رسالة من المنسيّين.. من هم؟ وماذا جاء فيها؟

رسالة من المنسيّين.. من هم؟ وماذا جاء فيها؟

مشاهدة

12/04/2021

نحن من تطلقون علينا أسماء عدة: أطفال الجوع، أطفال النزوح، أطفال اللجوء، أطفال الخيم، أطفال الملاجئ، أطفال داعش، أطفال الحرب. حتى أننا نسينا أسماءنا، أما نحن فنطلق عليكم اسماً واحداً فقط: الحمقى، لماذا؟ لأنكم لو لم تكونوا كذلك، ما كنا حظينا بكل هذه الأسماء.

كثيراً ما تلفّقون الأكاذيب على ألسنتنا، لطالما سمعناكم تتحدثون عن لهفتنا إلى المدرسة، وإلى صفوفنا ومقاعدنا ومعلمينا ودروسنا، مع أنكم تعرفون جيداً أنّ المدرسة  بأسوارها العالية وصفوفها الباهتة هي بمثابة سجنٍ لنا، وحقيقة الأمر التي تتجاهلونها عمداً، أننا نشتاق فقط لأصدقاء المدرسة، واللعب في الاستراحات القصيرة.

دائماً ما تكتبون لنا وتكتبون عنا، وعندما نريد قول شيءٍ، كالعادة تقفون فوق رؤوسنا، وتملون علينا ما يجب كتابته

دائماً ما تكتبون لنا وتكتبون عنا، وعندما نريد قول شيءٍ، كالعادة تقفون فوق رؤوسنا، وتملون علينا ما يجب كتابته، وما يجب كتابته: هي رغباتكم وأمنياتكم الفارغة، فحين أردنا أن نكتب رسالة للعام الجديد، قمتم بتلقيننا أمنياتكم بالسلام والمحبة وانتهاء الحروب، وتاجر الجميع بها على ظهورنا الصغيرة، رغم أنّ أمنياتنا للعام الجديد كانت تتعلق بتفاصيل حياتنا اليومية التي باتت لا تعنيكم، وبأشياء أبسط مما تظنون.

اقرأ أيضاً: هل انتحروا أم هناك من قتلهم؟

بالتأكيد سوف تتساءلون لماذا قلنا عن رغباتكم وأمنياتكم أنها فارغة، حسناً، بما أننا نعرف أنكم كميّون ولا تعنيكم التفاصيل، لذلك سنحاول جمع الأجزاء، ونتحدث إليكم بلغة الأرقام التي تحبونها كثيراً، ما زلنا في الربع الأول من العام الجديد، وعدد من توفي بالجوع في العالم زاد عن ثلاثة ملايين إنسان، وعدد من يعاني من سوء التغذية قارب المليار، وعدد الأطفال الذين ماتوا دون سن الخامسة تجاوز المليوني طفل، وهذا جزءٌ فقط من حصيلة رغباتكم بالسلام والمحبة حتى الآن.

 وإذا أردتم أن نحدد لكم أكثر، ففي الشهر الماضي أكد ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في سوريا، أنّ أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة في سوريا، يعانون من التقزم نتيجة سوء التغذية المزمن، وأنّ عائلتين من كل ثلاث أسرٍ تبلّغان عن عدم قدرتهما تأمين احتياجاتهما الرئيسية، فبعد عشر سنواتٍ من الحرب هناك 90% من الأطفال السوريين بحاجة إلى المساعدة.

اقرأ أيضاً: ما معنى "نحن لا نحلّ ولا نربط"؟

المساعدة! لقد سمعنا بهذه الكلمة كثيراً، وانتظرناها طويلاً، لكننا تأكدنا أخيراً أنّها تشبه دروس حقوق الطفل في كتب المدرسة، التي كنا نظن أنها تتحدّث عن أطفالٍ في كوكبٍ آخر، كون هذه الحقوق لا تنتمي لواقعنا، وكذلك المنظمات والهيئات والمؤسسات الدولية التي تدافع عن حقوق الطفل، ربما أيضاً ترسل مساعداتها إلى نفس الكوكب، وإلا فأين تذهب هذه المساعدات التي لو وصلت حقاً، ما كنا على الأقل بين هذه الكلمات الآن؟

