المقاتلون "العائدون".. هل يحتاج المصطلح لإعادة تعريف؟

داعش

المقاتلون "العائدون".. هل يحتاج المصطلح لإعادة تعريف؟

مشاهدة

28/10/2018

دعا تنظيم "داعش" في بداية العام 2017 من لديه رغبه في الالتحاق به "النفير إلى أرض الخلافة" أن يلتحق بأفرعه في المناطق الأقرب له، دون أن يكون مضطراً لدخول الأراضي العراقية والسورية "معقله الرئيسي" بعد أن فقد السيطرة على المعابر الحدودية التي سيطر عليها على الحدود التركية السورية، وخسر غالبية الأراضي التي كان قد سيطر عليها في سوريا في فترة تمدده بين العامين 2014 وحتى العام 2016.

إلا أنّ الأخطر هو عمل التنظيم على خطة لإعادة توزيع أعضائه جغرافياً، بعد أن أدرك أن تركيز قواه البشرية في مناطق الصراع في العراق والشام أفقدته الآلاف من العناصر؛ إذ باتت تلك المناطق كمصيدة وقع فيها، ومن ثم فهو يعمل على إعادة المئات من العناصر إلى مناطق في دول أخرى ليست بالضرورة دولهم المتجنسين بجنسيتها.

لم يكن توزيع داعش لمقاتليه جغرافياً وإنما حسب أهداف التنظيم

إعادة التوزيع الجغرافي

ربما يخشى التنظيم من إرجاع عناصره لدولهم المتجنسين بجنسيتها خوفاً من اكتشافهم من قبل أجهزة دولهم الأمنية وتعرضهم للتوقيف، أو من أن يسلموا أنفسهم لتلك الأجهزة، أو يعودوا للانصهار في مجتمعاتهم مرة أخرى متخلّين عن أفكاره وخارجين عن قبضته التنظيمية.

فيلاحظ زيادة نسبة الأجانب في تنظيم "داعش سيناء"، بحسب شهود عيان على مجزرة مسجد الروضة، التي ارتكبها التنظيم في منتصف العام الماضي، كما أنّ مسؤول التنظيم الحالي عراقي الجنسية وكنيته "أبو هاجر الهاشمي" والذي تسلل إلى سيناء بعد مقتل أمير التنظيم المصري "أبو دعاء الأنصاري".

شغل مصطلح العائدون حيزاً من النقاش في دوائر البحث والإعلام بعد بدء اندحار داعش وفقدانه معاقله الرئيسية

وأعاد التنظيم عدداً من مقاتليه إلى ليبيا وحثّ الموالين له في قطاع الشمال الإفريقي، إلى الانحياز إلى فرعه في الجنوب الليبي، بل إنّ القيادي الشرعي في التنظيم، تركي بنعلي، ظهر في ليبيا أثناء إلقاء محاضرة لأعضاء التنظيم، وهو ما أثار التساؤلات عن كيفية دخوله الأراضي الليبية ثم عودته مرة أخرى إلى الأراضي السورية، التي لقي حتفه فيها مؤخراً.

وحرص أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، على أن ينفر الراغبون في الالتحاق بجماعته للولايات القريبة منه، فإذا كان هناك من يرغبون في الالتحاق من دول الشمال الإفريقي فإنّ الفرع المرشح للانضمام له هو الفرع في ليبيا، وإذا كان قريباً من الغرب الإفريقي فالالتحاق سيكون ببوكو حرام، وتبقى سيناء محلاً للدعم من كافة الدول المحيطة.. إذن فـ "داعش" يقوم بإعادة توزيع جغرافي لمقاتليه، ليس على أساس جنسيات مقاتليه، وإنما حسب أهداف وأغراض التنظيم.

اقرأ أيضاً: الموصل تصارع للتخلص من إرث داعش

فلا تعترف التنظيمات الإسلامية الراديكالية بالجنسية، بل إنّ تنظيم "داعش" يتعمد محوها، فأظهر عدد من الفيديوهات لعناصره وهم يحرقون جوازات سفرهم، معلنين عن تبرّئهم من انتسابهم لبلدانهم باعتبار ذلك من قبيل "الجاهلية العفنة".

