سياسيون تونسيون: "الإخوان" جوّعوا الشعب وأفقروه

سياسيون تونسيون: "الإخوان" جوّعوا الشعب وأفقروه

مشاهدة

27/01/2021

"ثورة جديدة"، أو "ثورة تصحيح مسار"، أو "ثورة جياع"، جميعها تسميات اُطلقت على التحركات الجديدة للشباب التونسيّ، الذي عاد غاضباً إلى الشارع، لتجديد المطالب نفسها التي رفعها على امتداد الأعوام العشرة الماضية، مع إضافة مطلبٍ جديدٍ، بإسقاط المنظومة الحالية كاملةً، كشكلٍ من أشكال التصعيد، ردّاً على تمادي الحكومات المتعاقبة وأحزابها السياسية، في مقدمتها حركة النّهضة الإسلامية، في تجاهل مطالبهم، ومضيّهم في سياسة التهميش والتجاهل.

اقرأ أيضاً: وفاة متظاهر تؤجج الاحتجاجات في تونس... ما الجديد؟

وتعيش تونس، منذ الأسبوع الماضي، على وقع تحرّكات احتجاجية عنيفةٍ بالليل، تخلّلتها أعمال شغب وسرقة ببعض الأحياء، ومواجهات مع الأمن، فضلاً عن حراك يوميّ في بعض المحافظات والأحياء الفقيرة، ووسط العاصمة، تقوده مجموعة من الشباب، الذين دفعهم الشعور بالغضب والظلم إلى الخروج إلى الشارع.

حراك شعبي تصعيدي أرجعه محلّلون للشأن التونسي إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، في مقدّمتها: تردّي الأوضاع الاجتماعية، وتراجع مستوى العيش مقابل ارتفاع نسب البطالة والفقر، فضلاً عن تأزم الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب تآكل الطبقة السياسية وانخراطها في معارك جانبية دون إدراك البؤس الذي غرقت فيه العائلات الفقيرة، وما سبّبه لها وباء كورونا.

ردٌّ على سياسات التجويع والتفقير

شتاء "ساخن " ليس ككلّ "شتاءات تونس"، منذ ثورة يناير 2011، حيث تحوّل الاحتجاج الموسمي طقساً سنوياً للتذكير بمطالب الشباب المنتفض، غير أنّ تحرّكات هذا العام تتميز عن سابقاتها بالنظر للعديد من المعطيات، منها؛ توسّع فيروس كورونا، ما تسبّب في ارتفاع معدلات البطالة و"احمرار" كلّ المؤشرات الاجتماعية.

الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس باتت عامل مضاعفة للارتدادات الاجتماعية، وتوقعات بانفجار تحركات جديدة خلال الأيام القادمة لتصحيح مسار الاحتجاجات الماضية

وتعدّ أغلب المناطق التي خرجت منها التحركات الليلية مهمّشة، وترتفع فيها نسب البطالة، وتوجد فيها فئات عمالية أوضاعها هشّة، كعمّال البناء والمقاهي وغيرهم، وأغلب هؤلاء دون عمل حالياً بسبب الحجر الصحّي الشامل. كما تشير أغلب الدراسات الاجتماعية إلى أنّ فئة الشباب تعاني من التمييز الاجتماعي، وأنّه سيكون هناك انفجار اجتماعي، بعد تسجيل 8 آلاف حركة احتجاجية سنة 2020، وهو ما أكده الباحث في علم الاجتماع سامي نصر.

الباحث في علم الاجتماع سامي نصر

وحذّر نصر، في تصريحه لـ "حفريات"، من تحرّكات شعبية جديدةٍ في قادم الأيام تهدف لتصحيح مسار هذه الاحتجاجات التي وُصفت بأعمال شغب، وبأنّها غير مؤطرة ولا تحمل شعارات واضحة، مستنجداً بمقولة "حذارٍ من الشعوب عندما تفقد ما كانت تخاف من خسارته"؛ لأنّ الشباب الذي خرج للاحتجاج مؤخراً لم يعد لديه ما يخسره، وهو ما قد يجعل انتفاضته أكثر شراسة.

