الظاهرة الإسلامية الحركيّة على سرير التحليل النفسي

الظاهرة الإسلامية الحركيّة على سرير التحليل النفسي

مشاهدة

27/01/2021

ثمّة فقر كبير فيما يتعلق بالاشتغال على قراءة وتفسير ظاهرة الحركات الإسلامية (الدعوية والسياسية والقتالية) من منظور علم النفس، بينما نكاد نعاني التضخم في القراءات التي تنهل من العلوم السياسية والاجتماعية وغيرها؛ بل حتّى في مجال فلسفة الدين، نعاين بعض القراءات التي شرعت عدة أسماء في الاشتغال عليها، كما نقرأ في العمل الأخير للمفكّر التونسي، فتحي المسكيني، وعنوانه "الإيمان الحرّ".

اقرأ أيضاً: كيف يقرأ باحثو الحركات الإسلامية تجربة جماعاتهم؟
هناك عدة أسباب تفسّر هذا التواضع الكبير في تناول الظاهرة من منظور علم النفس، منها سبب محوري يهمّ واقع علم النفس في المنطقة العربية بشكل عام، ومعلوم أنّه واقع ما يزال في البدايات؛ بسبب السمعة السيئة المرتبطة بهذا العلم، والذي غالباً ما يتم اختزاله في أحد مؤسسيه، سيغموند فرويد، وبمقتضى المحافظة اللصيقة بالخطاب الديني السائد في المنطقة، ومن ذلك، اختزال أعمال فرويد في مرجعيته اليهودية واشتغاله على الجنس، وما جاور هذا الخطاب الاختزالي، ومحدّدات أخرى، من قبيل تواضع مؤشرات الرهان على مجتمعات المعرفة، فطبيعي أن يكون واقع علم النفس في المنطقة بالصيغة التي نعاينها اليوم؛ أي متواضع ودون المستوى المأمول (علم النفس، للتذكير، لا يُختزل في فرويد، أو في جاك لاكان، وإنما في عدة مدارس واتجاهات، بما فيها اتجاهات متباينة في المدرسة ذاتها، من قبيل ما نعاينه مع المدرسة اللاكانية).

يقرأ فتحي بن سلامة الظاهرة الإسلامية "الجهادية" بشكل عام باعتبارها أيديولوجية دينية تتأسّس إحدى قواعدها على الندم والتطهير