في تصريحات  صحافية له كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي الذين غادروا محافظة الرقة السورية بعد تحريرها في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في عملية مشتركة بين التحالف الدولي بقيادة أمريكا وتحالف قوات سوريا الديمقراطية "قسد" أرسلوا إلى سيناء.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي سمحا بمغادرة بعض مسلحي "داعش" وعائلاتهم من الرقة، على أن يذهبوا إلى مناطق "داعش" في محافظة دير الزور المجاورة، لكن لاحقاً تبين أنّ مئات المسلحين وضمنهم العشرات من الأجانب تمكنوا من الفرار في قوافل المغادرين آخذين معهم أسلحتهم.

يخشى التنظيم من إرجاع عناصره لدولهم خوفاً من اكتشافهم

العائدون القدامى

شغل مصطلح "العائدون" حيزاً من النقاش في دوائر البحث والإعلام بعد بدء اندحار "داعش" في العراق وسوريا وليبيا، وفقدانه معاقله الرئيسية فتخوفت الدول الغربية من أولئك الذي يحملون جنسياتها، ثم عادوا أو يفترض أنهم سيعودون، إلى بلدانهم مرة أخرى، ما دفع بنظريات سياسية اجتماعية، تحاول التصدي لهم، أو كيفية إعادة دمجهم في مجتمعاتهم دون أن يلحق بها ثمة آثار سلبية.

يقوم داعش بإعادة توزيع جغرافي لمقاتليه ليس على أساس جنسيات مقاتليه وإنما حسب أهداف وأغراض التنظيم

تعود جذور مصطلح "العائدون" إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ المقاتلون في مناطق الصراع في بلدان مثل أفغانستان، والشيشان، والبوسنة والهرسك، وغيرها في العودة لبلدانهم، فرادى وتنظيمات، ونفذ عدد منهم العديد من الهجمات التي استهدفت دولهم، وتأزم الوضع عندما وجد المقاتلون أنفسهم وقد ضاقت عليهم الأرض، بعد أن وضعت الحروب أوزارها، وبدأوا في التساؤل ماذا نحن فاعلون؟

لم يكن هؤلاء على درجة واحدة في التطرف، فمنهم من ذهب لإيمانه بقتال الاتحاد السوفيتي الموصوف لديه بالشيوعي "الكافر"، باعتباره العدو الأكبر للإسلام، إلا أنه لم يكن يسعى لقتال النظم، ومنهم من كان يذهب للقتال في أفغانستان في مواسم الصيف والإجازات السنوية، كنوع من أداء فريضة الجهاد "السياحي"، بعد أن كانت نظم دولهم تشجعهم على ذلك، وهناك من كانت له جذوره التنظيمية، التي ارتبط بها، فتعلق مشروعه فيما بعد انتهاء الحرب بمشروع تنظيمه.

اقرأ أيضاً: الشيشان.. منجم الجهاديين الذي يعجز بوتين عن إغلاقه

عاد المقاتلون الجزائريون إلى بلدهم، فانخرطوا في تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة "جيا"، النواة الأولى للجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي بايعت تنظيم القاعدة بعد ذلك لتصبح تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وعاد الليبيون منهم ليشكلوا ما أطلقوا عليه "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة"، وكانت امتداداً لتنظيم علي العشبي، ومن بعده عوض الزواوي، ثم محمد المهشهش، إلى أن تبلور على يد عبدالحكيم بلحاج والعائدون معه من أفغانستان في العام 1992م.

عناصر الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة

وأرسل تنظيم الجهاد بعض المجموعات التي سرعان ما اكتشف أمرها مبكراً، والتي سميت وقتها بطلائع الفتح، واكتشف مجموعات أخرى سميت بالعائدين من ألبانيا، والعائدين من أفغانستان.. ألخ، كما أن هناك من عاد إلى اليمن، والسعودية، وغيرهما ليشكل تنظيمات تأسست على عناصر العائدين من حقول الصراع.

اقرأ أيضاً: سيّاف: إيران وراء العمليات الإرهابية في أفغانستان

أجهضت غالبية تلك المجموعات، خاصة في مصر، واكتشف أمر الجماعة الليبية المقاتلة، قبل أن تبدأ في تنفيذ ما أعدت له، وقضى الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، آنذاك، على معقلهم الرئيسي في الجبل الأخضر وزج بغالبيتهم في السجون. ثم عادت الظاهرة ليسلط عليها الضوء من جديد، بما تحمله من تخوفات تهدد العالم، قياساً على التجارب الأولى في حقول القتال.

