بعد أن تذوب الشموع حول ضريح الشيخ قطب

بعد أن تذوب الشموع حول ضريح الشيخ قطب

مشاهدة

26/07/2018

ختم الإمام ركعتي الجمعة، فنهض رجل أربعيني واقفاً، وبدأ السير متخطياً بكعبيه المنسدلة عليهما أطراف جلباب أبيض، رقاب عشرات المصلين الذين انهمكوا في التسابيح عدّاً على أصابعهم.

ما إن وصل الرجل موضع الإمام حتى التفت بوجهه في مواجهة الحضور، وأعطى ظهره لاتجاه القبلة، وحيّا الجموع بتحية الإسلام: السلام عليكم يا أهالي البلد، جاءني الشيخ قطب في المنام الليلة، بعد أن فرغت من صلاة الفجر، وكلفني بإبلاغكم بأنه يريد منكم العمل على بناء ضريح له فوق قبره، وإذا فعلتم فسينجيكم الله من كلّ كرب، وإن لم تفعلوا فلا تلوموا إلا أنفسكم، ثم أردف قائلًا: "اللهم قد بلّغت، الله فاشهد".

طالما ردّد الأب أنه ليس صبياً عادياً حيث استطاع أن يدخل الجمل إلى المنزل من باب لا يتجاوز طوله متراً ونصف

لبرهة، ساد الصمت المطبق المسجد، حتى كسره أحد المصلين الذي نهض فزعاً وصائحاً: اتقِ الله يا أخي، ودعك من هذه البدع والضلالات والخزعبلات، ثم تداخل صوت آخر مناصر له زاعق: إنّه شرك بالله.

هاج المصلون في المسجد وماجوا على الضجيج والصخب، إلّا أنّ الأصوات ذات النزعة السلفية كانت قد قمِعت، وانصرف الناس إلى بيوتهم وهم يتندرون بما جرى.

اقرأ أيضاً: أبناء الأرض البور

لم تمضِ أيام على تلك الواقعة، حتى لاحظ المارون من ناحية مقابر البلدة، بنياناً جديداً يشيَّد على أطراف المقابر، وما لبثت أن اعتلته قبلة خضراء، أمسى ضريح الشيخ قطب، الذي كان يقع في مواجهة منزل الرجل صاحب الرؤية.

لم يرَ أحد من الأجيال الجديدة الشيخ قطب، فيما بدا أنّ صاحب الرؤية لم يره أيضاً، إلا أنّ الناس تحدثوا عن أنّه غلام ولِد بمرض عقلي، في خمسينيات القرن الماضي، لأبٍ فلاحٍ كان يحبّه بشدّة ويشفق عليه.

كان يسقط من طاقة بسطح المنزل لا تتجاوز الــ 30 سنتيمتراً دون أن يصيبه مكروه

طالما ردّد الأب أنه ليس صبياً عادياً، بل صاحب كرامات؛ إذ إنّه استطاع أن يدخل الجمل إلى قلب المنزل من باب لا يتجاوز طوله متراً ونصف المتر، وأنه كان يسقط من طاقة بسطح المنزل لا تتجاوز الــ 30 سنتيمتراً دون أن يصيبه مكروه.

يحاول الأب الريفي أن يدفع بميزات يختصّ بها ولده، الذي ابتلاه الله بخلل في عقله، فيجعل منه صاحب كرامة وبركة البيت، وربما بالغ في سبيل إثبات ذلك، علّ ذلك يبرد قلبه مما أصيب به.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتأثر تديّن مصر برحيل الإسلاميين؟

لم يعمّر الابن طويلاً، فقضى وهو ما يزال في سن المراهقة، ولحق الأب به، لكنّه لم يكن يظنّ أن ابنه سيتحوّل بعد 25 عاماً، إلى وليّ حقيقيّ وكامل، وأنّ هناك من سيأتي بعدهما ليبني فوق قبره ضريحاً بقبّة خضراء!

