روسيا في سوريا: باقية وتتمدّد

روسيا في سوريا: باقية وتتمدّد

مشاهدة

24/06/2021

كل شيء تحت السيطرة. لا تقلق ما دامت روسيا في ظهرك. على هذا النحو يمكن للمراقب السياسي أن يفهم رسالة التطمين التي أوصلتها روسيا إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، في أعقاب القمة التي جمعت الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والأمريكي جو بايدن، في السادس عشر من الشهر الجاري، في مدينة جنيف السويسرية.

نائب رئيس وزراء الرئيس الروسي، يوري بوريسوف، أطلع الأسد على نتائج قمة الرئيسين "مشدداً على موقف روسيا المبدئيّ المبنيّ على الشرعية الدولية والالتزام بالقانون الدوليّ واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية"، حسبما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) مشيرة إلى أنّ الأسد بحث مع بوريسوف "التعاون الثنائي القائم خصوصاً على الصعيد الاقتصادي والاستثماري والجهود المشتركة لتوسيعه ليشمل مجالات إضافية خصوصاً التعاون في مجال الطاقة والتقنيات الحديثة والصناعة والزراعة، وتم تأكيد أنّ الديناميكية التي تتسم بها العلاقات بين البلدين تعطي المرونة لتوسيع آفاق التعاون بشكل دائم ومستمر".

الأسد يعرب عن ارتياحه

وأعرب الأسد عن ارتياحه للمستوى المتقدم الذي وصل إليه التعاون بين البلدين، وحرص سوريا على إنجاح الاستثمارات السورية - الروسية المشتركة والتي تلعب دوراً أساسياً في استمرارية وتوطيد التعاون المشترك وتعود بالنفع والمصلحة على الشعبين الصديقين. كما "أكد أهمية الاستمرار بالتشاور والتنسيق مع الحلفاء الروس والذين كانوا شركاء للسوريين في محاربة الإرهاب ووقفوا معهم سياسياً واقتصادياً لمساعدتهم في استعادة الأمن والاستقرار وتجاوز آثار الإرهاب الاقتصادي المفروض على المواطن السوري".

وكالة الأنباء التابعة للنظام السوري، لم تنسَ أن تذكّر بأنّ بوريسوف "هنّأ الأسد بمناسبة فوزه بالانتخابات الرئاسية، والشعب السوري على النجاح في إنجاز الاستحقاق الرئاسي، وأشار إلى أنّ المشاركة الشعبية الواسعة في هذا الاستحقاق أكدت إرادة الشعب السوري وإصراره على الصمود والتحدي رغم كل ما تعرض له من إرهاب وحصار".

تقدّم موسكو نفسها للعالم باعتبارها وليّة أمر النظام السوري، والأكثر حرصاً على مصالحه، وهو ما لا يمكن إخفاؤه في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف

وأهم ما أكده بوريسوف للأسد، هو "تميّز العلاقات السورية - الروسية واستعداد بلاده الدائم لتقديم الدعم لسوريا في المجالات كافة، بما يسهم في تخفيف الأعباء الناجمة عن العقوبات الاقتصادية الجائرة المفروضة عليها والمشاركة في إعادة الإعمار، إضافةً إلى عزمها توريد دفعات إضافية من لقاح (كوفيد – 19) إلى سوريا".

هذه الأنباء تؤكد أنّ التحالف بين روسيا والنظام السوري قائم ويتمدّد، بخلاف توقعات كثيرة قالت إنّ التحالف بين الطرفين سيتفكك قريباً، وإنّ موسكو ضاقت ذرعاً بممارسات حاكم دمشق.

لماذا تتخلى موسكو عن دمشق؟

وفي هذا السياق يطرح سؤال عن أسباب تخلي روسيا عن سوريا، ما دام النظام في الأخيرة يوفر كل ما يطلب منه، ويلبي الاحتياجات الروسية، ويؤمن لموسكو دوراً محورياً في المنطقة كانت افتقدته لزمن طويل؟

اقرأ أيضاً: صحفي سوري يكشف التداعيات السياسية للقصف الروسي لريف إدلب

وفي هذا السياق، تقدّم موسكو نفسها للعالم باعتبارها وليّة أمر النظام السوري، والأكثر حرصاً على مصالحه، وهو ما لا يمكن إخفاؤه في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال خلال مؤتمر صحفي عقب محادثات مع الأمين العام لـ"منظمة الأمن والتعاون" في أوروبا، هيلغا شميد، إنّ موسكو مستعدة لمناقشة الوضع الإنساني في سوريا مع الدول الغربية إذا أدركت "مجمل المشكلات الحقيقية القائمة هناك والمسؤولية التي تتحملها تجاهها".

