المنظمات الحقوقية والإخوان: علاقات معقدة وأكاذيب ممنهجة

المنظمات الحقوقية والإخوان: علاقات معقدة وأكاذيب ممنهجة


26/12/2020

إنّ التوظيف السياسي للمراكز الحقوقيّة، بشكل عام، ابتعد بها عن ممارسة مهامها الرئيسيّة، في المساعدة على الارتقاء بالأوضاع الإنسانيّة، وتسليط الضوء على مواطن الخلل الاجتماعي، بمساعدة الضحايا على تجاوز كافة الإشكاليات المتعلقة بالحقوق الأساسية للإنسان مثل: حق العمل، والحصول على مسكن ملائم، وحق تلقي رعاية صحيّة بمستوى جيد، والتمتع بالحريات الشخصية والسياسية، وللأسف جرى اختزال كل ذلك في حقل السياسة والممارسة الأيديولوجية فحسب، بحيث أصبح هرم الحقوق مقلوباً، دون مراعاة لتدرج الاحتياجات، ومعطيات البنى الاجتماعية للمجتمعات ذات الصلة، ومن ثم أصبح الحق في الحرية السياسية، رغم أهميته المركزية، هو كل حقوق الإنسان.

مع ظهور مراكز وجمعيات حقوق الإنسان بمصر جرى سحب البساط تدريجياً من التنظيمات والقوى السياسية، وخاصّة اليسارية

انتشار المراكز الحقوقية وتراجع اليسار

مع ظهور مراكز وجمعيات حقوق الإنسان في مصر، جرى سحب البساط تدريجياً من التنظيمات والقوى السياسية، وخاصّة اليسارية منها، التي كانت تعمل في أوساط العمال والفلاحين، وحققت إلى حد بعيد منجزاً في الضغط على السلطة، من أجل تحقيق مكاسب فئوية في الأوساط الأكثر تضرراً، إلى جوار نضالها السياسي بالطبع، من أجل بلوغ العدالة الاجتماعية، وفي هذا السياق برز عدد من رجال القانون المحسوبين على اليسار، الذين اهتموا بالقضايا العمالية، من أمثال: عادل أمين، وأحمد صادق عزام، وزكي مراد، وعبد الله الزغبي وغيرهم. 

في بداية الأمر، ركزت المنظمات الحقوقية جهدها تجاه تقديم خدمات قانونية للمعتقلين سياسياً، ومن هنا بدأت الصلات والروابط فيما بينها وبين التنظيمات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها أبرز التيارات السياسية التي تعرض أفرادها للاعتقال، وفي المقابل دعّمت الجماعة بعض الحقوقيين في الانتخابات النقابية، كنوع من تبادل النفع، ومع رغبة هذه المنظمات في الحصول على دعم خارجي، نظراً لضعف مواردها، باتت في حاجة إلى تبني أكبر عدد من القضايا، ومن هنا نشطت في الدفاع عن معتقلي التيار الإسلامي، بوصفهم الأكثر عدداً، وبلغ الأمر حد الدفاع عن جهاديين تورطوا في قضايا إرهابية.

هذا وقد اختصرت "مرافعة القرن" كل حديث عن العلاقة بين المنظمات الحقوقية والتيار الإسلامي، بشكل عام، ففي 15 أيّار (مايو) من العام 1993، وبعد إدانة مجموعة من عناصر جماعة الجهاد الإسلامي، في ضية مقتل الدكتور رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب المصري آنذاك، تطوّع المحامي اليساري أحمد نبيل الهلالي، للدفاع عن المتهمين، ليلقي مرافعة وصفت بالتاريخية، استغرقت ثلاث ساعات كاملة، بعدها نهض أحد المتهمين من خلف القضبان، وأنشد أبياتاً من أنشودة سيد قطب الشهيرة، غرباء، فبكى الهلالي تأثراً بها، قبل أن ينجح في تحويل دفة القضية، وينقذ المتهمين من حبل المشنقة.

حقوق الإنسان ورقة ضغط إخوانية

مع الضغط الأمريكي من أجل تفعيل خيار الديمقراطية في الشرق الأوسط، انتشرت المراكز الحقوقية في مصر، التي واصلت مهامها في تقديم المساعدات القانونية للمتهمين في قضايا سياسية، وكان خيار مساعدة الإخوان يفترض القدرة على تقويم التنظيم، وكسر أُطر إقصاء الآخر، عبر تقديم نموذج متسامح وإنساني، ولعب الإخوان على هذا الوتر جيداً، لتحقيق مزيد من الاختراق لبنية هذه المنظمات، التي رغم أهميتها، فشلت في التعاطي بشكل حذر مع مشروع التمكين، الذي كشّر عن أنيابه عقب ثورة 25 كانون الثاني (يناير) العام 2011.

اقرأ أيضاً: منابر الإخوان للتلاعب بحقوق الإنسان

مع وصول الإخوان إلى الحكم، ومحاولاتهم الرامية إلى الهيمنة على مؤسسات الدولة، اصطدمت الجماعة بالمراكز الحقوقية، التي أصبحت حجر عثرة أمام تفعيل مشروعها السياسي، وقد كانت بالأمس صديقها الأقرب، وفي الحقيقة لم تستطع هذه المنظمات، التي تنوعت وتعددت، الاضطلاع بدور مركزي في مواجهة التنظيم، نظراً لانقسامها وتبعية بعضها لجهات تمويلية، وكذلك لنجاح الجماعة في اختراق العديد منها، إلا أنّ مبادرات أخرى نجحت في تكريس استقلاليتها، وخاضت الصراع القانوني مع الجماعة، التي سرعان مع أسقطتها ثورة الجماهير الغاضبة في 30 حزيران (يونيو) العام 2013.

