"القاعدة" و"داعش".. هل يسعيان للردّ على مجزرة نيوزيلندا؟

"القاعدة" و"داعش".. هل يسعيان للردّ على مجزرة نيوزيلندا؟

مشاهدة

20/03/2019

مرت حادثة نيوزيلندا دون أن يصدر تنظيم داعش بياناً يهدّد فيه بالردّ، كما هو متوقّع، ذلك البيان المفترض الذي انتظره كثير من المراقبين، حتى يعددوا للتنظيم المرات التي استهدف فيها مساجد المسلمين، وأودى بحياة المئات منهم، كان أقربها مذبحة مسجد الروضة، شمال محافظة سيناء، والتي أودت بحياة 300 من عرب مدينة بئر العبد، في أواخر العام 2017.

اقرأ أيضاً: ماذا قال تنظيم داعش عن هجوم نيوزيلندا؟

إلا أنّ التنظيم أصدر فيديو جرافيك، لم يتطرق فيه لهجوم نيوزيلندا بشكل مباشر، بينما سرد عمليات قصف قامت بها قوات التحالف الدولي لمساجد كانت واقعة تحت سيطرته في سوريا والعراق، والتي أودت بحياة المئات من المسلمين، وهي على النحو الآتي: "مسجد الرقيب في الفلوجة، ومسجد النور في الرقة، مسجد العبيدي في القائم، ومسجد الزوية في هجين، ومسجد عثمان بن عفان في السوسة"، ثم يظهر الفيديو أنّ عدد الذين قتلوا في هذه المساجد بالمئات، وجميعهم من المصلين، خاصة يوم الجمعة.

 التنظيم أصدر فيديو جرافيك، لم يتطرق فيه لهجوم نيوزيلندا بشكل مباشر

ثارات داعش

يظهر الفيديو صورة لسلاح منفّذ الهجوم الإرهابي الذي استهدف المصلين في مسجدين بنيوزيلاندا، تنسدل منه ستارة من الدماء، مكتوب عليها أنّه لا فرق بين السلاح الذي قتل المصلين في هذا المسجد، وبين سلاح قوات التحالف الذي قتل المصلين في المساجد التي تحت سيطرة التنظيم، ثم بيدأ صوت يشبه صوت أبو عمر البغدادي، الأمير السابق للتنظيم، في الظهور وهو يقول: "وسوف ترانا فإنّ للأسد هدأة لا تطول"، ثم يتعالى صوت زخات الرشاش.

اقرأ أيضاً: كيف جاءت ردود كندا على هجوم نيوزيلندا؟

لا يظهر فيديو داعش غضباً من مجزرة قتل المصلين في نيوزيلندا، بقدر ما يظهر شعوره بالحنق والغضب من تفاعل المجتمعات الإسلامية مع تلك الحادثة، بينما لم يتفاعل مع ما تعرض له التنظيم في مناطق سيطرته، في حين لا يرى هو أنّ هناك فارقاً في كلتا الحالتين.

ورغم ذلك؛ فإنّ التنظيم يعطي إشارة البدء في عمليات داخل أراضي دول التحالف ليس لما وقع في نيوزيلندا؛ بل لما أوقعته دول التحالف على أراضيه، وإن حاول استغلال الحدث في تحريك ذئابه المنفردة في تلك الدول، فإنّ الأصل في تلك العمليات هو الانتقام الذاتي لما جرى له.

ذئاب التنظيم في الدول الأوروبية، وغيرها من الدول، تعاني ضعفاً شديداً

ذئاب ضعيفة

بيد أنّ ذئاب التنظيم في الدول الأوروبية، وغيرها من الدول، تعاني ضعفاً شديداً، جراء سياسته في استخدامهم بعد أن شنّ التحالف الدولي حربه عليه، عام 2015؛ فقد اعتمد قادة داعش، ومن بينهم أبو محمد العدناني، المتحدث السابق باسم التنظيم، إستراتيجية تدعو أتباعهم في الدول الغربية إلى البدء في شنّ هجمات سريعة وعشوائية وغير محسوبة، في الدول التي يقطنون فيها، واستخدام الشاحنات والسكاكين والحجارة في إصابة أيّ هدف متاح أمامهم، مهما كان مصيرهم بعد ذلك، سواء قتلوا أو ألقي القبض عليهم.