لم تتوقف الحكاية هنا؛ بدأ صاحب الرؤية بالطواف على أهالي البلدة ليجمع تبرعات لإقامة مولد للشيخ قطب، ففرح الناس الذين يعتقدون أنّ إقامة مثل هذه الفعالية سترفع بلدهم إلى مصافّ البلدات الأخرى، التي كانوا يزحفون إليها قاطعين عشرات الأميال، حتى يشاركوا في موالد لأولياء، تبركاً أو سياحةً لهم ولذويهم.

هناك من يخشى أن تصيبه لعنة الشيخ قطب وهناك من آثر السلامة فإن كان ولياً حقاً،فنحن قد تصدقنا وإن لم يكن لم نخسر

كما أنّ الوازع الضميري لعب دوراً في ذلك؛ فهناك من يخشى أن تصيبه لعنة الشيخ قطب، وهناك من آثر السلامة، فإذا كان قطب ولياً حقاً، فنحن قد تصدقنا، وإن لم يكن لم نخسر شيء.

نصب المولد في المنطقة المحيطة بالضريح، وضرب أصحاب المقاهي خيامهم، وانتشر الغجر بألعابهم، وتداخل التجار الصغار في القرية، فدفعوا بعربات الحمص والحلوى والمسليات والترمس. دبّت في المنطقة الروح والبهجة، وحده كان صاحب الدعوة يحصّل مستحقات إيجار أماكن الأرض التي أتخمت حتى ضاقت بالبشر.

أوقدت الشموع داخل الضريح، وبدأ الوافدون الذين جاء أغلبهم من النساء في التدفق على صندوق النذور، يوفون نذورهم التي قطعوها على أنفسهم، أو آملين في قضاء حوائجهم، في الزواج أو الإنجاب أو الشفاء من المرض، مردّدين جملة واحدة: "شيلاه يا شيخ قطب"، وهي كلمة تعني في الأصل "شيئاً لله".

يبقى رفات الشيخ قطب في مرقده، وقد أطفئت الشموع في انتظار العام المقبل

يمتلئ الصندوق بالأموال التي تذهب في النهاية لحجر الداعية الأول، الذي يرتفع بيته في كلّ عام بطابق جديد.

تأتي ليلة المولد الكبيرة، ينتظر الجميع قدوم المدّاح المشهور، الذي يتقاضى مبلغاً من المال ليس هيناً، يدفع له الريفيون الذين ينتظرونه في هذه الليلة من كل عام الأموال، فهو يطربهم ويبهجهم، بموسيقى عذبة، وصوت شجي وندي، ويحكي قصة شعبية دراماتيكية، يتعرض فيها البطل لظلم الأقربين، ثم يتوه في الزحام عن أخته أو أمه أو حبيبته، ثم يبدأ معاناته حتى يكبر، فيشتدّ عوده، ويلتقيان في النهاية بعد أن يعرف الظالمون أخطاءهم.

لا تخلو القصة من إيحاءات، على وقع كركرات الشيشة، ولقاءات العاشقين، ونظرات المحبين، لكنّ المنشد الذي يطعّم حكايته بعدد من قصائد المديح في النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، يعطي هؤلاء شعوراً بالراحة، وطمأنينة ناتجة عن أنهم يستمتعون بأشياء ربما ليست محرمة.

ينفضّ المولد، ويذهب المترنّحون إلى بيوتهم في الصباح، ليغطوا في نوم عميق، ويبقى الداعية الأول ليدفع للمدّاح المشهور أجرته، لكنّه يبقي على جزء من تلك الأموال في جيبه، كشرط استقدامه في المرة المقبلة.

ويفكّ سرّيحة الموالد أشياءهم، ويجرّ الباعة المتجوّلون عرباتهم، ليبحثوا عن مولد آخر، في قرية أخرى، ويذهب داعية الشيخ لبيته منتفخ الجيب، ويبقى رفات الشيخ قطب في مرقده، وقد أطفئت الشموع في انتظار العام المقبل.

الصفحة الرئيسية