ركزت المنظمات الحقوقية على تقديم خدمات قانونية للمعتقلين سياسياً ومن هنا بدأت علاقتها بالتنظيمات الإسلامية

ومع سقوط الإخوان، يمّم التنظيم وجهه شطر الرعاة الإقليميين، في الدوحة وأنقرة، من أجل تأسيس منظمات حقوقية، تستخدم كأدوات للضغط السياسي، وتقوم بالاستقواء بالخارج من أجل دعم التدخل الأجنبي، لإعادة الجماعة مرة أخرى إلى المشهد السياسي، ورصد المرصد المصري، التابع للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، عدداً من هذه التنظيمات التابعة للإخوان المسلمين مباشرة وأبرزها:

‏- مؤسسة الكرامة ‏في سويسرا؛ وتمول من قطر، وأسّسها عبد الرحمن ‏النعيمي المدرج على ‏قوائم ‏الإرهاب.

‏-‏ كوميتي فور جيستس ‏في سويسرا؛ ويديرها القيادي الإخواني أحمد ‏مفرح، وتنشط في مجال دعم سجناء الإخوان.

- مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان في إسطنبول؛ يديرها المحامي الإخواني محمود جابر، وتحظى ‏برعاية ‏النظام التركي.   ‏

‏- منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان في لندن؛ ويديرها الإخواني علاء عبد المنصف، وتعمل على تدويل القضايا المتهم ‏فيها الإخوان وتحويلها إلى قضايا حقوقية.‏

‏- مركز الشهاب لحقوق الإنسان في لندن؛ ويديره الإخواني، خلف بيومي، وتعمل على دعم سجناء التنظيم.‏ ‏

-المنبر المصري لحقوق اﻹنسان، ويعمل ما بين أوروبا والولايات المتحدة، ويضم كلاً من الإخواني الحاصل على الجنسية الأمريكية، محمد سلطان، نجل القيادي الإخواني، صلاح سلطان، ومعتز الفجيري، أمين صندوق الشبكة اﻷوروبية المتوسطية لحقوق اﻹنسان، وتم اختيار مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق اﻹنسان، بهي الدين حسن، مستشاراً لها.

اتجهت الجماعة نحو الرعاة الإقليميين في الدوحة لتأسيس منظمات حقوقية تستخدم كأدوات للضغط السياسي تستقوي بالخارج

‏ويبدو أنّ محمد سلطان، قرر مواصلة أدواره المخادعة، بداية من إضراب أسطوري عن الطعام، وصولاً إلى التخلي طواعية عن الجنسية المصرية، فما بين الإضراب لنحو 490 يوماً، والظهور بعدها بأيام بصحة جيدة في الولايات المتحدة عقب ترحيله، وأمامه كميات هائلة من الطعام (البيتزا)، تبدو الروايات التي استخدمتها المنظمات الحقوقية الإخوانية، من أجل الضغط للإفراج عنه، غير قابلة للتصديق، قبل أن يقرر استخدام نفس السلاح، ومن خلال المنبر المصري الذي يعمل به، حيث انطلقت حملات دعائية، استخدمت كل أشكال التحريض ضد الوطن، بشكل يكشف طبيعة الأدوار، وخفايا الأيديولوجيا الإخوانية.

هذا التحريض في نظر، هشام النجار، الكاتب الصحفي بجريدة الأهرام المصرية، ينطوي على أنّ الجماعة بمفردها عاجزة، بالنظر إلى أنّها، في رأيه، تم فرضها من الخارج، عندما تبنت الدول الغربية مشروع تمكين الإخوان من السلطة في البلاد العربية، "وهذا عُد بمثابة إنقاذ للجماعة، وبعث لها من موات، لأنّ هذا التيار بمجمله كان قبل العام 2010، في طور الاضمحلال، ولم يكن أحد يتخيل أن يصعد هذا الصعود المفاجئ، بدون أدنى استحقاق، لعدم جاهزيته ببرامج للحكم، وافتقاره للخبرات والكوادر القادرة على إدارة الدولة، وأيضاً بالنظر للفشل الذريع للإخوان، خلال عام حكمها لمصر، بل لفشل نموذج حكمها في مختلف البلاد العربية، سواء في السودان أو غيرها، ويلفت النجار إلى أنّه إذا نظرنا إلى مساعي ومحاولات الجماعة للعودة للمشهد، منذ إسقاط حكمها في حزيران (يونيو) العام 2013، وإلى اليوم". 

اقرأ أيضاً: هكذا تسلل "الإخوان" إلى منظمات حقوق الإنسان

ويرى النجار في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ جماعة الإخوان تعتمد بشكل شبه كلي على القوى الخارجية، لتحقيق هذا الهدف، سواء من خلال محاولات الابتزاز والضغط، باستخدام  قوى غربية تشتبك جماعة الإخوان مع أجهزتها الأمنية والاستخباراتية بعلاقات تاريخية، مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة، أو من خلال الضغط الأكثر خشونة من خلال ممارسات قوى إقليمية راعية للإخوان، مثل تركيا التي تستخدم مختلف الوسائل لتحقيق هذا الهدف، أو عبر توظيف ورقة الجمعيات والمراكز الحقوقية الغربية والاقليمية الممولة من قطر، والتي تشوه الأوضاع في مصر لحساب الجماعة، ما يعني أنّ الجماعة في مختلف أطوارها، عاجزة عن الفعل والإنجاز بنفسها، لأنّها تفتقر تماماً لفلسفة وملكات الإبداع السلمي الوطني، لذا تتنوع أدوات استقوائها بالخارج، وأدوات ضغطها وتحريضها، ما بين خشن باستخدام العنف والإرهاب، وما هو ناعم كورقة المراكز الحقوقية.

 

الصفحة الرئيسية