من بين الأسباب أيضاً؛ عدم التفطّن إلى ما يمكن أن تقدمه لنا أدبيات علم النفس في معرض قراءة الظاهرة الإسلامية الحركية، واختزال ما يمكن أن يصدر عن هذا العلم في التعامل مع الحالات المرضية التي تهم فرداً ما، لا الحالات النفسية التي تهمّ ظاهرة مجتمعية، تنهل من أيديولوجية دينية.
في هذا السياق، يبرز اسم المحلل النفسي التونسي، فتحي بن سلامة، الذي اشتهر في المنطقة من خلال كتابه الشهير عن "الإسلام والتحليل النفسي"، وهو الكتاب الذي أسال كثيراً من المداد، لن يكون آخره، ما جاء في أحد أعمال طه عبد الرحمن، والذي حرّره ضدّ بعض الوقفات النقدية، من منظور مرجعيته الصوفية، لأنّه أحد أبناء طريقة صوفية مغربية.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
ما يهمنا هنا؛ الإحالة على مجموعة من الأعمال التي نزعم أنّها يمكن أن تكون مفاتيح إضافية لقراءة الظاهرة من منظور علم النفس، ونذكر بضعة عناوين متداولة، قبل التوقف عند تميز فتحي بن سلامة في الموضوع.
نبدأ بالإحالة هنا على "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون، والذي ترجمه للعربية هاشم صالح، ومع أنّه عمل صدر منذ قرن ونيف، ورغم بعض المآخذ النقدية عليه، تطرق إليها المترجم في مقدمة العمل، أهمها موضوع النزوع العرقي في خطاب المؤلف، إلا أنّه مفيد جداً في سياق قراءة الظاهرة المعنية.
نضيف أيضاً أعمال مصطفى حجازي، خاصّة ثنائية "سيكولوجية الإنسان المقهور"، و"سيكولوجية الإنسان المهدور"، والتي تكاد تلخص سيكولوجية شعوب المنطقة في تفاعلها مع أوضاع الأسرة والمجتمع، بل إنّ بعض المفاتيح النظرية التي يوردها حجازي في هذا العمل، تبدو كما لو أنّها مفاتيح تفسيرية دقيقة لعدة أعطاب مجتمعية تعاني منها المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي
ولا يمكن أيضاً صرف النظر عن أعمال أحد علماء النفس في المنطقة، وإن كان مقيماً في فرنسا، والحديث عن المصري مصطفى صفوان، ونضيف أيضاً عالم النفس المغربي جليل بناني، وهما اسمان ينتظران بعض الاعتراف، من باب الاحتفاء باجتهاداتهما في هذا المقام العلمي.
نأتي لكتاب فتحي بن سلامة، الذي صدر في الساحة الفرنسية، بعنوان "رغبة عارمة في التضحية، المسلم الأعلى"، عن دار النشر "لو سوي"، وجاء في 149 صفحة، والمؤلِّف، للتذكير، محلل نفسي، أستاذ علم النفس العلاجي وعميد وحدة التكوين والبحث في علم النفس السريري والمرَضي في جامعة باريس، دنيس ــ ديدرو، نشر أبحاثاً كثيرة عن التحليل النفسي السريري، وعن الإسلام وأوروبا في العصر الحالي، وأسهم في كتب جماعية عدة (للمؤلف رأي يتطلب كثيراً من النقاش، مفاده أنّ المنطقة تعجّ بما يُشبه التباين بين الشريعة والقانون الوضعي المكرَّس في الدساتير، مما يؤدي إلى سيادة نوع من الازدواجية بين الشريعة والقانون المدني، وينعكس بشكل سلبي في حياة جزء كبير من المسلمين، وهذا رأي، يُحيلنا على بعض خلاصات كتاب "الدولة المستحيلة" لوائل حلاق).

اقرأ أيضاً: حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها
اجتهد الكاتب في الإجابة عن عدة أسئلة مرتبطة بالظاهرة الإسلامية الحركية بالتحديد، منها: كيف تعمل الرغبة في التضحية التي استحوذت على الشباب باسم الإسلام؟ ولماذا وكيف أخذت هذا المسار السيئ؟
يرى المؤلف أنّ الشباب الذين يطرقون باب العمليات الانتحارية أو "الاستشهادية"، بحسب الأدبيات الإسلامية، هدفهم البحث عن مقام الإنسان الخارق، على اعتبار أنّ الآخرة متأصلة في عقولهم من خلال خُطب الدعاة الذين يخترقون هاماتهم اللاواعية في لحظة تكون فيها الحدود بين الأنا واللاأنا، بين الواقعي وغير الواقعي، مشيراً في أحد حواراته إلى أنّ "تحليل الواقع الذاتي للظاهرة الداعشية لا يعني وصمها بالجنون والهذيان"، مذكراً بأنّ "الشأن النفسي ليس مصدراً محضاً؛ بل يتألف من السياق الاجتماعي والسياسي"، وأنّ "المطلوب الآن؛ هو الانكباب على إنجاز أركيولوجيا نفسانية للاوعي العربي ــ الإسلامي، كي يتسنّى لنا تشفير البُنى الرمزية والكشف عمّا تبطنه من أعراض وصدمات، تتمظهر عبر مسيرة عابرة للأجيال بأشكال متلونة بسياقات اجتماعية وسياسية".

