زواج القاصرات في مصر.. كيف يتحايل المجتمع على الشرع والقانون؟

زواج القاصرات في مصر.. كيف يتحايل المجتمع على الشرع والقانون؟

مشاهدة

28/01/2021

"زواج القاصرات، زواج الأطفال، الزواج المبكر".. جميعها مسميات لجريمة مكتملة الأركان يعيشها المجتمع المصري، يشارك بها الأهل وبعض الأئمة والمحامين، لتترك آثاراً قاسية على الضحية التي لم تبلغ السن القانوني بعد، فضلاً عن تبعاتها الكارثية على مستوى الدولة، سواء اقتصادياً أو اجتماعياً أو إنسانياً.

الجدل الذي لم ينته يوماً في مصر حول هذه الظاهرة تصاعد خلال الأيام الماضية مع كشف نائب وزير الصحة المصري لشؤون السكان، طارق توفيق، أنّ مصر تستقبل 200 ألف مولود كل عام، نتيجة لزواج القاصرات، وهو ما يُمثّل ظاهرة لها مشكلات صحية واقتصادية واجتماعية لا حصر لها.

مصر تستقبل 200 ألف مولود كل عام، نتيجة لزواج القاصرات

وقال توفيق ، خلال لقاء تلفزيوني عبر فضائية "إكسترا نيوز"، أمس الأربعاء، إنّ زواج القاصرات يُعدّ نوعاً من أنواع العنف غير المبرر، لافتاً إلى أنّ الظاهرة تؤدي إلى زيادة العمر الإنجابي للسيدة.

وتابع مشيراً إلى مشروع قانون في مصر يُجرّم زواج الأطفال دون سن الـ 18 عاماً، إضافة إلى عقوبة على كل من ولي الأمر والزوج والمأذون، مشدّداً على أهمية وجود تحرّك مجتمعي إلى جانب التشريعي.

 

نسبة إقدام الفتيات القاصرات على محاولة الانتحار خلال الأعوام الـ 3 الأخيرة ارتفعت كثيراً،  جراء سوء المعاملة اللاتي يتعرضن لها من قبل الأهل أو الأزواج

 

ولفت نائب وزير الصحة إلى "أهمية نبذ المجتمع لهذه الظاهرة المؤذية والتي لا معنى لها صحياً واجتماعياً"، موضحاً أنّ مشروع القانون موجود في البرلمان ومجلس الشيوخ، وفق ما نقلت صحيفة "الشروق".

ويدرس البرلمان والشيوخ مشروع قانون مقدم من وزارة العدل حول تجريم الزواج المبكر، الذي يعتبره القانون الجديد إحدى جرائم العنف ضد المرأة، ويُقرّر عقوبة السجن لأكثر من7 أعوام والغرامة لكل من اشترك بالجريمة سواء المأذون أو أحد أقارب الضحية أو أقارب الزوج، وكذلك أئمة المساجد الذين يقومون بتزويج القاصرات.

اقرأ أيضاً: زواج التجربة.. مبادرة للحدّ من الطلاق تثير موجة من الجدل في مصر

ويُعاقب القانون المُطبّق حالياً، والد الطفلة بالحبس لعام واحد، وغالباً لا يتم تنفيذ العقوبة لأنّ الزيجة تكون سرية أو يتم التصالح فيها، كما أنّ الأحكام الصادرة في قضايا الجنح يندر تفعيلها على أرض الواقع لتشعب الثغرات القانونية التي يستثمرها المحامون لإفلات الآباء من السجن، ما ساعد على تنامي الظاهرة أمام استخفاف الأسر بالعقوبة.

ظاهرة قديمة جديدة

ولا تعدُّ هذه الظاهرة جديدة على المجتمع المصري؛ فقد أظهرت دراسة أعدّها المجلس القومي للمرأة، وهي جهة حكومية مصرية، أنّ عدد حالات زواج الفتيات الذي تمّ دون السن القانونية (18 عاماً) بلغ أكثر من 170 ألف حالة خلال العام الماضي، و64 بالمئة من هذه الزيجات انتهى بالفشل، ما خلّف 26 ألف طفل يعانون من التفكك الأسري نتيجة طلاق الوالدين.