اقرأ أيضاً:  تونس... هل أضاعت "لحظتها التاريخيّة"؟

الباحث في علم الاجتماع أضاف أيضاً: "الشباب التونسيّ يعيش انتكاسة بسبب خيبة الأمل التي سببتها له الأحزاب، التي لم تفِ بوعودها الانتخابية تجاهه"، مشدّداً على أنّ "البطالة والفقر لهما الدور الأكبر في ارتفاع منسوب الغضب في الشارع التونسيّ".

المحلل السياسي التونسي محمد بوعود لـ"حفريات": حركة النهضة جربت الحكم بطرق مختلفة لعشرة أعوام لكنّها ما تزال تعيد الأخطاء نفسها

ورأى نصر أنّ تعمّق الإحساس بالفشل، منذ 2011، والمسّ بحياة التونسي عبر القرارات والإجراءات التي أضرّت به أكثر من جائحة كورونا نفسها، فاقمت من تأزم أوضاعه الاجتماعية التي طالت سبعين بالمئة من العائلات التونسية.

كذلك، يعاني بعض المتظاهرين الشباب مشكلة التسرّب المدرسي الذي يطاول مئة ألف شابّ كلّ عام، وبعد إغلاق شامل للمدارس، من آذار (مارس) وحتى الصيف، لا يتلقى الطلاب دروساً إلا بمعدل يوم واحد كلّ يومين، الأمر الذي يزيد الوضع سوءاً في الأحياء الأكثر تهميشاً.

اقرأ أيضاً: نائب تونسي يشن هجوماً على النهضة الإخوانية.. ماذا قال؟

وكان المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية تُعنى بمتابعة الحركات الاجتماعية) قد رأى أنّ التعبيرات الغاضبة وخروج مجموعة من التونسيين إلى الشارع هي "ترجمة لما تعرضت وما تزال تتعرض له هذه الفئات الواسعة من عنف وعقاب جماعيّ، ووصم واستمرار لسياسات الإقصاء والتفقير والتجويع"، وندّد المنتدى بما اعتبره رفض الدولة للاعتراف الفعلي بحقوق كلّ الأفراد، وبمبدأ تساويهم أمام القانون، مشيراً إلى أنّ مبدأ المساواة أمام القانون في تونس" شكليّ" ولا يكترث  لحقوق التونسيين الاقتصادية والاجتماعية.

وضع اقتصاديّ متأزّم

وتأتي هذه الاضطرابات بعد عشرة أعوام من قيام الثورة التونسيّة التي أطاحت نظام بن علي، بسبب تهميش الشباب، وغياب الديمقراطية في تسيير الدولة، غير أنّ آمال التونسيين في إحداث التغيير على المستوى الاجتماعي والاقتصادي قد خابت، ما جعل عدداً مهمّاً منهم يحنّ إلى فترة حكم بن علي.

وتراجعت منذ الثورة نسبة النموّ، من (3%) سنة 2010 إلى (-6%) (سلبي) خلال سنة 2020، والوضع نفسه بالنسبة إلى نسبة التضخم، التي قفزت من (4.4%) خلال الثورة، لتبلغ سنة 2018 أعلى نسبة منذ 1990 وهي (7.8%)، وتستقرّ حالياً على (4.9%).

اقرأ أيضاً: هل تتحول الاحتجاجات التونسية إلى حرب أهلية؟ وما علاقة حركة النهضة الإخوانية؟

كما ارتفع عجز الميزانية وتضخّم حجم المديونية، خاصة الخارجية، فتجاوزت نسبة 70%، بما بات يهدّد السيادة الوطنية، فيما تراجعت نسب الاستثمار، خاصة الأجنبيّ، رغم مجلة الاستثمار الجديدة وتواصل تدهور سعر الدينار التونسيّ، مقارنة بأهمّ العملات الأجنبية، حيث يبلغ سعر الأورو حالياً 3.3 دينار مقابل 1.8 دينار خلال سنة الثورة، ويبلغ سعر الدولار حالياً 2.7 دينار تونسي مقابل 1.2 خلال 2011.