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية
مفهوم "المسلم الأعلى" هو محور هذا الكتاب، وجاءت أولى إرهاصات المفهوم، كما نقرأ ضمن تجربة المؤلف في العيادة، بمقاطعة السين سان دوني (ضواحي العاصمة الفرنسية)؛ حيث لاحظ خلال أعوام عديدة، كمحلل نفسي، ارتفاع "عذاب الندم" في "أن لا تكون مسلماً كما ينبغي"، مما يقود أشخاصاً لبناء إيمان ملتهب يطالب بمزيدٍ من الممارسات الدينية؛ بهدف تفادي ما يُسميه "وصمة العار"، ويقصد ابن سلامة بالمسلم الأعلى ذلك النزوع عند بعض المسلمين إلى شكل من أشكال المزايدة الدينيّة؛ حيث يتم إبراز فائض من التديّن؛ كي يصبح المسلم أكثر إسلاماً لجهة الالتزام المفرط بتطبيق الطقوس الدينية، ومن خلال حالة المسلم الأعلى يُماهي المسلم نفسه مع النبي ﷺ والصحابة، فبالنسبة إليه الخير أخذ مكانه والوعد تحقّق.

يرى بن سلامة أنّ الشباب الذين يطرقون باب العمليات الانتحارية أو "الاستشهادية" هدفهم البحث عن مقام الإنسان الخارق

"المسلم الأعلى" هنا، تشخيص للحياة النفسية للمسلمين، خصب بالخطاب الإسلامي الحركي، إضافة إلى أنّه مسكون بحالة الشعور بالذنب والتضحية، "المسلم الأعلى" يريد أن يتلفظ دائماً باسم الله في العالم، ويدين الذين يخرجون عن دائرة الإيمانية المفرطة في التديّن عبر الوعد والوعيد؛ حيث يسمّي ابن سلامة هؤلاء "المكبّرين"؛ طالما أنهم لا يكفّون عن التلفظ بالتكبير.
استعان ابن سلامة بتقرير عضو مجلس الشيوخ الفرنسي والنائب الاشتراكي، سباستيان بيتراسانتا، الذي وضعه عام 2015، عن "الجهاديين" الفرنسيين الملتحقين بساحات المعارك في سوريا والعراق، وقد جاء تحت عنوان "الاستئصال: أدوات القتال ضدّ الإرهاب"؛ حيث نقرأ في خلاصات التقرير: أنّ الراديكالية لا تختص بالطبقة الشعبية القاطنة في الضواحي الفرنسية فحسب، فبين هؤلاء شباب ملحدون وآخرون ليسوا من أبناء المهاجرين، وواضح أنّ هذه المعطيات تبين مدى الصعوبة في فهم المواصفات الشخصية لأنواع التطرف أو المرشحين للجهادية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟
بالنسبة إلى الظاهرة الإسلامية "الجهادية"، بشكل عام، فقد قرأها المؤلف باعتبارها أيديولوجية دينية تتأسّس إحدى قواعدها على الندم والتطهير، مشيراً في هذا السياق، على هامش قراءة اعتداءات شارلي إيبدو في العاصمة الفرنسية، باريس، إلى معطيَين على علاقة بمنفّذي الهجمات: الأول يرمز إلى مجموعة طلّقت الحياة الدنيا؛ والثاني يصنف الذين قتلوا كوثنيين مشركين في عاصمة الرجس والانحراف، وبمقتضى نهل المؤلف من مدرسة جاك لاكان في علم النفس، رأى أنّ التضحية الذاتية في "الجهادية" تستحضر ما كان يُسميه المحلل النفسي الفرنسي، جاك لاكان، "النرجسية الأسمى" للسبب المفقود.
عمل نوعي لفتحي بن سلامة، له ما له، وعليه ما عليه، وأفضل من هذا الصمت الذي يهمّ المنطقة العربية في التعامل مع الظاهرة الإسلامية من أبواب علم النفس.

الصفحة الرئيسية