تونس: كيف أساءت "النهضة" إلى الإسلام؟

تونس: كيف أساءت "النهضة" إلى الإسلام؟

مشاهدة

25/10/2021

كسبت حركة النهضة الإسلامية تأييداً شعبياً منقطع النظير خلال عودتها إلى تونس وخروجها من النشاط السري إلى العلن، بفضل أحداث الثورة عام 2011، مستندةً في ذلك إلى مرجعيتها التي قالت إنّها تحتكم إلى الدين، واستطاعت خلال حملتها الانتخابية إقناع التونسيين بأخلاقها الإسلامية، خصوصاً أنّ الشعب كان متعطشاً لممارسة دينه دون رقابة أو عقاب كما كان خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، وهو ما جعلها تحصل على إمداد شعبي وقاعدة انتخابية مهمة.

 

اقرأ أيضاً: تونس: إغلاق قناة الزيتونة بوق حركة النهضة الإخوانية

هذا التأييد الشعبي جعلها تتوغل في ممارسة السياسة بالدين، وإدخال مرجعيتها في كلّ نشاطها، وهو ما جعل الخيمات الدعوية تنتشر في تونس خلال الأعوام الأولى من الثورة، وجذبت في المقام الأول الشباب الذين يشعرون بأنّه تمّ استبعادهم من جانب النظام السياسي قبل الثورة، ووفّرت متنفّساً لردود فعلهم العنيفة في بعض الأحيان على فشل الدولة في دمجهم اجتماعياً واقتصادياً.

تسفير الشباب للقتال في بؤر التوتر

هذه الخيمات الدعوية انتشرت خلال فترة حكم الترويكا التي تقودها حركة النهضة بالاشتراك مع حزبَي؛ المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي يقوده الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي، والذي تقلّد منصب الرئاسة نتيجة لتحالفه مع النهضة، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، الذي مُنح رئيسه، مصطفى بن جعفر، رئاسة البرلمان، فيما كانت حركة النهضة ممسكة بوزارة الداخلية التونسية، مما سهل تسفير الشباب من البلاد، خصوصاً بعد التحريض العلني في المساجد التي خرج أغلبها عن سيطرة الدولة والمهرجانات الخطابية على ضرورة "الجهاد" هناك، وفق تحليل عدد من خبراء الشأن التونسي.

وأقام بعض قيادات الحركة خيمات دعوية وملتقيات في أغلب مناطق البلاد، أُلقيت فيها خطب تحريضية، ووُزعت خلالها كتب متشددة، ولعبت المساجد التي سيطر عليها متطرفون دوراً كبيراً في التأثير والاستقطاب، قبل استرجاعها جميعها، حيث تولى المهمة دعاة وأئمة وقياديون سابقون في تنظيمات إرهابية، وكثفوا وجودهم العلني في الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وامتدّ تأثيرهم إلى المجتمع كلّه، وليس الشباب المسافر للقتال فقط.

 

اقرأ أيضاً: الغنوشي... الدرويش والسلطة

وشكّل تصدّر تونس قائمة الدول المصدرة للجهاديين في سوريا وليبيا والعراق مفاجأة، في تونس قبل الخارج، وعلى الرغم من أنّ كثيرين من الشباب الذين انجذبوا إلى الفكر الجهادي كانوا يعيشون على أنشطة اقتصاديّة هامشيّة، وكان بعضهم من أصحاب السوابق العدليّة، فإنّ كثيرين منهم أيضاً من خرّيجي الجامعات من أبناء الطبقة الوسطى، ومع ذلك فقد فشلوا في العثور على وظائف وفرص تلبّي توقّعاتهم.

الحركة الإسلامية التي تخفّت وراء غطاء الدين أساءت بشكل كبير للإسلام كدين سمح ونبيل ويدعو للتسامح ولكل المبادئ السلمية، لأنّها وظّفت الدين في ألاعيبها السياسية

وتكشف الملفات القضائية التونسية؛ أنّ 69% من المتطرفين التونسيين تلقوا تدريبات على استعمال السلاح في ليبيا، وأنّ 21% منهم تدربوا في سوريا، كما أكّدت أنّ 80% من هؤلاء الشباب غادروا إلى جبهة القتال في سوريا كوجهة ثانية بعد تلقي التدريبات العسكرية في ليبيا.

ويرى الباحث محمد ذويب، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة أساءت للدين الإسلامي الحنيف عندما أخرجته من جانبه الروحاني المقدس إلى آخر سياسي مدنّس استغلته لحكم الناس بطريقة تتنافى مع المبادئ السمحة لديننا الحنيف.

يرى الباحث محمد ذويب، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ حركة النهضة أساءت للدين الإسلامي الحنيف

وقال ذويب لـ "حفريات"؛ إنّ الحركة استغلت توجهها الديني لتقسيم المجتمع واستعمال العنف ونشر الإرهاب والتكفير والتسفير، وإنّها وظفت بيوت العبادة للخطب السياسية والأيديولوجية من أجل توطيد حكمها طوال عشر سنوات كانت حصيلتها كارثية على تونس التي تحولت إلى أكبر مصدر للإرهاب وأصبحت دولة مستباحة من الخارج، ومرتعاً للجاسوسية والعمل المخابراتي والاختراقات.

