رجال الدين في المقدمة... ما أبعاد تململ أركان الدولة في إيران؟

رجال الدين في المقدمة... ما أبعاد تململ أركان الدولة في إيران؟

مشاهدة

13/01/2022

تتجاوز الأوضاع الداخلية في إيران مجرّد الحديث عن أزمات اقتصادية أو احتجاجات عمالية أو فئوية؛ إذ نال الغليان من عضد النظام ذاته، وبات الأمر أقرب إلى تفكيك أو تفتيت يحدث في مفاصل نظام الملالي، الذي يقوم على ولاية الفقيه ورجال الدين في المقام الأوّل، ويحتل فيه القضاء رقماً حيوياً، ويُتّهم بأنّه آلية النظام لقمع المعارضين والمخالفين، وفي وقائع الإعدامات المتكررة دليل على ذلك، بحسب مراقبين ومنظمات حقوقية. 

ومؤخراً، انتقلت إيران من خانة مواجهة المواطنين الغاضبين جرّاء تردّي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار والقمع، إلى الغضب من قبل مفاصل النظام ذاته، سواء من رجال الدين أو العاملين في القضاء.

كبار رجال الدين عبّروا علناً عن قلقهم من المسار الذي تسلكه إيران وطالبوا بفكّ العزلة الدولية عنها

وأمّا رجال الدين، فيمثل غضبهم انعكاساً لما يواجهونه في الشارع من غضب الناس؛ إذ باتت تلك الفئة تشعر بالخطر على نفسها ومصالحها، في ظلّ تنامي مظاهر الغضب الجماهيري على النظام الإيراني، فيعبّرون عن غضبهم ذلك بمجرّد أن يلمحوا رجل دين بعمامته في الشارع أو المواصلات العامّة. 

أمّا كبار رجال الدين، فلم يغيبوا عن المشهد، فقد عبّروا علناً عن قلقهم من المسار الذي تسلكه إيران، وطالبوا بفكّ العزلة الدولية؛ أي تغيير النهج الإيراني المثير. ورغم ذلك، لا يبدو أنّ النظام الإيراني يجيد قراءة المشهد؛ إذ يعمد إمّا إلى التجاهل نفسه، وإمّا إلى مهاجمة المنتقدين عبر جرائد ووسائل إعلام موالية، ونعتهم بالعلمانية. 

رجال الدين والأزمة الاقتصادية

في غضون ذلك، دفع الخوف رجال الدين الإيرانيين إلى خلع عمائمهم عند النزول إلى الشارع، بحسب ما نقله أحد كبار أساتذة العلوم الدينية في الحوزة العلمية لمدينة قم وعضو "مجمع مدرّسي الحوزة العلمية"، آية الله فاضل ميبدي، قائلاً: إنّ معظّم طلاب الحوزات العلمية أصبحوا يخلعون زيهم الديني عندما يترددون إلى الشوارع؛ خوفاً من أن يقوم الناس بمهاجمتهم أو إهانتهم.

العلاقة التي كانت موجودة سابقاً بين رجال الدين وعامّة الناس باتت اليوم مقطوعة بشكل كبير

وقال ميبدي، في مقابلة مع جريدة "همدلي" الإصلاحية: إنّ معظم طلابه يؤكدون أنّ الناس باتوا يعتبرون أنّ كلّ مشاكلهم ومشاكل البلد الاقتصادية سببها رجال الدين، مضيفاً أنّه يكفي جلوس أحد الطلاب في سيارة أجرة أو حافلة عمومية حتى يبدأ الناس في انتقاد رجال الدين بعنف، بحسب ما أورده موقع "الجريدة".

وأكد رجل الدين الإيراني البارز أنّ العلاقة التي كانت موجودة سابقاً بين رجال الدين وعامّة الناس باتت اليوم مقطوعة بشكل كبير، لافتاً إلى أنّ جيل الشباب من الطلاب الدينيين يواجهون غضب الناس من جهة، ويعانون داخل منازلهم ومع زوجاتهم بسبب الوضع الاقتصادي المتردّي من جهة أخرى.

وقسّم ميبدي طلاب العلوم الدينية إلى مجموعتين؛ الأولى: مؤلفة من أشخاص مرتبطين بالحكومة أو بالحرس الثوري والأجهزة الأمنية، ويتلقون رواتب عالية ويدافعون عن النظام، والثانية، وهي الأكبر، مؤلفة من غير المرتبطين بالأجهزة الحكومية، ويعيشون على مدخولهم من الحوزات العلمية، البالغ مليوني تومان، نحو (70) دولاراً شهرياً، وبالتالي يجدون أنفسهم مضطرين للعمل كسائقي سيارات أجرة أو في توصيل الطعام، بحسب المصدر ذاته. 