النظر للعلاقة بين الغرب والإسلام على أنّه صراع ديني عقدي يحكم عقلية كافة تيارات الإسلام السياسي على تنوعها

وإذا كان داعش لم يصدر بياناً رسمياً صريحاً، فإنّ جماعة أنصار الدين، الموالية للقاعدة، في شمال إفريقيا، قد أصدرت بياناً رسمياً حمل توقيعها، دون توقيع التحالف القاعدي الذي ترأسه، والمسمّى بـ"نصرة الإسلام والمسلمين".

بدأ بيان القاعدة بالآية الكريمة: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهو إقرار من تلك الجماعة بإسلام من قتلوا في المسجد، وبعده عن شبهة تكفيرهم كما هو في الحالة الداعشية.

إلا أنّ الجماعة أكدت على كفرية المجتمعات الغربية؛ إذ ترى في المجزرة التي وقعت في مسجدي مدينة كرايستشيرش رسائل كثيرة، منها: "حقيقة الصراع والحرب القائمة بين المسلمين والكافرين، وأنّها حرب عقدية، واستمرار للحروب الصليبية على الإسلام وأهله، وهذه الحقيقة لم تجلّيها رسائل القاتل فحسب؛ بل صرّح بها مسؤولون ورؤساء دول صليبية حاقدة على الإسلام".

القاعدة الإفريقية
لم يأتِ خطاب تلك الجماعة بجديد؛ فالنظر إلى العلاقة بين الغرب والإسلام على أنّه صراع ديني عقدي، يحكم عقلية كافة تيارات الإسلام السياسي على تنوعها، سواء تلك التي تستعجل بالصدام المسلح والعنيف، أو تلك التي ترى تأجيل ذلك.

تظهر هيئة تحرير الشام نفسها متحدثة باسم معاناة الشعب السوري كأنّها حركة محلية لا علاقة لها بتنظيمات دولية

ومع أنّ تلك الجماعة تحسب على القاعدة في شمال إفريقيا، إلا أنّ زعيمها، إياد أغ غالي، المالي الجنسية، لم يبايع أمير القاعدة السابق، أسامة بن لادن، ولا أميرها الحالي، أيمن الظواهري، وإن اندمج في حلف للقاعدة في تلك المنطقة.

كما حمل هذا البيان تحريضاً على القتال ضدّ الغرب، مستخدماً مصطلح "دفع الصائل": "إنّ ما سبق، وغيره، يوجب على الأمة أن تعي أن معركتها ضدّ الكفر واحدة لا عزّ لها إلا بذروة سنام الإسلام، الذي يدفع الصائل، ويحرر الأرض، ويحكم شرع الله".

لكن يبدو أنّ بيان تلك الجماعة جاء لشحذ وجدان شباب المسلمين إلى الانضمام إلى صفوفها، مستغلاً ذلك الحدث: "هذه المجزرة تحمل في طياتها، بإذن الله، منحة إيقاظ الأمة من سباتها وغفلتها، لتشارك في المعركة مع طليعتها المجاهدة، وتقف صفاً واحداً في وجه الطغاة وأسيادهم، لتتحرر من قيودها ولتسترجع عزمها وسؤددها".

ومع ذلك؛ فإنّ القاعدة، بشكل عام، لديها القدرة على تنفيذ عمليات داخل العمق الأوروبي؛ لأنها بخلاف داعش، حرصت على الحفاظ على ما أسمته مجلة "إنسباير" التابعة للتنظيم "أمن الأفراد"، وبمقتضى تلك السياسة لا يقوم التنظيم بحرق ذئابه المنفردة أو خلاياه النائمة، في أهداف سهلة وعشوائية، بل يحرص على التأني في عمليات التنفيذ والقيام بحسابات المكسب والخسارة، والإبقاء على العناصر لتنفيذ عمليات نوعية مؤلمة.