نحن نعرف أنكم تشاهدون صورنا، فهي تملأ جدرانكم وشاشاتكم وصحفكم ومجلاتكم، ونعرف أنها تجارة رابحة لكم تخدم صفقاتكم ومصالحكم، تتاجرون بها، تسيّسونها، وتنسونها بعد حين وتنسوننا معها، فصورنا المزدحمة تمحو بعضها البعض، ليختفي تحتها شيئاً فشيئاً ذاكرة الحس الإنساني لديكم، مثلما اختفت ذاكرة الطعوم في أفواهنا، لكن ما نريد إخباركم به هو أننا نضحك أمام كميراتكم، لأننا نمقت الشفقة المزيفة التي نراها في عيونكم اتجاه صورنا، صورنا التي تعطيكم فرصة نادرة، لتستمتعو للحظاتٍ بدفقٍ عاطفيّ يوهمكم بإنسانية مزيفة.

اقرأ أيضاً: ماذا نفعل بالوردة إذا كنا جائعين؟

ربما نتشابه معكم في الكثير من الأفعال، ولكن بالتأكيد نتائجنا مختلفة، مثلكم نحب البناء والهدم، فنحن نبني ونهدم ما بنيناه، ونحاول أن نكتشف ما يوجد داخل ألعابنا وماذا يحركها، ومع أننا لا نؤذي أحداً تسمون ذلك تخريباً، أما أنتم فتهدمون ما بناه غيركم وعلى رؤوسهم، وتسيلون دماءً وتهجرون شعوباً، ثم تدّعون إعمار العالم، ما يحدد اختلافنا أكثر، هو أننا نحن المخربون ننام بعمقٍ كلما ازداد صخب يومنا، أما أنتم المعمرون تحفلون دائماً بالمزيد من القلق والأرق على امتداد حياتكم.

نحن وأنتم نشترك بألعاب كثيرة، ولكننا بالتأكيد نختلف بالماهية، ففي لعبة الكرسي كل ما نفعله هو أننا ندور حولها، وعندما تتوقف الموسيقى نحاول الجلوس عليها، ليفوز واحدٌ منا بالكرسي، ونفوز جميعاً بالفرح، ثم نعيد اللعبة ونعيدها إلى أن نتعب، فندير ظهورنا للكرسي ونمضي دونها، أما أنتم فمن أجل الحصول على الكرسي والاستئثار بها، فإنكم تقتلون بعضكم بعضاً وتدمرون أوطاناً بأكملها.

نوصيكم أخيراً بأطفالكم، انتبهوا لهم واهتموا بهم، فقد خبرنا مرارة الخسارة والفقدان، وها نحن حفاة نبحث عن وطنٍ ولا نجده

وبينما نكون مستغرقين في لعبة البحث عن الكنز، قد يصادفنا عشٌّ للنمل ينسينا الكنز واللعبة، فمن السهل أن تخطف النملات مخيلتنا وتأخذنا إلى بيتها، هناك نتوه ونحن نخمّن شكل غرفه، وكيف يقضي سكانه وقتهم فيه، أما أنتم فتنسون حتى أنفسكم مقابل الحصول على كنوزكم التافهة، تلهثون، تتنافسون وتتسابقون، نحن مثلكم نتسابق لكننا نحدد خطاً ومن يصل إليه يكون الفائز، وفي النهاية نفوز جميعاً، أما أنتم فلا حدود لتسابقكم، ابتداءً من التسابق على التملك، مروراً بالتسابق على السلاح، إلى التسابق على قتلنا.

اقرأ أيضاً: ماذا فعلت بنا ثقافة الكمّ؟

في ختام رسالتنا نريد أن نطمئنكم: موائدكم الفاخرة التي كنا نراها على شاشات التلفاز ومواقع التواصل، لم تعد تشكّل لنا ألماً في المعدة كما السابق، فقد اختفت الطعوم من الذاكرة، الطعم الوحيد الذي نحاول الحفاظ عليه الآن، هو الخبز اليابس المبلول بالماء، كما ننصحكم أن تنتبهوا من البرد فلقد عايشناه طويلاً، تدفؤوا واختاروا فراءكم بعناية، وانعموا بحرارة مواقدكم، وإياكم أن تذهبوا للتخييم شتاءً، كي لا تفاجئكم السماء وتغوص أحذيتكم اللامعة في الوحل، نحن نتكلم عن تجربة، نوصيكم أخيراً بأطفالكم، انتبهوا لهم واهتموا بهم، فقد خبرنا مرارة الخسارة والفقدان، وها نحن حفاة نبحث عن وطنٍ ولا نجده.

الصفحة الرئيسية