"داعش" و"القاعدة" في الصومال.. من ينتصر؟

الصومال

"داعش" و"القاعدة" في الصومال.. من ينتصر؟

مشاهدة

21/01/2019

ما إن قصفت طائرة أمريكية الزعيم الروحي لــ "حركة الشباب" الصومالية، الموالية للقاعدة، أحمد عبدي غوداني، ولقي مصرعه، في أيلول (سبتمبر) 2014، حتى وجد تنظيم داعش متنفساً له لاختراق الحركة، ويعلن جناح منه مبايعته للتنظيم في عزّ تمدّده في العراق وسوريا.

يشكّل العامل القبلي سبباً مهماً في أن يلعب "داعش" دوراً في مستقبل التنظيمات الإرهابية في الصومال

استفاد "داعش" من تحييد غوداني، صاحب القبضة الحديدية في السيطرة على الحركة، والذي حال دون وقوع انشقاقات تضربها، ولو بتصفية من يفكر في ذلك؛ بل تمادى حتى وقف سداً منيعاً في مواجهة تسرّب أفكار لتنظيمات دينية منافسة داخل عقل عناصره في التنظيم.
رحل غوداني، فضربت الحركة موجة من الصراعات الداخلية، وتسارعت حدة الانشقاقات الداخلية؛ أفقياً ورأسياً، حتى وصل الأمر إلى تصفية الحسابات الداخلية بدموية، فاغتيل أبو منصور الأمريكي، رئيس التدريبات العسكرية في الحركة، على يد أقرانه في التنظيم، وقد أدّى ذلك إلى تراجع الحركة في مواجهة القوات الحكومية والإفريقية، وهو ما أدّى بها إلى محاولة إثبات وجودها فيما بعد من خلال القيام بعمليات طالت خصومها خارج البلاد.
أحمد عبدي غوداني

داعش يشقّ حركة الشباب
لم يمضِ على اغتيال غوداني نحو العام، حتى خرج عبد القادر مؤمن، ومعه مجموعة من المنشقين عن الحركة، ليعلن مبايعته لأبي بكر البغدادي، زعيم "داعش"، محتجاً بما تعانيه جماعته القديمة من صراعات طاحنة، ومخالفات عقيدية.

اقرأ أيضاً: ضربة جوية أمريكية تستهدف حركة الشباب الصومالية.. تفاصيل
اختار مؤمن اللحظة المناسبة التي تهيأ خلالها لعشرات من شباب المجاهدين الانتقال إلى معسكر "داعش" الجديد، بخطوط تمويله الأكثر غنى، وآملين أن يتمكن التنظيم الجديد من استعادة السيطرة على المدن التي فقدوها أمام القوات الحكومية، بعد أن تلقّوا هزائم فادحة.
جاء مؤمن محمّلاً بحمولة ثأرية تجاه حركة الشباب، التي قام قائدها السابق بحملة اغتيالات، طالت عدداً من مجموعاته، بين عامَي 2012 و2014، فانجذب إليه كلّ المهمشين والمنبوذين من تنظيمهم الأول.

اقرأ أيضاً: هل تموّل الاستخبارات التركية حركة الشباب الصومالية؟
يشكّل العامل القبلي سبباً مهماً في أن يلعب "داعش" دوراً في مستقبل التنظيمات الإرهابية في الصومال؛ إذ إنّ فئة قليلة فقط من أتباعه تنتسب إلى قبيلة زعيم التنظيم، عبد القادر مؤمن؛ لذلك فإنّ ما يجمعهم كلّهم فقط، إلى الآن، هي فكرة الانتقام من "حركة الشباب".
وينتمي مؤمن إلى قبيلة مجيرتين، التي تقطن المناطق الشرقية الساحلية من ولاية بونتلاند.
عبد القادر مؤمن

قدرة على البقاء
اتخذ مبايعو "داعش" من جبال "عيل مدو"، شمال شرق الصومال، معقلاً وحصناً لهم، وما لبث أن تزايد أعضاؤه في أول عامين، حتى بلغ عددهم 200 عنصر، وفق تقرير صادر من الأمم المتحدة العام 2017.
لم تستطع الضربات التي توجهها القوات الأمنية الصومالية، ولا الضربات الأمريكية، ولا الضربات التي توجهها حركة الشباب لعناصر التنظيم، أن تفتّ عضده؛ إذ إنّه اختار منطقة إستراتيجية للتحصن، فضلاً عن البعد القبلي الذي ينتمي له مؤمن، في شمال شرق الصومال، ما جعل الأمم المتحدة تدقّ نواقيس الخطر، في تقريرها الأخير عن الحركة.