تبعاً لذلك؛ حذّر صندوق النقد الدولي، مؤخراً، تونس من عجز مالي غير مسبوق في الميزانية، والذي قد يرتفع إلى أكثر من (9%) من الناتج المحلي الإجمالي، حاثاً إياها على ضبط كتلة الأجور ودعم المخصص للطاقة والتحويلات إلى الشركات العامة.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصاديّ، صادق جبنون، أنّ الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس باتت عامل مضاعفة للارتدادات الاجتماعية، خصوصاً أنّ 63% من المؤسسات الاقتصادية أعربت عن استعدادها لتسريح العمال.

الخبير الاقتصاديّ، صادق جبنون

وقال جبنون، في تصريحه لـ "حفريات": "تونس تعاني من أزمة هيكلية منذ أكثر من ثلاثين عاماً؛ لأنّ اقتصادها يقوم على اليد العاملة الرخيصة، والعملة الضعيفة، وغياب القيمة المضافة المرتفعة، إلى جانب عدم توافق المنظومة التعليمية مع سوق الشغل ومتطلباته، وهو ما أفضى إلى تسجيل نسب نموّ من ضعيفةٍ إلى متوسطة"، مضيفاً أنّ "تونس بلد منفّرٌ للاقتصاد، بسبب البيروقراطية التي يواجهها المستثمرون، إلى جانب غياب الحريات الاقتصادية واعتماد قوانين تعود إلى العهد السوفييتي".

الطبقة السياسيّة تتآكل

بالتزامن، عاد السجال بين السياسيين التونسيين حول شكل هذه الاحتجاجات وتوقيتها الليلي ودوافعها، وسط تبادل اتهامات بوجود أطراف سياسية بعينها هي التي تحرّك الشارع، وهو ما أدخل تونس أتون أزمة سياسية شاملة، تمدّدت من الحكومة، لتشمل البرلمان وغيره من مؤسسات الدولة.

واتهم بعض النواب، بينهم النائب اليساري منجي الرحوي، حركة النهضة، بالتسبب في الغضب الشعبي الذي يعيشه الشارع التونسي حالياً، لأنّها الوحيدة التي لم تخرج من الحكم، منذ عام 2011، وقال إنّ "الإخوان المسلمين جوّعوا الشعب التونسي وأفقروه خلال الأعوام الماضية".

اقرأ أيضاً: من يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في تونس؟

ويرى المحلل السياسي، محمد بوعود: أنّ "التطاحن السياسي والمعارك التي لا تنتهي بين الأحزاب السياسية، زادت من حدّة الاحتجاجات، خاصةً لدى الشباب الغاضب الذي ازداد حقداً وكرهاً لطبقة سياسية لا تمثله، لأنّه بات يشعر أنّها لا تعمل لصالحه، ولا تفكّر بمستقبله، بقدر التفكير في تصفية حساباتها، رغم أنّها وصلت إلى السلطة بفضله".

المحلل السياسي، محمد بوعود

ولفت بوعود، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ تونس توشك على الإفلاس، ومع ذلك تتواصل الخلافات بين الأحزاب، وهو ما أعطى انطباعاً للشعب التونسي بأنّ آخر ما يفكر به السياسيون هو إخراجه من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي وضعوه فيها.

المحلل السياسيّ أشار، في السياق ذاته، إلى أنّ حركة النّهضة حمّلت نفسها مسؤولية التحرّكات الأخيرة، قبل أن يحمّلها إياها الشعب التونسي، كما اعتبرت نفسها معنية، وأنّها ضدّها، وهو ما دفعها إلى التهديد بإنزال قواعدها لمساعدة قوات الأمن، وهو ما أثار غضب المحتجين.

وقال بوعود: "الحركة تشعر أنّها مهدّدة، لأنّ حكومة المشيشي هي في الحقيقة حكومتها في الظلّ"، لافتاً إلى أنّها جرّبت السلطة بطرق مختلفة لعشرة أعوام متواصلة، لكنّها ما تزال تعيد الأخطاء نفسها بالتجارب نفسها".

الصفحة الرئيسية