العراقيون يستعيدون روح السخرية عشية الانتخابات

العراقيون يستعيدون روح السخرية عشية الانتخابات

مشاهدة

28/09/2021

أقلّ من أسبوعين على الاقتراع الانتخابي المبكر، والخامس الذي يشهدهُ العراق منذ عام 2005، وما يزال الشارع العراقي غير متفاعلٍ مع الحملات الانتخابية للمرشحين المتنافسين على مقاعد المجلس النيابي المقبل، بل أخذ التفاعل يذهب باتجاه المشاكل الاجتماعية والبرامج الساخرة التي تطلقها منصات الإعلام الرقمي في البلاد، إذ يلاحظ أنّ العراقيين يستعيدون روح السخرية من الطبقة السياسية عشية الانتخابات.

اقرأ أيضاً: العراق يلاحق قضائياً دعاة التطبيع مع إسرائيل... ما القصة؟

ويشارك في الانتخابات التشريعية العامة، المزمع إجراؤها في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، أكثر من 3200 مرشح، يتنافسون على شغل 329 مقعداً برلمانياً، موزعة على 83 دائرة انتخابية.

وتحاول أكثر الزعامات السياسية مناغمة مكوناتها، بخطابات وفعاليات "مستهلكة" سابقاً، الأمر الذي جعلها عرضةً للتندرِ والسخرية، ويرى مراقبون أنّ التجاهل والسخرية تعدّ من أبرز الأدوات التي يمتلكها العراقيون تجاه الكتل التي يحمّلونها مسؤولية تردّي أوضاع البلادِ بالمجمل.

لافتات انتخابية لمرشحين في العاصمة بغداد
وشهدَ العراق في مواسمهِ الانتخابية الماضية الأربعة، حالة من الشدّ الطائفي والقومي بين مكوناتهِ الدينية والإثنية، نتيجة التخندق خلف زعامات النظام السياسي، القائم بعد نيسان (أبريل) 2003، وهو ما كان يفضي لنتائج مريحة لكل القوى التقليدية المتنافسة على السلطة.

الاستثمار الديني مجدداً

كانت معظم القوى السياسية الشيعية تستثمر الطقوسيات المذهبية والشعارات الطائفية لصالح مشاريعها الانتخابية، وقد أدّى ذلك إلى استمالة العواطف الشعبية تجاه تلك القوى "المدانة" اليوم من قبل أبناء الطائفة، الذين باتوا المحرك الرئيس لحراك تشرين الاحتجاجي ضدّ النظام الحالي.

وتخلّت أغلب قوى التشيع السياسي عن استثمار العواطف المذهبية، لصالح شعارات مناطقية وأخرى مدنية، في محاولة منها لإقناع الشارع المحلي بالتجديد، إذا ما استثنينا من ذلك زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي أخذ يزيد من نشاطاتهِ السياسية في ذروة الطقوسية الشيعية، والمتمثلة في شهري محرم الحرام وصفر الهجريين.

لم تمرّ انتخابات تشريعية دون أن تتضمن البرامج الانتخابية لمرشحي المكون السنّي، فقرة إعادة المبعدين عن ديارهم، تحت مسمّيات تطورت زمنياً، وفق تطور الأحداث الأمنية

وشارك الصدر، مؤخراً، في زيارة الأربعين التي يقصدها ملايين الشيعة نحو مدينة كربلاء (100كم جنوب بغداد)، من أجل تفعيل حراكهِ الإعلامي الموازي لنشاطِ تيارهِ الذي أطلقَ حملتهُ الانتخابية تحت مسمى "الكتلة الصدرية"، والتثقيف نحو مشاركة جماهيرية واسعة للظفر بـ 100 مقعد، بحسب تصريحات قياديين في التيار. 

 ولا يجد معارضو الصدر، من عامة الناس، سوى منصات التواصل الاجتماعي للتعبير عن انتقاداتهم اللاذعة بحقّهِ وجمهورهِ الذي يمارسُ عنفاً مباشراً نحو من ينتقد الزعيم الشاب على أرض الواقع.

المالكي: "نعيدها دولة"

خشية الناس من سلوكيات الصدريين العنيفة، وضياع هيبة الدولة قبال سلطة الميليشيات المنضوية في هيئة الحشد الشعبي، أو تحت مسمى "فصائل المقاومة"، يحاول زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، أن يستثمرها عبر شعار ائتلافهِ الانتخابي "نعيدها دولة"، في إشارة إلى أنهُ الوحيد القادر على ضرب الجماعات المسلحة كما فعل في حربهِ ضدّ ميليشيا مقتدى الصدر، عام 2007.

مقتدى الصدر وسط حشود الزائرين إلى كربلاء بمناسبة أربعين الحسين

ويقف رئيس الوزراء الأسبق، عند حدود إنجازات ولايتهِ الأولى، متغاضياً عن مآلات البلاد، وسقوط ثلث أراضيها بيد تنظيم داعش الإرهابي، في ظلّ ولايتهِ الثانية، بحسب ما يراهُ الكاتب علي فائز، الذي قال لـ "حفريات"، إنّ "المالكي استطاع أن يتعكز على هذا الشعار بعد حملاتهِ على إحدى الميليشيات والتي كانت تعارضهُ انطلاقاً من مصالح شخصية ومكاسب سياسية محضة".

اقرأ أيضاً: العراق يهدد إيران باللجوء إلى محكمة العدل الدولية... لماذ
ويستدركُ قائلاً: "لكنّ الحقيقة والواقع أنهُ كان الصديق الودود للميليشيات والجماعات الخارجة عن القانون، خصوصاً تلك التي تقترب من أفكارهِ ومشاريعه؛ لذلك كانت حربهُ ضدّ الميليشيات في فترة ولايتهِ انطلاقاً من مصالح شخصية، وليس بدافع الإيمان بالدولة وتحقيق العدالة، وربما أكثر مرحلة شهدنا فيها أفول الدولة وصعود الجماعات المسلحة وبيعَ المدن هي مرحلة المالكي"، عاداً شعارهُ الانتخابي "عبارة عن ترحيل العيوب إلى الآخرين، أو التكفير عن ذنوبٍ سابقة أنهكت الدولة وغيبتها".