 وزير الصحة المصري لشؤون السكان، طارق توفيق:  زواج القاصرات يُعدّ نوعاً من أنواع العنف غير المبرر

كذلك وصل عدد الدعاوى القضائية لإثبات الزواج إلى 14 ألف حالة، معظمهم أنجبوا أطفالاً من تلك الزيجات، ثم أنكروها.

وأفاد الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري بأنّ معدلات زواج القاصرات بلغت 117.220 حالة زواج لفتيات تحت سن 18 عاماً خلال العام 2019.

ليس للزوجة القاصر حقوق مادية عند زوجها إن انفصلت عنه قبل بلوغها السن القانونية، حتى المحاكم ترفض قبول دعواها لأنّ الزيجة أصلاً مخالفة للقانون

كما أنّ نسبة إقدام الفتيات القاصرات على محاولة الانتحار خلال الأعوام الـ 3 الأخيرة ازدادت كثيراً، جراء سوء المعاملة التي يتعرضن لها من قبل الأهل أو الأزواج.

وتكشفت الدراسة عن أنّ هناك بلاغات ينتظرها القضاء والنيابة العامة، بسبب المطالبة بإيصالات الأمانة التي وقّع عليها الزوج مقابل الزواج من الفتاة، يتولى صياغتها عدد من المحامين المتخصصين في تلك الزيجات، خصوصاً في القرى والأرياف، حيث يتم التوقيع على إيصال أمانة كحق للفتاة في حال الانفصال قبل عقد الزواج الرسمي بعد سن الـ 18.

تحايل على القانون

ورغم تجريم القانون المصري لزواج الفتيات دون بلوغ السن القانونية، وإصدار دار الإفتاء المصرية فتوى رسمية تفيد بأنّ زواج القاصرات حرام شرعاً ومخالف قانوناً، لأنّه يؤدي إلى الكثير من المفاسد والأضرار في المجتمع، إلّا أنّ تحايل المجتمع بمساعدة بعض رجال الدين والمحامين يأخذ العديد من الأشكال لإتمام زواج الفتاة القاصر.

اقرأ أيضاً: السودان يحظر الزواج دون الـ18 عاماً... ما علاقة الإخوان؟

وفي تصريحات لليوم السابع، يقول محمد العوامي، المحامي بالنقض والمهتم بقضايا المرأة والطفل، إنّ حالات زواج القاصرات التي تُعد بمثابة اغتصاب للطفولة، تتنامى في المجتمع المصري رغم أنّ الدولة المصرية كانت من أوائل الدول الأفريقية التي حدّدت سن الزواج عند بلوغ الفتاة 18 عاماً كاملة.

أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى رسمية تفيد بأنّ زواج القاصرات حرام شرعاً ومخالف قانوناً

ومن أشهر أشكال التحايل، هو إتمام الزواج بصيغة عرفية (دون توثيق)، وذلك عبر عقد القران شفهياً أمام أسرة الزوجين في دور المناسبات أو المساجد، ويتم ذلك غالباً بتواطؤ مأذون شرعي لمباركة تلك الصفقة، وهو ما يُطلق عليه اسم "زواج السنة"، أمّا الشكل الثاني للتحايل فيتمثل بتزوير أوراق رسمية للفتاة القاصر تثبت أنّها قد بلغت السن القانونية للزواج.

اقرأ أيضاً: زواج القاصرات يُهدر أحلام ملايين الفتيات في الصومال

والميزة المهمة في قانون تجريم زواج القاصرات الذي يتم تدارسه من قبل الجهات التشريعية في مصر، هي أنّ المأذون الشرعي نفسه أصبح مهدداً بالسجن وخسارة الوظيفة إن شارك بالفعل، بحكم أنّه الأساس الذي تقوم عليه الزيجة ومن دونه لا تكتمل، حيث يحصل على مبالغ مالية نظير تزوير الأوراق الرسمية والتساهل مع صغر سن الفتاة وتسجيل العقد في مؤسسات رسمية بعد بلوغ الطفلة عمر 18 عاماً.

