انتخابات العراق: الموالون لإيران يجرّون أذيال الخيبة

انتخابات العراق: الموالون لإيران يجرّون أذيال الخيبة

مشاهدة

13/10/2021

الدهشة والمفاجأة طغتا على مزاج العراقيين وهم يستمعون إلى نتائج أوزان الكتل السياسية المتنافسة على مقاعد البرلمان البالغة (329) مقعداً، والتي أعلنتها مفوضية الانتخابات، مساء أول من أمس الإثنين. المفاجأة كانت في سقوطٍ مدوٍّ لقوىً شيعية كبرى، قبالة التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، الذي تصدر النتائج بامتيازٍ نادر، فيما مُني أنصار إيران بخيبة مُرة.

اقرأ أيضاً: من هو نائب زعيم تنظيم داعش الذي قبض عليه العراق؟

وبحسب الإحصائيات الرسمية؛ فإنّ نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات المبكرة، التي جرت الأحد، بلغت 41%، وهي نسبة محبطة، على الرغم من حثّ المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، على المشاركة "الواعية والفاعلة" في هذه الانتخابات؛ بل ذهبَ وكلاؤه يثقفون باتجاه التصويت العقابي للقوى "الفاسدة"، عادّين بيان المرجع السيستاني بمثابة "الجهاد الانتخابي" على غرار فتوى "الجهاد الكفائي" التي أطلقها لحظة اجتياح تنظيم "داعش" العراق. 

أعلنت مفوضية الانتخابات تصدّر "الكتلة الصدرية"، بزعامة مقتدى الصدر، نتائج الاقتراع العام والخاص

ويعزى ضعف الإقبال الجماهيري على صناديق الاقتراع إلى حالة اليأس والإحباط من التغيير السياسي، علماً بأنّ الانتخابات المبكرة جاءت بناءً على مطالبات ثورة تشرين (أكتوبر) 2019، والتي أفرزت تداعياتها حكومةً انتقالية يرأسها مدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي.

الصدر أول المنتصرين 

وأعلنت مفوضية الانتخابات تصدّر "الكتلة الصدرية"، بزعامة مقتدى الصدر، نتائج الاقتراع العام والخاص، بعد حصولهِ على (73) مقعداً، بعد أن كان رصيدهُ السابق (52) مقعداً. وتشير الوقائع إلى أنّ الزعيم الشيعي الشاب هو الوحيد الذي استفادَ من القانون الانتخابي الجديد، والذي يقسمُ المحافظة الواحدة إلى عدة دوائر انتخابية، ولكونهِ يمتلكُ قاعدةً شعبيةً واسعةً ومنظمةً في الأحياء المكتظة، تمكّنَ من نيل أغلب مقاعد الدوائر، في 10 محافظات شيعية.

قبيل ليلة من إعلان النتائج، زارَ قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، العاصمة بغداد، من أجل التنسيق بين القوى الشيعية الفائزة حول شكل المفاوضات القادمة

وفور إعلان النتائج، خرجَ الصدر بكلمةٍ متلفزة، قال فيها: "التيار الصدري لن يسمح للأحزاب بأن تسيطر على مقدرات الشعب، وسنزيح الفساد بدمائنا"، مؤكداً على "ضرورة استفادة المواطنين من موارد بلادهم".

وشدد على "حصر السلاح بيد الدولة وضرورة تفعيل دور العشائر في إطار دعم استقرار العراق"، وتعهّد الصدر بـ "تحسين الدينار العراقي، ليكون بمصاف العملات العالمية تدريجياً".

واحتفل المئات من أنصارهِ وسط العاصمة بغداد؛ حيث جابت السيارات الشوارع، ابتهاجاً بفوز "الكتلة الصدرية" بالمرتبة الأولى، كما شهدت ساحة التحرير (معقل احتجاجات تشرين) حضوراً واسعاً للصدريين المحتفلين.

المالكي .. عودة موفقة

لم تتنبأ أغلب القراءات السياسية بمجيء "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، في المرتبة الثالثة وطنياً، والثانية شيعياً، بعد أن أعلنت المفوضية حصوله على (37) مقعداً، أي ربحَ نحو (11) مقعداً عن الانتخابات السابقة التي وصلت مقاعدهُ فيها لـ (26) مقعداً لا غير.

وتمكّن المالكي من إدارة الصراع الانتخابي جيداً في مواجهة غريمهِ التقليدي مقتدى الصدر، حيث تمكّن من إقناع كثيرين بأنّهُ الزعيم الوحيد القادر على كبح جماح التيار الصدري كما فعل إبان حكمهِ الأول (2006-2010)، كما أنهُ رفعَ شعار "نعيدها دولة" وتمكن من استفزاز الصدر وجمهورهُ الذي مارس عنفاً معنوياً ضدّ مناوئي زعيمه، وهو ما جعلَ الأغلبية الشيعية من غير الصدريين، المشاركين في الانتخابات، يصوتون لصالح "ائتلاف دولة القانون".