الساسة السُنة وملف النازحين

لم تمرّ انتخابات تشريعية دون أن تتضمن البرامج الانتخابية لمرشحي المكون السنّي، فقرة إعادة المبعدين عن ديارهم، تحت مسمّيات تطورت زمنياً، وفق تطور الأحداث الأمنية في مدن غرب العراق، فعند الحرب الطائفية في عامي (2006-2007) أطلقت تسمية المهجرين على السُنّة في مناطق الجغرافيا الشيعية، والعكس صحيح أيضاً.

 وبعد تحرير المناطق السُنّية من سيطرة تنظيم داعش، عام 2017، أطلقت تسمية النازحين على أولئك الذين نزحوا عن مناطقهم التي شهدت حرباً بين الدواعش والقوات العراقية المشتركة.

وبما أنّ شريحة النازحين، تمثّلُ بعداً صميمياً في المكوّن السنّي، ترفع الكتل السياسية لهذا المكوّن، أكثرَ من مرةٍ، شعارَ العودة لمناطقهم في حال فوزها بالانتخابات المحلية والتشريعية.

النازحون عن المناطق المحررة من داعش مادة دعائية يستثمرها ساسة المكون السني في حملاتهم الانتخابية

وتقول الناشطة السياسية، نور الهدى سعد: إنّ "الدورة الانتخابية الماضية، شهدت أيضاً الوعود نفسها بشأن عودة النازحين وتأهيل مدنهم المدمرة جرّاء الحرب ضدّ الإرهاب، لكنّ الناس لم يروا أيّ تحقيق لتلك الوعود، أو أيّ شيء من متطلبات العدالة الانتقالية".

وتؤكد لـ "حفريات"؛ أنّ "جمهور المناطق المحررة، ما يزال مستعداً للمشاركة الانتخابية المقبلة، لكنّ المشكلة في التذبذب الأمني في تلك المناطق، فضلاً عن مناطقية القانون الانتخابية الذي يضعّف من حجم مشاركتهم، كون بعضهم نازحين لمناطق أخرى".

تحالف الفتح و"زبائنية" الحشد

في آذار (مارس) الماضي، صوّت البرلمان العراقي على الموازنة العامة للحكومة الاتحادية، وقد شملت عودة 30 ألف مقاتل من المفسوخةِ عقودهم إلى هيئة الحشد الشعبي، وطيلة الـ 6 أشهر تمتنع هيئة الحشد عن إجراء عودة المقاتلين المفصولين إليها، نتيجة معرقلات إدارية وفنية، أفصحت عن حلّها في الـ 13 من أيلول (سبتمبر) الجاري.

وقال رئيس الهيئة، فالح الفياض: "حصلنا على الموافقة بالعودة لـ 30 ألف من المفسوخة عقودهم ضمن تخصيصات هيئة الحشد ومساعي إعادة المفسوخة عقودهم بدأت منذ عهد أبو مهدي المهندس".

وأضاف: "أولوية العودة ستكون للجرحى من أبناء المفسوخة عقودهم، وسنشرع في تشكيل اللجان لإنجاز عودتهم للحشد".

من جهتهِ يعلّق الدكتور محمد الحميداوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميسان، قائلاً: إنّ "توقيت إعلان المفسوخة عقودهم من أبناء الحشد، جاء موائماً مع الحملة الانتخابية لتحالف الفتح، بوصفها المظلة السياسية لفصائل الحشد".

وأضاف، لـ "حفريات": "الفتح أراد بهذا التوقيت أن يكسب مبكراً أصوات  30 ألف مقاتل وعوائلهم لصالحه".

"الناس لم تعد تشتري الشعارات"

وتعد هذه السلوكيات السياسية إقراراً بفشل الحملات الانتخابية على المنوال السابق، كما أنّ صوت المقاطعين بات أعلى من صوت المشاركين، نتيجة انعدام الثقة بين قطاعات شعبية واسعة والمنظومة السياسية التي تقودها قوى متهمة بـ "الفساد" و"الإرهاب"، فضلاً عن الإخفاقات الكبيرة في الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية.

لذلك، تعيش الكتل المتنافسة حالة من الارباك الإعلامي لصعوبة إقناع الجمهور، الساخط على المشاركة الانتخابية، بانتخابهم.


الكاتب العراقي علي فائز لـ"حفريات": المالكي كان الصديق الودود للميليشيات والجماعات الخارجة عن القانون، خصوصاً تلك التي تقترب من أفكارهِ وهو يتعكّز  الآن على شعار "نعيدها دولة"
 

 كما أنّ الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، قد وضعتها في خانة المساءلة عن مخرجات العملية السياسية ومآلاتها الفاشلة.

ويعتقد الكاتب علي فائز؛ أنّ الوعي الجمعي المتجاهل للحملات الانتخابية للقوى الكلاسيكية هو "استجابة لما افرزتهُ الاحتجاجات التشرينية المطالبة ببناء الدولة وحصر السلاح بيدها، وفرض سلطة القانون وعدم الإفلات من العقاب".

ويرى في شعارات القوى المتنافسة؛ أنّها "شعارات لم تعد تنفع شيئاً، لأنّ المعيار أصبح العمل الحقيقي والبرنامج السياسي وجدية تطبيقهُ، فالناس لم تعد تشتري الشعارات".



الصفحة الرئيسية