اقرأ أيضاً: "الشباب" و"داعش"... حرب المواجهة المفتوحة في الصومال
نقل "داعش" إلى الصومال سياسة التنظيم الأم في سوريا والعراق، خاصة فيما يتعلق بالنظر إلى خصومها في التنظيمات الأخرى، باعتباره العدو الأول، الذي تأتي خطورته من كونه "مرتداً" لقتاله أولوية، قبل قتال الكفار الأصليين، وفق اعتقاد التنظيم، ومن ثم فإنّ التخلص من "المرتدين" يسبق قتال "الكفار" الأصليين.
ومع ذلك؛ فإنّ حركة الشباب بادرت بقطع دابر التنظيم مبكراً، وهو في مرحلة التأسيس والنمو، فقامت بقتل عدد من قادته الموصوفين بالقوة والحنكة العسكرية.

اقرأ أيضاً: ثلاث سنوات من الرعب: تجربة صحفي خطفه قراصنة صوماليون
اغتالت حركة الشباب مقاتلاً مصرياً، كان من عناصرها، في مدينة جلب بإقليم جوبا الوسطى، جنوب الصومال، بعد محاولته الانضمام إلى فرع داعش، كما اعتقلت آخرين بالتهمة نفسها.

صراع الإخوة الأعداء
وجّه فرع تنظيم داعش في الصومال إنذاراً إلى مقاتلي حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، وحذرتهم من محاولة عرقلة عملياتهم في البلاد.

حركة الشباب بادرت بقطع دابر التنظيم مبكراً، وهو في مرحلة التأسيس والنمو، فقامت بقتل عدد من قادته

بعدها وجهت صحيفة "النبأ" الصادة عن تنظيم "داعش"، إنذاراً إلى حركة الشباب الصومالية، التي قالت إنّها تعارض تحركات عناصرها في الصومال، ونسبت الجريدة إلى متحدث باسم "داعش" القول: "حان الوقت لانتقام التنظيم من مقاتلي حركة الشباب"، متهماً الحركة بتصفية عناصر قدموا البيعة إلى تنظيمه.
جاء الردّ سريعاً؛ ففي أواخر العام الماضي، شنّ "داعش" هجوماً في منطقة "بيعر ميرالي"، الواقعة جنوب غرب مدينة قندلا، في بونتلاند شمال شرق الصومال؛ ما أسفر عن قتل 14 عنصراً من عناصر "الشباب".
وفي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أعلنت حركة الشباب، عبر الناطق باسمها، الشيخ علي طيري؛ أنّها ستشنّ حرباً ضخمة وواسعة ضدّ تنظيم داعش، خاصة بعد معرفة قادة الشباب بأنّ داعش يسعى لعمل خلافات واسعة بين صفوف الحركة.
لم تستجب حركة الشباب لإنذار "داعش"؛ بل واصلت الحرب ضدّها، فاغتالت قيادياً تابعاً لها، يدعى يحيى حاج فيلي "أبو زكريا"، في مدينة بؤالي مركز إقليم جوبا الوسطى، جنوب الصومال.

اقرأ أيضاً: خيارات الصومال لمواجهة "الشباب المجاهدين" بعد جلاء القوات الإفريقية
وبحسب موقع "الصومال الجديد"؛ فإنّ مسلحي الحركة أطلقوا النيران على القيادي الداعشي، يحيى حاج فيلي، وهو جالس في مقهى، وتمّ نقل جثمانه إلى مكان غير معلوم.
كان فيلي أحد أفراد مسلحي الحركة في الصومال عام 2006، ثم تدرج في المناصب، حتى أصبح عضواً في مجلس شورى الحركة، إلا أنّه انضم بعد ذلك إلى تنظيم داعش، في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2015، وهو التاريخ الذي أعلن فيه "داعش" وجوده في الصومال.
لم تتخلص الشباب من "أبو زكريا"، كونه قيادياً تحوّل إلى عداوتها فحسب؛ بل لأنه يملك رصيداً ضخماً من المعلومات عنها، يمكنه استخدامه في نشاطه المعادي لها.
تسعى الحركة إلى التخلص من العقدة التي سبّبها لها "داعش"