وما يزال رئيس الوزراء العراقي الأسبق يحتفظُ بما يسمى "الدولة العميقة"؛ حيث شهدت فترة حكمهِ تعيين الآلاف من الشيعة الموالين لتيارهِ في أجهزة الدولة، وقد حصرَ كلّ دائرة انتخابية بمرشحٍ واحدٍ فقط، مما يجعل إمكانية نيل مرشحهِ لأحد مقاعد الدائرة ممكناً، وهذا ما حصل.

"قوى الدولة"  فقدان الفاعلية

كاريزما نوري المالكي، وخطابهُ التعبوي المؤثر لدى الجمهور الشيعي، الذي يقارن بين عهدهِ الأول (عهد انتعاش اقتصادي وقتال ميليشيا الصدر) ومآلات الأوضاع الراهنة، غطى على الزعامات التي تتبنى مفهوم "الدولة" فعلاً؛ إذ لا تستطيع هذه الزعامات التعاطي مع المزاج العام، نتيجة سلوك "الأرستقراطية السياسية" الذي تتصفُ به.

اقرأ أيضاً: العراق يجتاز عتبتين: نجاح الانتخابات وتوقيف نائب زعيم داعش.. ماذا بعد؟

وينعكس هذا الانطباع الشعبي على زعيمي "تحالف قوى الدولة"، عمار الحكيم، وحيدر العبادي، وعلى الرغم من أنّ الأخير هو رئيس وزراء أسبق ولديهِ نحو (25) مقعداً في البرلمان السابق، ويليهِ عمار الحكيم بـ (21) مقعداً، إلا أنّ تحالفهما الانتخابي الأخير حصدَ (4) مقاعد فقط، وهي نتيجة أصابت الرأي العام بالدهشة، جرّاء هذه الخسارة الفادحة التي لم يتوقعها أحد.

ويرى الصحفي العراقي ربيع نادر، أنّ "الحكيم دفعَ ثمن تشتتهِ في الخطاب، فهو لم يعد لدى الجمهور الشيعي كونهُ طرفاً شيعياً رئيساً"، مبيناً أنهُ "لم ينجح في أن يكونَ قائداً وطنياً كما أراد".

أما تأثير حيدر العبادي فبات مفقوداً منذ خروجهِ من رئاسة الوزراء، عام 2018؛ إذ يوصف بأنهُ "موظف دولة وتقني محترف" لكنّهُ لا يجيد الزعامة السياسية التي تجعلهُ قريباً من نبض الجمهور، على الرغم من أنّ حكومتهُ قادت معركة تحرير البلاد من داعش".

صدمة تحالف الفتح

وقبيل ليلة من إعلان النتائج، زارَ قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، العاصمة بغداد، من أجل التنسيق بين القوى الشيعية الفائزة حول شكل المفاوضات القادمة وكيفية التقارب مع الحلفاء الآخرين لتشكيل الكتلة الأكبر.

إعلان المفوضية حصول "تحالف الفتح" على (14) مقعداً فقط، بعدما كان التحالف يمتلكُ (48) مقعداً

إعلان المفوضية حصول "تحالف الفتح" على (14) مقعداً فقط، بعدما كان التحالف يمتلكُ (48) مقعداً. أدخلَ التحالف الولائي لإيران في صدمة قادت إلى عقد اجتماع طارئ لـ "المجلس التنسيقي للإطار الشيعي" وهو مجلس أسسهُ إسماعيل قاآني لجعل "الفصائل المسلحة" ضمن إطار مرجعي واحد داخل العراق.

وقد رفض المجلس نتائج الانتخابات، جملةً وتفصيلاً، متهماً المفوضية بالتقصير، بعد حصول خروقات أثناء سير العملية الانتخابية.

الناشط حامد الخفاجي لـ"حفريات": فاجأنا رئيس حركة امتداد الوطني، علاء الركابي، الذي تمكن في ظروف صعبة من لملمةِ صفوف حركتهِ والدخول في انتخابات تشوبها  الشكوك

ويعلّق رئيس مركز الذهبي لدراسات المستقبل، فلاح الذهبي، على هذه الخسارة  بالقول: "البعض أصابهُ الغرور ويتصور أنّ الشعب العراقي ذاتهُ في الانتخابات التي جرت منذ عام 2005 ولغاية 2019"، مبيناً أنّ "تراكم الفشل، تحول لدى الناس إلى موقف، لذلك هناك عزوف وانتخاب بالنكاية، أي نكايةً بفلان سأنتخب فلان، أي التصويت العقابي".

وتابع قوله: "الانتخابات في العراق أصبحت حرفة وهناك من لا يجيد هذه الحرفة"، في إشارة إلى عدم إجادة قادة التحالفات الخاسرة لها.