 

اقرأ أيضاً: الغنوشي يعلق على استقالات النهضة .. ماذا قال؟

ولفت الباحث التونسي إلى أنّ الحركة تسبّبت في رهن البلد إلى الخارج بفعل المديونية والفساد ونهب المال العام وغياب الخطط والبرامج، فغابت التنمية والمشاريع، وانتشر الفقر والبطالة والفساد والرشوة والمحسوبية، ووقع تصنيف البلاد في ذيل الترتيب في التصنيفات الدولية.

وشدّد ذويب على أنّ كلّ هذا جرى في فترة حكم حزب يستعمل الموروث الحضاري المشترك وهو الدين الإسلامي لغايات سياسوية دنيوية رديئة، وكانت أسوأ فترة في تاريخ تونس المعاصر وشعبها.

إرهاب محلي

وتعيش تونس، منذ عام 2012، تفجّر ظاهرة الإرهاب المحلي، من خلال وجود مجموعات إرهابية تتمركز في سلسلة الجبال الغربية على الحدود مع الجزائر، توزّعت بين عدّة تنظيمات، أبرزها بين تنظيمَي القاعدة و"داعش"، إضافة إلى تنظيم عقبة بن نافع، ونفّذت العديد من الهجمات التي استهدفت القوات الأمنية والعسكرية، فضلاً عن سياح وأجانب، إلى جانب ضربات نفذتها خلاياها النائمة في المدن ضدّ مراكز سياسية واقتصادية.

 

اقرأ أيضاً: حركة "النهضة" تختنق: هل انتهى الغنوشي سياسياً؟

وبداية عام 2015، أنجز المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب دراسة علمية كمية، تحت عنوان "الإرهاب في تونس من خلال الملفات القضائية"، تناول فيها بالدراسة والتحليل عيّنة واسعة تشمل نحو 1000 متّهم بـ "الإرهاب"، خلُصت إلى أنّ 98,8% من المتّهمين بالإرهاب في تونس يحملون الجنسية التونسية، ما يؤكّد مقولة إنّ الإرهاب في تونس هو "إنتاج محلي"، باعتبار أنّ الجنسيات الأجنبية الأخرى ظلّ حضورها ضعيفاً في الملفات القضائية التي دُرست والتي تلعب في العموم دور القيادة والتخطيط، لا دور القتال والتنفيذ.

وكشفت شهادة سابقة لأحد قادة شباب "النهضة" عن تورّط قيادات بالحزب في أحداث العنف التي تعود لعام 1991، والتي نتج عنها حرق حارسَي مقرّ حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم حينها، علاوة على إعدام ثلاثة من شباب "النهضة".

جدير بالذكر؛ أنّ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، وصف المتطرفين في تونس بأنّهم "أبناء بن علي، وضحايا الفراغ الديني والعلمي وحملات القمع التي تعرض لها رموز الفكر الإسلامي التونسي طوال العقود الماضية".

كشفت مديرة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية، بدرة قعلول، أنّ قيادات حركة النهضة تواجه اتهامات بالإرهاب، جراء الجرائم التي ارتكبها هؤلاء بحقّ أمن تونس

وكشفت مديرة المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية، بدرة قعلول، أنّ قيادات حركة النهضة تواجه اتهامات بالإرهاب، جراء الجرائم التي ارتكبها هؤلاء بحقّ أمن تونس، خاصة تسفير الشباب للقتال في صفوف تنظيم داعش الإرهابي.

وأكّدت قعلول لـ "حفريات"؛ أنّ قضية التسفير ستكون موضع محاكمات لمن تورطوا فيها، والنساء التونسيات اللاتي سافرن، والتنظيمات النسائية التي ذهبت إلى سوريا، مشيرة إلى أنّ هناك تنظيمات للسيدات سافرت منها؛ كتيبة "الخنساء"، و"الحاسبات" و"الداعيات"، والشرطة الإرهابية، وهي من تنظيمات النساء اللواتي سافرن للخارج للمشاركة في القتال في سوريا والعراق.

الباحث التونسي محمد ذويب لـ"حفريات": النهضة استغلت توجهها الديني لتقسيم المجتمع واستعمال العنف ونشر الإرهاب والتكفير والتسفير، ووظفت بيوت العبادة للخطب السياسية والأيديولوجية

وشدّدت قعلول على أنّ رئيس الحكومة السابق ووزير الداخلية السابق في عهد النهضة، علي لعريض، متهم بتهريب "أبو عياذ" الإرهابي أمير تنظيم الأنصار بتونس، عام 2012.