إرث الكراهية
تسعى الحركة إلى التخلص من العقدة التي سبّبها لها "داعش"، بعد انشقاق عدد كبير من عناصر الحركة ومبايعتهم لـ "داعش"، وأبرزهم "أبو يونس المصري"، القيادي في الحركة، الذي أبدى رغبته في الانضمام إلى داعش، ودفع حياته ثمناً لاختياره، فاغتالته الحركة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.
في 23 تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي؛ أفادت تقارير صحفية باغتيال مهد معلم، نائب زعيم فرع تنظيم داعش الإرهابي في الصومال.

اقرأ أيضاً: الاستبداد يحول الإقليم الصومالي الإثيوبي إلى سجن
ونقلت "بي بي سي" عن أسرة معلم، قوله: إنّ "مسلحين اغتالوه قبل أسبوع، ووضعوا جثمانه على ساحل ليدو في مقديشيو، واتصلوا بأسرته ودعوها إلى أخذ جثمانه".
وبدورها، كشفت مصادر في مخابرات ولاية بونتلاند، شمال شرق الصومال؛ أنّ مسؤولاً كبيراً في تنظيم داعش كان وراء اغتيال معلم، بعد أن علم أنه توجه إلى مقديشيو للتخلص منه، وتولى منصبه في الجماعة المتشددة.
أما موقع "الصومال الجديد"؛ فقد أورد أنّ اغتيال نائب زعيم فرع داعش في الصومال جاء نتيجة صراع على زعامة فرع التنظيم الإرهابي؛ بسبب معاناة زعيمه الحالي عبد القادر مؤمن من المرض.
وأضاف الموقع أنّ "معلم والمسؤول عن اغتياله ينتميان إلى نفس العشيرة التي ينتمي إليها مؤمن"، وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت اسم معلم في قائمة المطلوبين لديها مطلع العام الحالي، إلا أنّ "داعش" قال إنّ من قتله هي حركة الشباب، وليس أقرانه في التنظيم.
يعمل تنظيم داعش على تقليص نفوذ حركة الشباب

البحث عن ملاذ
يعمل تنظيم داعش على تقليص نفوذ حركة الشباب، ربما لأنّه يحاول تهيئة الأجواء لاستقبال مئات العناصر التنظيم الفارين من مناطق القتال في العراق وسوريا وليبيا، ومن ثم؛ فهو يدرك أنّه قد يكون الملاذ البديل للتنظيم المنهار.
نشرت مؤسسة "أكابس"، وتوقع التقرير الذي نقله موقع "سبوتنيك"؛ أنْ يتوجه عناصر داعش إلى منطقة بلاد بنط في الصومال، عقب هزيمتهم في العراق، وسيزيد نشاطهم بشكل ملحوظ، لافتاً إلى أنّه سيسعى لاكتساب القوة والموارد من جنوب ليبيا.
وذكر أنّ وصول التنظيم إلى الصومال سيؤثر في السكان المدنيين، وسيؤدي إلى نشوب اشتباكات دموية مع حركة الشباب الصومالية.

اقرأ أيضاً: الإمارات والصومال.. جهود محاربة القرصنة
يحاول المراقبون استشراف مستقبل الصراع بين التنظيمين العدوّين في الصومال، إلا أنّ هذا الصراع يبدو أنّه يصبّ في صالح الولايات المتحدة الأمريكية (وحلفائها)، التي استفادت من اندلاع الصراع بين الفرقاء التكفيريين.
فبعد أن كانت حركة الشباب وحدها هي المستهدفة من الضربات الجوية الأمريكية، بات تنظيم داعش هو أيضاً مستهدفاً بتلك الضربات.
كان آخرها غارتان شنتها أمريكا على مواقع تنظيم داعش، في جبال "جلا جلا" أسفر عن قتلى في صفوفه.
ونقلت وكالة "فرانس برس"، عن القيادة الأمريكية لإفريقيا قولها؛ "هذه هي المرة الأولى التي تضرب فيها الولايات المتحدة التنظيم المتطرف في الصومال".


الصفحة الرئيسية