عائدون متنوعون

نشر مركز "صوفان للاستشارات الأمنية" في نيويورك، تقريراً عن العائدين، مع توالي هزائم تنظيم الدولة في العراق وسوريا وخسارته لنحو 85% من الأراضي التي كان يسيطر عليها عام 2014، والتي تعادل مساحة بريطانيا، لافتاً إلى أنّ مشكلة التنظيم ستنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها "العائدون من الخلافة".

عمل التنظيم على خطة لإعادة توزيع أعضائه جغرافياً بعد أن أدرك أنّ تركيز قواه البشرية في مناطق الصراع أفقدته الآلاف من العناصر

ويلفت التقرير إلى أنّ خسارة تنظيم الدولة للأرض في العراق وسوريا لن تكون بالضرورة نهاية "عهد التمكين" بالنسبة له، فالتنظيم، حسب التقرير، ما يزال يحتفظ بوجود مقاتليه على الأرض في "ولاياته" بكل من ليبيا وسيناء في مصر، وخراسان بأفغانستان، عوضاً عن عمله لتمكين وجوده في جنوب شرق آسيا.

السؤال الذي يثيره التقرير هو أزمة هؤلاء العائدين، والخطر الكبير الذي يمكن أن يشكلوه في عشرات الدول حول العالم، الأمر الذي سيحول الحرب على التنظيم من العراق وسوريا إلى مشكلة محلية تعاني منها دول عدة حالياً، وهي قابلة للتمدد.

ويشير إلى أنّ خسارة التنظيم لعاصمته في الرقة ربما تعتبر في أدبيات مناصريه "مجرد محنة في طريق النصر"، وأنّ الرد على الهزائم المتتالية في العراق وسوريا سيكون من خلال شن هجمات محلية نجحت فعلاً في دول غربية عديدة.

اقرأ أيضاً: 5 تنظيمات متطرفة مهدت لداعش دروب التوحش

أهم ما أشار إليه التقرير هو نوعية الذين التحقوا بصفوف التنظيم، والذين صنفهم إلى خمس مجموعات على الوجه التالي:

1- التحقوا بالتنظيم وعادوا بعد وقت قصير: وهؤلاء يشكلون فئة قليلة تركت "أرض الخلافة" قبل أن تنحسر لأنهم لم يجدوا فيها ما يبحثون عنه أو لم يوافقوا على أدبيات التنظيم وممارساته. وينبّه التقرير إلى أنه يصعب التنبؤ بأفعال هؤلاء على المدى الطويل.

2) التحقوا بالتنظيم وعادوا محبطين: وهؤلاء عادوا بعدما بدأ التنظيم يفقد قدرته على تحقيق النصر في المعارك، وهؤلاء تشكلت لديهم الشكوك، لكنها ليست حول عقيدة التنظيم وإنما حول تكتيكاته وقدرة قيادته.

3) عادوا بعد أن تشبعوا بالتجربة: وهؤلاء أعجبوا بالتنظيم و"صورته البطولية"، وسبب عودتهم أنهم حققوا رغبتهم في "المغامرة" التي بحثوا عنها، بينما لم يكن الاستمرار مغرياً لهم.

حسب التقرير فإن مجندي داعش من فرنسا وبلجيكا مسؤولون عن هجمات باريس

4) ألقي القبض عليهم من قبل دولهم: وهؤلاء إما أنهم عادوا إلى أوطانهم بعدما تلقى التنظيم خسائر أدت إلى انحسارهم، أو أنهم اعتقلوا أثناء المعارك.

5) دربهم التنظيم وأرسلهم إلى دولهم أو دول أخرى: وهؤلاء هم الفئة الأخطر، وهم مقاتلون بدأ التنظيم منذ إعلانه الخلافة عام 2014 بتدريبهم وإرسالهم إلى دولهم أو دول أخرى. ويلفت التقرير إلى أنّ المجندين من فرنسا وبلجيكا ربما كانوا النواة الأولى من النوع الأخير من مقاتلي التنظيم، وكانوا مسؤولين عن هجمات باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2015، وبروكسل في آذار(مارس) العام 2016، كما أنّ هذه الفئة نفذت واحدة من أخطر هجمات التنظيم عندما هاجم مسلحون من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مطار إسطنبول في حزيران (يونيو) العام 2016، ما أسفر عن مقتل 45 شخصاً.

الصفحة الرئيسية