اقرأ أيضاً: هل لحرق الحوزات في إيران دلالة على تغير فكري؟

والأسبوع الماضي، كتب أحد رجال الدين الأصوليين، محمد رضا زائري، على "إنستغرام"، أنّه تعرّض للبصق مرّة واحدة في الأيام الـ10 الماضية، وللإهانة الشديدة مرتين أو (3)، وأنّ سائق التاکسي أيضاً أنزله، وقال: "لا أسمح بركوب الملالي"، بحسب ما أورده موقع العربية.

ووجّه زائري كلمته إلى "أولئك الذين يجب أن يفهموا ويعلموا"، قائلاً: "هل هم على علم بهذا الحجم من الكراهية والحقد المتزايد والحرج الذي حذّرنا منه خلال الأعوام الماضية؟ لا".

وأظهرت مقاطع متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل غاضبة من قبل بعض الأشخاص ضدّ أحد رجال الدين، وأظهر مقطع آخر امرأة وهي تدهس عمامة رجل دين بعدما نصحها بالحجاب، وتمّ الإعلان عن اعتقالها لاحقاً، بحسب المصدر ذاته، ورصدت تقارير ارتفاع حالات التهجم على رجال الدين في إيران، وأنّ بعض تلك الحالات التي جرت بين عامي 2017 و2019 أسفرت عن مقتل (4) رجال دين على الأقل.

انتقادات كبار رجال الدين

في غضون ذلك، انتقد آية الله العظمى الصافي الكلبايكاني، الذي يُعدّ أحد أكبر رجال الدين في البلاد، العزلة التي تعيشها إيران، وأعرب خلال لقائه برئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف في قم عن قلقه إزاء المشاكل الاقتصادية في البلاد، ولم يقتصر على ذلك، فقد اقترح أن تتجه إيران نحو إقامة علاقات مع جميع دول العالم "بكرامة"، بحسب ما أوردته جريدة العرب اللندنية.

وأضاف الكلبايكاني، الذي يحمل لقب مرجع، وهو أعلى لقب في الحوزات الشيعية، ويشير إلى فقيه مؤهل، له سلطة إصدار حكم رسمي أو تفسير في القضايا الدينية، أنّه "ليس من الصواب أن تكون عابساً مع دول كثيرة، فهذا يضرّ بالشعب". ومنذ عام 1993 كان الصافي الكلبايكاني أحد أكثر رجال الدين نفوذاً في إيران، ويبلغ عمره (102) من الأعوام، وهو يُعدّ بذلك المرجع الأكبر سنّاً في البلاد، بحسب المصدر ذاته. 

وقد فجّرت تصريحاته جدلاً واسعاً، ولم تتردّد صحف موالية لخامنئي ومقرّبة من المتشددين في انتقاده، في خطوة تعكس وفقاً لمراقبين تعمّق الفجوة بين بعض رجال الدين والنظام الإيراني

كتب أحد رجال الدين الأصوليين محمد رضا زائري على "إنستغرام" أنّه تعرّض بسبب آرائه للإهانات مرات

وقالت الباحثة السياسية الإيرانية ماري عبدي: إنّ الانتقادات للكلبايكاني ومدينة قم المقدّسة بشأن العلمانية تُظهر "المخاوف القديمة بين مساعدي المرشد الأعلى بشأن ما يشيرون إليه على أنّه انتشار للعلمانية في الحوزة، أو في المعاهد الدينية الشيعية". 

القضاء يتحرك

وبالتزامن مع القلق الذي يبديه رجال الدين والامتعاض ممّا وصلت إليه الأوضاع بسبب طريقة إدارة النظام الإيراني، تحرّك العاملون في القضاء مطالبين برفع أجورهم في تظاهرات نادرة. 

وأفاد موقع "ميدل إيست أون لاين"، قبل أيام، أنّ موظفي السلك القضائي في إيران، وهم القوة النافذة واليد الطولى التي يستخدمها النظام في ضرب خصومه محلياً، ينفّذون ملاحقات قضائية بسبب تنفيذهم وقفات احتجاجية في أكثر من محافظة للمطالبة بتحسين رواتبهم، وهو آخر مطلب كان قد تقدّم به إبراهيم رئيسي للبرلمان حين كان المسؤول الأوّل عن النظام القضائي، قبل أن يفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

اقرأ أيضاً: الكمامة للنساء فقط والفيروس لا يصيب الرجال!.. كيف يواجه رجال الدين الإيرانيون كورونا؟

وقد هدّد المدّعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري أوّل من أمس بأن يلاحق جنائياً موظفي السلك القضائي الذين يواصلون التظاهر للمطالبة بزيادة رواتبهم.

وقال منتظري في بيان نُشر على موقع وكالة أنباء القضاء الإيراني "ميزان أونلاين": "يجب على الزملاء وضع حدٍّ لبعض التحرّكات التي تفتح الطريق أمام انتهاكات أعداء جمهورية إيران الإسلامية".

وحذّر من أنّ "التحرّكات غير القانونية وغير الملائمة تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وهي عرضة للملاحقة القانونية".

الصفحة الرئيسية