هدوء داخل البيت السنّي

في المقابل، حصدت الكتل السياسية للمكوّن السنّي على نتائج مرضية لزعاماتها، وتصدّرت قائمة "تقدم"، بزعامة محمد الحلبوسي بـ 41 مقعداً، تلتها قائمة "عزم" بزعامة خميس الخنجر بـ 15 مقعداً، فيما حصدت قائمة "الجماهير" للنائب أحمد الجبوري 5 مقاعد.

تصدّرت قائمة "تقدم"، بزعامة محمد الحلبوسي بـ 41 مقعداً

وكان الحزب الإسلامي العراقي أبرز الخاسرين على الساحة السنّية، فضلاً عن قيادات بارزة، مثل: رئيس البرلمان الأسبق سليم الجبوري، والنائب ظافر العاني، والنائب محمد الكربولي، والنائب أسامة النجيفي.

ويمتلك العرب السُنّة 61 مقعداً في البرلمان الاتحادي، ولم تتبلور لغاية الآن إمكانية اندماج تحالفي "تقدم" و "عزم" في كتلة واحدة، لكنّ التحالف الأول أعلن فتح خطّ تفاوضيّ مع "الكتلة الصدرية"، باعتبارها الفائز الأول والأكبر في البرلمان المقبل.

اقرأ أيضاً: الانتخابات العراقيّة... رسائل لا يمكن تجاهلها

ووفق عرف المحاصصة السياسية، بعد عام 2003؛ فإنّ رئاسة البرلمان هي من حصّة المكوّن السنّي من الرئاسات الثلاث، لكنّ رئيس البرلمان السابق، محمد الحلبوسي، أعلن مؤخراً عن طموحهِ برئاسة الجمهورية، وأن تكون من نصيب العرب السُنّة، باعتبار العراق بلداً عربياً يجب أن تكون واجهتهُ الرئاسية عربية، لا كردية، كما هي الآن.

البارزاني يكتسح مقاعد كردستان

ولعلّ حصول الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، على أعلى الأصوات الكردية، والرابع على المستوى العراقي، يأتي لاستقرار حزبهِ تنظيمياً وسياسياً وسيطرتهِ على مجمل مفاصل الإقليم، الذي يحكمهُ بالتوافق مع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتولى رئاسة الجمهورية في بغداد.

وحصل حزب بارزاني على 32 مقعداً، بعد أن كانوا 26 مقعداً في الدورة النيابية السابقة، فيما تراجع الاتحاد الوطني الكردستاني من 18 مقعداً إلى 15 مقعداً؛ إذ خسرَ الاتحاد الوطني مقاعده في محافظة كركوك، بعد أن شهد انقساماً حزبياً إثرَ انقلاب الرئيس المشترك للاتحاد بافل طالباني على ابن عمه، لاهور شيخ جنكي، ما أثّرَ في المسار السياسي للاتحاد في الآونة الأخيرة.

حصول الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، على أعلى الأصوات الكردية

وكانت المفاجأة في الإقليم؛ فوز حزب الجيل الجديد بـ 9 مقاعد، متقدماً على الاتحاد الإسلامي الكردستاني الذي حصل على 4 مقاعد فقط، في حين خرجت حركة التغيير الكردية، التي كانت تمتلك نحو 17 مقعداً، خالية الوفاض من الانتخابات الأخيرة.

شباب تشرين يفاجئ الجميع

وتستكمل النتائج الأولية بحصول حركة "امتداد الوطني"، وهي حركة تشرينية في جنوب العراق، على 9 مقاعد، وهو ما أثارَ إعجاب الرأي العام المحلي، في وقتٍ أعلنت أغلب قوى الحراك التشريني مقاطعتها للانتخابات، احتجاجاً على "غياب الدولة" و"انفلات السلاح" .

اقرأ أيضاً: عراقيون يرفضون زيارة قاآني إلى العراق... ما علاقة الانتخابات؟

ونالَ عددٌ من الناشطين المستقلين أصواتاً داخل البرلمان الجديد، ليصل العدد بالمجمل مع "امتداد الوطني" إلى 15 مقعداً؛ أي يتجاوزن تحالف الفتح الولائي.

ويقول الناشط حامد الخفاجي: "لقد فاجأنا رئيس حركة امتداد الوطني، علاء الركابي، الذي تمكن في ظروف صعبة من لملمةِ صفوف حركتهِ والدخول في انتخابات يشوبها كثير من انطباع التزوير، مع الدعوات العامة للمقاطعة، لكن، رغم ذلك، أصرّ الركابي على مواصلة مشوارهِ السياسي وتمكّن من الحصول على مقاعد فاجأت الكثير".

وسبق للركابي أن صرّح لوسائل إعلام عدة؛ بأنّهُ في حال فوز حركتهِ بمقاعد داخل البرلمان الجديد، فسيذهب للمعارضة، ولن يتحالف مع قوى السلطة المدانة من قبل انتفاضة تشرين. مؤكداً أنّ "خيار المعارضة يأتي لفتح مسار التغيير في الانتخابات القادمة".
 



الصفحة الرئيسية