وتواجه حركة النهضة الآن ارتدادات غضب أبناء المناطق الفقيرة؛ لأنّ الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، أثبتت أنّها غير قادرة على تصحيح التهميش وغياب العدالة الاجتماعية منذ الاستقلال، خاصة أنّهم كانوا  يتوقعون من الإسلاميين الذين عانوا من القمع خلال فترة النظام السابق أن يقطعوا مع السياسات التي انحازت لصالح الأقاليم الساحلية.

الاغتيالات السياسية

ومنذ عام 2013 بدأت شعبية النهضة في التراجع، بعد عملية اغتيال شكري بلعيد البراهمي، ودخول الإرهاب والإرهابيين إلى البلد، إلى جانب مغادرة الشباب نحو بؤر التوتر؛ تأثراً بالخيمات الدعوية التي انتشرت حينها، لتخسر أكثر من مليون ناخب في انتخابات 2019، على خلفية ادعائها التخلي عن جانبها الدعوي من أجل البقاء في الحكم، والدخول في تحالفات لا تتماشى مع توجهات ناخبيها فقط لتستمر في وضع يدها على حكم البلاد.

وتتهم مجموعة من الأحزاب اليسارية حركة النهضة بتسيير جهاز أمني موازٍ، وبالمسؤولية عن الاغتيالات السياسية بعد 2011، والاحتفاظ بغرفة مظلمة في وزارة الداخلية، مؤكدة أنّ الحركة لم تتحول بعد إلى حزب مدني ينبذ العنف.

وعلى مدار السنوات الماضية تعرض العديد من السياسيين المعارضين لحركة النهضة للتهديد بالاغتيال، من بينهم النائب اليساري منجي الرحوي، حيث تلقى أخباراً جدية عن تجدّد التهديدات ضدّه.

وكانت شهادة كريم عبد السلام، مدبّر عملية "باب سويقة" وأحد قادة شباب حركة النهضة التونسية، قد كشفت تورط قيادات حالية في الحزب في أحداث العنف التي تعود لعام 1991، والتي نتج عنها حرق حارسَي مقر حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم آنذاك.

 

اقرأ أيضاً: وزير خارجية تونس يدافع عن قرارات سعيد... هذا ما قاله

وقال عبد السلام إنّ العملية كانت من تدبير قيادات الحركة، ومن تنفيذ شبابها، وبرّر عدم العودة إلى هذا الملف الساخن، وعدم البحث عن رفات من أُعدموا في تلك الفترة، بتورط بعض قيادات النهضة في تلك الأحداث.

وتساءل في هذا السياق عن عدم كشف علي العريض، أحد أبرز قيادات الحركة، خفايا تلك الفترة عندما تولى وزارة الداخلية، مبرزاً أيضاً؛ أنّ نور الدين البحيري لم يطرح هذا الملف حين كان وزيراً العدل، والأمر نفسه بالنسبة للقيادي سمير ديلو، عندما تولى وزارة حقوق الإنسان، وأيضاً بالنسبة لعبد اللطيف المكي، عندما تسلم حقيبة وزارة الصحة، رغم سيطرتهم على وزارات حساسة.

واعتبر المحلل السياسي جمعي القاسمي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الحركة الإسلامية التي تخفّت وراء غطاء الدين أساءت بشكل كبير للإسلام كدين سمح ونبيل ويدعو للتسامح ولكل المبادئ السلمية، لأنّها وظّفت الدين في ألاعيبها السياسية.

وأكد القاسمي أنّ النّهضة أساءت إلى الإسلام أكثر من غيرها من بعض التنظيمات والأحزاب اليسارية وأنّها قدمته بغير الصورة التي هو عليها، مشيراً إلى تورّطها في أعمال العنف ونشرت خطاب الكراهية، وتسببت بالاغتيالات السياسية التي عاشتها البلاد بداية مرحلة الانتقال الديمقراطي.

الإسلام والسياسة

الحركة، ومنذ دخولها البلد والصعود إلى الحكم، كحركة تأسّست استناداً إلى أصول إسلامية، حاولت طرح نفسها كقوة سياسية مُحافظة قادرة على إدارة الشأن العام، وتحقيق التسويات والحلول الوسط مع الأحزاب العلمانية التونسية، ولتحقيق هذه التسويات عملت على رسم صورة جديدة تقلص التشديد على الأسس الدينية وتحاول الابتعاد عن أيديولوجيا الإسلام السياسي، في المقابل عملت على تكريس الموارد البشرية والمالية للسياسات الانتخابية.

وقد كان قرار الغنوشي بفصل الدعوي عن السياسي والحفاظ فقط على الجانب المدني للحركة، بمثابة الخطوة المفاجئة، خصوصاً أنّ الحركة قد وصلت آنذاك (2016) إلى مرحلة لا تستطيع فيها الحفاظ على رئاسة الحكومة، أو على تقلّص مناصب عليا في البلد، كوزارات الداخلية والعدل والدفاع، بعد أن سيطرت عليهم على امتداد خمس سنوات انتشر خلالها الإرهاب والعنف وخطاب التكفير والكراهية.



الصفحة الرئيسية