اقرأ أيضاً: صناعة التطرف .. قراءة في هجوم نيوزيلندا الإرهابي

فقد استطاعت القاعدة، عبر أحد ذئابها المنفردة، في الردّ الدموي على رسوم صحيفة "شارل إبدو"، بينما كان نجم داعش صاعداً على الساحة الجهادوية الأممية، كما أنّ الهجمات الأخطر، والتي طالت مدنيين في مدينة بوسطن الأمريكية، في 15 نيسان (أبريل) عام 2013، كانت بفعل القاعدة، وقبلها، عام 2005، كانت تفجيرات لندن، التي أودت بحياة 50 شخصاً، والتي وقفت القاعدة وراءها أيضاً.

الخطاب المسالم للقاعدة السورية
لم تكن الرسالتان السابقتان جديدتين ومختلفتين، إلا أنّ بيان هيئة تحرير الشام، التي أعلنت فكّ ارتبطها بالقاعدة، جاء لافتاً للنظر؛ إذ جاء مخاطباً فيما يبدو المجتمعات الغربية، معتبراً أنّ الحادثة نتجت عن عقود من التضليل الممنهج بحقيقة المسلمين ودعوتهم، والتشويه المتعمد لأصول دين الإسلام الحنيف ومفاهيمه النبيلة، وتحويلها من ينابيع الهداية والرحمة إلى منبع للإرهاب والتخريب، ضمن حملات إعلامية وأبحاث وقوانين تصبّ جميعها في هذا الاتجاه، أو ما اصطلح عليه الإسلاموفوبيا".

في الفيديو الذي أصدره داعش سرد عمليات قصف قامت بها قوات التحالف لمساجد كانت واقعة تحت سيطرته بسوريا

خلا البيان من مواطن التكفير، على غير عادة القاعدة وداعش، ونحا منحى سلمياً؛ حيث، للمرة الأولى، تتحدث حركة جهادوية سلفية عن نقدها لوصفها بالإرهاب، ذلك المفهوم الذي احتفت به على الرغم من كراهيته كافة التنظيمات الجهادوية، باعتباره مصطلحاً وصفت به الفئة المؤمنة في مواجهة الفئة الكافرة ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

تظهر هذه الحركة نفسها متحدثة باسم معاناة الشعب السوري، كأنّها حركة محلية لا علاقة لها بتنظيمات دولية، فتذهب لانتقاد منظمات حقوق الإنسان التي تتهمها بأنّها تتفاعل في مناطق ودول وشعوب، وتصمت إزاء قضايا وما يحصل في بلدان أخرى.

ثم تستغل الحركة البيان للفت انتباه هذه المنظمات لما يحدث في سجون النظام السوري، جراء قصف طيرانه، بالتعاون مع ما أسمته "الاحتلال الروسي والإيراني".

ويتحدّث هذا البيان عن معاناة اللاجئين، لافتاً إلى "الجثة الهامدة التي تتقاذفها الأمواج، ولم يحرك كلّ ذلك ضمير العالم، أو يدفعه إلى مواقف أكثر جدية لإنقاذ هذا الشعب المسلم أو إدانة المجرم والإشارة إليه".

اقرأ أيضاً: في نيوزيلندا... للإرهاب وجه آخر

يتحدث بيان تحرير الشام، عن الرأي العام، ويخاطب العالم الإسلامي: "وإننا، في هيئة تحرير الشام، نستنكر هذه الجريمة، وندعو العالم الإسلامي إلى رفضها، وتحريك الرأي العام لذلك، كي لا تتكرر أو تذهب دماء إخواننا سدى"، دون أن يدعو إلى أخذ الثأر، أو القيام بعمليات انتقامية.

يثبت هذا البيان تغير خطاب هيئة تحرير الشام، التي من المفترض أنّها تضم حركات سلفية جهادية، خرجت جميعها من رحم القاعدة، إلا أنّها استغلت الحادثة للظهور بمظهر الحركة المحلية التي تناضل ضدّ نظام ديكتاتوري، ولا تدعو إلى عمليات إرهاب خارج البلاد.

الصفحة الرئيسية