآلاف، الشهادات الموثقة لا تعدّ ولا تحصى، أساليب التعذيب المروّعة تكاد تكون خيالية، لا يمكن لشخص عادي أن يكمل الاستماع لشهادة معتقلة في تلك السجون، فقصتها أشبه بأفلام الرعب، رعب مختلط بالقهر والعجز.

مسالخ بشرية!

صناعة الموت في السجون السورية ليست مرتبطة بالثورة السورية، فسجنا صيدنايا وتدمر، أحد أكثر السجون العسكرية إرهاباً ووحشية.

سجن تدمر؛ الذي كتب على أبوابه "الداخل مفقود والخارج مولود"، يعدّ أحد أكبر سجون سوريا، وأسوأها على الإطلاق، في هذا السجن، يمتلك الحراس صلاحيات مطلقة، يقتلون أيّ معتقل برصاصة، أو يعذبونه حتى الموت، دون إبداء أيّ سبب، خصِّصت لضحاياه مقبرة في منطقة وادي عويضة، تلقى فيها جثث السجناء، فرادى أو مجموعات.

سجن "لؤلؤة الصحراء"؛ الذي يبعد نحو 200 كيلومتر شمال شرقي دمشق، يقع في قلب بادية الشام بتدمر، حولته جرائم النظام لعاصمة المعتقلات والتعذيب على مدار خمسين عاماً.

"القوقعة"للروائي مصطفى خليفة من أهم ما كتب في أدب السجون السورية وهو مسيحي اعتُقل بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان! 

يصنف بأنه الأسوأ بين عشرة معتقلات على مستوى العالم، متقدماً على سجن "كارانديرو" البرازيلي، و"بيتالك" الروسي، و"كوانغ بانغ" التايلندي، وتعدّه منظمة العفو الدولية مرادفاً "للوحشية واليأس واللاإنسانية".

وبحسب موقع "كريمينال جاستيس ديغري هاب"، الذي أعد قائمة أسوأ السجون في العالم؛ "في سجن تدمر سالت الكثير من الدماء وراء قضبانه، ولو أحرق فلن تطهّر نيرانه روح الصحراء التي سلبت آلاف الأرواح ظلماً."

وكتب معتقلون سابقون عشرات الكتب عن السجن، سردوا فيها تجاربهم المؤلمة، ومن أهم هذه الكتب: "تدمر شاهد ومشهود"، الذي أصدره المعتقل الأردني سليم حماد، الذي اعتقلته المخابرات السورية في التسعينيات، عندما كان يدرس في إحدى الجامعات السورية، وقضى 11 عاماً قبل أن يطلق سراحه.
وكتاب "عائد من جهنم" الصادر عام 2012، من أهم ما صدر عن سجن تدمر، كتبه اللبناني علي أبو دهن، الذي قضى 13 عاماً في السجن، منذ اعتقاله في مدينة السويداء عام 1987.

اقرأ أيضاً: "داعش" يضع مدونة سلوك لتهذيب التعذيب!

وكتاب "من تدمر إلى هارفارد.. رحلة سجين عديم الرأي"، ألّفه الدكتور البراء سراج، الذي قضى 12 عاماً في السجون السورية، ويؤكّد فيه أنه يعدّ نفسه محظوظًا؛ لأنه شاهد عشرات عمليات الإعدام وكان يتوقع مع كل دفعة تساق إلى الإعدام أن يأتي دوره.

ورواية "القوقعة" من أهم ما كتب في مدونة أدب السجون السورية، كتبها الروائي مصطفى خليفة، وهو "مسيحي" اعتقلته مخابرات نظام الأسد بتهمة "الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين"!

خليفة الذي قضى عشرة أعوام في السجن دون أن يعرف التهمة الموجّهة إليه، يتحدث في "القوقعة" عن يوميّات شاب أُلقي القبض عليه لدى وصوله إلى المطار عائداً إلى وطنه سوريا من فرنسا، بعد الانتهاء من دراسة الإخراج السينمائي.

وعام 2015، قام تنظيم داعش الإرهابي بتفخيخ السجن وتفجيره، بعد سيطرته عليه بعشرة أيام، ليدفن بذلك أكبر دليل على إجرام نظام الأسد، الأب والابن.

وسجن صيدنايا ليس بأقل وحشية، فقد قالت المنظمة الحقوقية في تقريرها، وعنوانه "مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا": إنه "بين 2011 و2015، كلّ أسبوع، وغالباً مرتين أسبوعياً، كان يتم اقتياد مجموعات تصل أحياناً إلى خمسين شخصاً إلى خارج زنزاناتهم في السجن وشنقهم حتى الموت"، مشيرة إلى أنّه خلال هذه الأعوام الخمسة: "شُنق في صيدنايا سرّاً 13 ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين الذين يعتقد أنهم معارضون للحكومة."

ضحايا الموت تحت التعذيب والمعتقلون المغيّبون قسرياً وأهلهم يستحقون منا أكثر من مجرد يوم نؤازرهم فيه

اليوم، باتت فروع أمنية منتشرة في شتى أنحاء سوريا، أكثر وحشية من هذين السجنين، وما يحدث في أقبيتها، والأرواح التي تزهق فيها بإجرام يتخطى حدود الخيال، لا يستثني امرأة أو طفلاً أو عاجزاً أو مقعَداً؛ لأن الوحوش التي تعذب في تلك السجون لا تستطيع التمييز بين هؤلاء.

قضية المعتقلين السوريين لا يمكن لأحد حصرها في سطور مهما حاول، الأمهات المعتقلات مع أبنائهنّ، الأم التي تنتظر أن يخرج أحد أبنائها المعتقلين، الأسرة التي تنتظر خبراً عن والد خرج ولم يعد، ذلك الإجرام الصامت في تلك الأقبية يكاد يفوق إجرام البراميل المتفجرة، فهؤلاء لا أحد يعرف كيف ماتوا؟ وهل هم أموات فعلاً؟ هل من بصيص أمل لهم في الموت؟! نعم الموت لأنه أقصى أمانيهم في حالتهم تلك.

ضحايا الموت تحت التعذيب، والمعتقلون المغيّبون قسرياً، وأهلهم وذووهم، يستحقون منا أكثر من مجرد يوم نؤازرهم فيه، ونقف إلى جانبهم، فهذه المسألة تتعلق بالآلاف في السجون الديكتاتورية، السورية وغيرها.

الصفحة الرئيسية