 

أغلب الأسر والعائلات التي زوجت بناتها وهن قاصرات، ذاقت ويلات كثيرة، غالباً ما تنتهي بالطلاق، مع إهدار حقوق الزوجة وأطفالها

 

ويرى داعمون لتجريم الظاهرة، أنّ إدراج المأذونين ضمن الفئات المُهدّدة بالسجن رسالة ترهيب قد تصل بمعدلات زواج الأطفال إلى الهاوية، فهم الحلقة الأهم؛ إذ يقومون باستخراج 3 نسخ من العقد، واحدة لعائلة الفتاة، والثانية لعائلة الشاب، والثالثة يتم إخفاؤها وتوثيقها بعد بلوغ البنت رسمياً كأنّها حديثة الزواج.

فستان الزواج كفن للموت!

وقد يكون السجن لـ 7 أعوام عقوبة كفيلة نسبياً لعزوف الغالبية عن السير في طريقة تزويج القاصرات، لكن هناك ترهيباً من نوع آخر، يمكن أن يكون أشد تأثيراً في تغيير قناعات الناس، بأن يتم تعريفهم بضياع حقوق كل فتاة تتزوج في سن صغيرة وإمكانية تنصّل زوجها منها في أي لحظة، طالما أنّ عقد الزواج غير موثّق.

اقرأ أيضاً: السلطة الفلسطينية تتجه إلى رفع سنّ زواج المرأة إلى 18 عاماً

فالزوجة القاصر ليس لها حقوق مادية عند زوجها إذا جرى تطليقها قبل بلوغها السن القانونية، حتى المحاكم نفسها ترفض قبول دعواها لأي سبب، ولا يكون لها نصيب في مسكن الزوجية، وإذا فكرت في المطالبة بالنفقة لا يتم الحكم لصالحها باعتبار أنّ أوراق الحكومة لا تعترف بأنها متزوجة من الأساس.

ويرى أحمد الفرشوطي، المتخصص في صحة البيئة والمجتمع، أنّ الأضرار العضوية والنفسية لزواج القاصرات كثيرة ومتعددة، خصوصاً أنّ القاصر لم يكتمل نموها العضوي بشكل كامل حتى وإن أخذت شكل الأنثى الكاملة؛ فمن المشكلات الصحية الأولى أمراض تمزق المهبل، وكثرة الإجهاض نتيجة عدم اكتمال نمو الحوض، وازدياد نسبة الإصابة بهشاشة العظام وفقر الدم، كذلك لعدم تأقلم الرحم لحدوث الحمل.

اقرأ أيضاً: الزواج العرفي في غزة: عقود خارج إطار القانون.. مَن ضحاياها؟

وأضاف أنّ كثيراً ما تسبّب الإجهاض المتكرر للقاصرات إلى الوفاة، مشيراً إلى أنّ العديد من التقارير المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية أكدت إصابة نسبة كبيرة من الأجنة الذين ولدوا من أمهات قاصرات بقصور في الجهاز التنفسي لعدم اكتمال الرئتين وإعاقات سمعية وشلل دماغي.

من جانبها، ترى هدى السعدي، من المجلس القومي للمرأة بمحافظة قنا بجنوب مصر، أنّ زواج القاصرات عنف موجّه ضد طفولة الفتيات، ينجم عنه أضرار نفسية وصحية بالغة للفتيات في هذه السن، مشيرة إلى أنّ مسؤولية تلك الجريمة تقع على عاتق أسرة كل فتاة قاصر لأنّهم لا يعلمون أنّ فستان زفافها يتحول إلى كفن للموت.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين

في حين قالت أحلام المعناوي، وهي ناشطة مجتمعية في الريف المصري، إنّ أغلب الأسر والعائلات التي زوجت بناتها وهن قاصرات، ذاقت ويلات كثيرة، غالباً ما تنتهي بالطلاق، مع إهدار حقوق الزوجة وأطفالها، لذلك فإنّ أكبر جريمة يُقبل عليها الأهل لفتياتهن في الصعيد تدور حول عادتين خاطئتين هما؛ الزواج المبكر والختان.

واصطدمت العديد من العائلات المصرية التي أقدمت على تزويج بناتها بسبب الفقر ورغبتهم في تحسين أوضاعهم المادية عبر المهر أو بهدف "سترة" الفتاة، اصطدمت بواقع مرير سببه الطلاق وإنكار الزوج لزوجته، ما يُشكل عبئاً مادياً إضافياً على عائلة الفتاة التي أقدمت على تزويجها بهذه الطريقة، فضلاً عن وصمها اجتماعياً بـ "المطلقة".

الصفحة الرئيسية