اقرأ أيضاً: تقرير استخباراتي يكشف ممارسات إيران وروسيا وتركيا في سوريا

وأضاف لافروف، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط": "إذا تم الاعتراف بتأثير هذه العوامل على الوضع الإنساني في سوريا، فنحن على استعداد لمناقشة كل هذا بطريقة شاملة. لكن من أجل ذلك من الضروري أن يتخلى شركاؤنا الغربيون بشكل قاطع عن التفسيرات أحادية الجانب لهذه المشكلة أو تلك، وأن يعترفوا بمسؤوليتهم عن الوضع العام الذي تطور في المجال الإنساني في سوريا".

لافروف جزم بما لا يدع مجالاً للشك: الوضع الإنساني في سوريا "يتفاقم بفعل استمرار العقوبات الأمريكية واحتلال القوات الأمريكية غير الشرعي للضفة الشرقية لنهر الفرات"، ورأى أنّ "هناك نهباً للنفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى في سوريا، والعائدات تُستخدم لتمويل المشاريع التي يرى الكثيرون أنها تشجع على الانفصال وتحرّض على انهيار الدولة السورية".

اقرأ أيضاً: الأسد يستقوي بروسيا ويعطل المساعدات الإنسانية في شمال سوريا

ومَن كان لديه مثل هذا الحليف الذي يدافع عنه في كل المحافل الدولية، فبمقدوره أن يوهم نفسه بأنه نظام شرعي، وأنه جاء ثمرة لمخرجات صناديق الاقتراع، وبطريقة ديمقراطية تمثلت، وفق (سانا) في "المشاركة الشعبية الواسعة في هذا الاستحقاق".

ورغم أنّ هناك من يشير إلى أنّ الملف السوري كان "هامشياً" في قمة بايدن- بوتين، نظراً لثقل الملفات العالقة بين الطرفين، لكنّ النظر إلى السيطرة الروسية المطلقة على القرار في دمشق، يوحي باستمرار المواجهة بين موسكو ووواشنطن.

الاجتماع الدولي الخاص بسوريا

ويرجح مراقبون أن يكون الاجتماع المقبل الخاص بسوريا، بمشاركة 14 وزير خارجية من "السبع الكبار" ودول عربية وإقليمية، في روما في 28 من الشهر الجاري، أولَ إطلالة سياسية رفيعة المستوى لإدارة الرئيس جو بايدن على الملف السوري.

اقرأ أيضاً: هل تزود روسيا إيران بقمر صناعي خاص بالتجسس؟

ولا تقتصر أهمية الاجتماع، الذي يترأسه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، على كونه أول جهد سياسي مركّز من إدارة بايدن حول سوريا وحسب، بل إنّ هذه الخطوة تأتي، كما يقول المعلق السياسي السوري إبراهيم حميدي، في خضم انقسام فريق بايدن حول كيفية المضي قدماً بين "الواقعيين" الداعين إلى "نفض الأيادي" من هذا الملف السوري بخفض سقف التوقعات، والاكتفاء بملف الممرات الإنسانية "عبر الحدود"، ومحاربة "داعش" والملف الكيماوي، والنظر إليه باعتباره ملحقاً لملفات أخرى، خصوصاً الاتفاق النووي مع إيران، وبين آخرين يريدون رفع سقف الموقف الأمريكي أو الحفاظ على "حده الأخلاقي"، وممارسة الضغوط على موسكو ودمشق في ملفات سياسية وعسكرية في سوريا.

وعليه، يمكن وضع هذا الاجتماع ضمن التموضع بين الفريقين، حيث سيكون مغذياً للمراجعة الحاصلة في المؤسسات الأمريكية لتحديد السياسة السورية: أهدافها، أدواتها وجداولها.

هناك من يشير إلى أنّ الملف السوري كان "هامشياً" في قمة بايدن- بوتين

وكشف حميدي عن تواصل دبلوماسيين أمريكيين وأوروبيين، عبر الأقنية الدبلوماسية، مع عواصم عربية لنقل رسالة مفادها أنّ القيام بخطوات تطبيعية مع دمشق حالياً "غير مفيد"، وأنه لا بد من وضع "شروط وطلبات معينة" مقابل أي خطوة تطبيعية، تشمل التقدم في مسار الإصلاح وعمل اللجنة الدستورية، وإطلاق سجناء سياسيين، والسماح بعودة طوعية وآمنة للاجئين، إضافة إلى التزام وقف نار شامل في البلاد.

ويتوقع أن تستخدم روسيا حق النقض (فيتو) لدى بحث التمديد لقرار "المساعدات العابرة للحدود" في مجلس الأمن قبل انتهاء صلاحية القرار الحالي في 11 من الشهر المقبل، ما سيجبر واشنطن على التلويح بالعقوبات ضد روسيا التي تتعامل مع دمشق باعتبارها منطقة إستراتيجية مهمة للنفوذ والسيطرة، و"الابتزاز" السياسي إذا لزم الأمر.

موسكو توسّع قواعدها العسكرية في سوريا

وأفادت الأنباء الشهر الماضي أنّ موسكو توسّع قواعدها العسكرية في سوريا لتشمل خدمات جديدة لمعداتها الحربية وجنودها.

 وفي وقت يبرر الكرملين توسيع قواته في سوريا بمحاربة المتطرفين، هناك من يرى أنّ الأمر يتعلق ببحث روسي لتعزيز النفوذ في المنطقة أمام الضغوط الدولية التي تتعرض لها موسكو في أماكن أخرى، مثل أوكرانيا.

باحثة أكاديمية في جامعة أكسفورد: سوريا كانت حاسمة في إعادة وضع القوة العظمى لروسيا على الأقل على أساس نفوذ القوة العسكرية في المنطقة

وينقل تقرير لموقع "صوت أمريكا" أنّ موسكو توسع قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس السوري وتخطط لبناء رصيف عائم لتعزيز مرافق إصلاح السفن في الميناء.

ويشير التقرير إلى أنّ الخطوة الجديدة تأتي بعد أسابيع فقط من توسيع الجيش الروسي لأحد مدارج قاعدة حميميم الجوية التابعة له، ليضيف موطئ قدم عسكري له في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ويرى الإعلامي السوري أيمن عبد النور، في تصريح لموقع "الحرة" أنّ توسيع القاعدة ليس فقط جزءاً من الملف السوري، بل محاولة روسية للتخلص من الضغوط الأمريكية والأوروبية، معتبراً أنّ الهدف الروسي من توسيع التواجد في سوريا هو جعل المنطقة الممتدة حتى ليبيا تحت راداراتها وطائراتها العسكرية.

ووفق تقرير الموقع، يسمح توسيع قاعدة طرطوس للبحرية الروسية بتجنب إرسال السفن إلى المنشآت البحرية في البحر الأسود للصيانة.

ويصنف الجيش الروسي القاعدة كنقطة دعم مادي تقني لقواته وليس كقاعدة رسمية.

اقرأ أيضاً: تنافس روسي إيراني على الكعكة السورية... الأهداف والوسائل

ووقعت موسكو مع دمشق اتفاقاً يسمح لها باستعمال القاعدة مجاناً لمدة 49 عاما، ويمنح الكرملين ولاية قضائية سيادية على القاعدة. كما يسمح الاتفاق لروسيا بالاحتفاظ بعشرات السفن الحربية بما فيها العاملة بالطاقة النووية في القاعدة.

وترى ديانا غالييفا، الأكاديمية في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، بحسب "صوت أمريكا" أنّ سوريا كانت حاسمة في إعادة وضع القوة العظمى لروسيا على الأقل على أساس نفوذ القوة العسكرية" في المنطقة، بما في ذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط.

الصفحة الرئيسية