الصوفية في السنغال.. روحية افترست التطرف

الصوفية

الصوفية في السنغال.. روحية افترست التطرف

مشاهدة

20/10/2018

لعبت الصوفية في السنغال أدواراً تتجاوز الأبعاد الدينية والروحية؛ فقد مارست دوراً سياسياً واجتماعياً، وشكلت مناعة وحصانة ضدّ تيارات التطرف الديني والإرهاب المسلح.

وقد شكّلت السنغال معقلاً رئيساً للمدارس الصوفية، ليس في غرب القارة السمراء فحسب؛ بل في إفريقيا كلّها، فالطرق الصوفية لم تضرب مثالاً واضحاً في التفاعل الإيجابي في الدول التي انتشرت فيها، كما فعلت في السنغال.

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر

وقدمت الطرق السنغالية نموذجاً جيداً للتصوف الحضاري، الذي يعلي من قيمة العمل والمشاركة الإيجابية الديمقراطية، والتناغم مع مفاهيم حداثية؛ كالتعددية والتسامح، والتعايش، واحترام الآخر، فكسرت المفهوم المتخيل للصوفي الذي يعيش في ظلّ الخرافة الدينية والمغالاة والزهد المفضي إلى الانسحاب من الحياة.

لماذا نجح الصوفيون السنغاليون؟

دخل السنغاليون في دين الله أفواجاً على يد المتصوفة، حتى بلغت نسبة المسلمين منهم نحو الـ 95 في المئة، من إجمالي 12 مليون نسمة، وفق رئيس التجمع الإسلامي للثقافة والسلام في السنغال، الشيخ محمد أحمد التيجاني، فاعتقد أغلبيتهم بأنّه كي يكون إسلامهم صحيحاً، فلا بدّ لهم من أنّ ينتموا لطريقة صوفية، يأخذون من خلالها العهد على يد شيخها، فبات من الصعب وجود مواطن سنغالي لا ينتمي لطريقة صوفية.

استطاع مؤسس الطريقة المريدية إقناع مريديه بأنّ العمل والكفاح والإنتاج هي ميادين الجهاد الحقيقية للمسلم

هناك 4 طرق رئيسة في السنغال هي: التيجانية، والقادرية، والمريدية، واللايينية، وتنسب التيجانية إلى الإمام أحمد التيجاني، أبو العباس، المولود عام 1737، في عين ماضي بالجزائر، والمتوفَّى في فاس بالمغرب عام 1815، ووفدت هذه الطريقة إلى السنغال من بلدان المغرب العربي وموريتانيا، إلا أن هذه الطريقة ينتمي إليها 51% من الشعب السنغالي.

تاريخياً؛ ظهر التصوف في السنغال منذ عهد المرابطين، الذين استطاعوا إدخال الإسلام رسمياً في القرن الحادي عشر الميلادي، وبدأ تدفق الطرق الصوفية إليها، حتى جاءت الطريقة المريدية؛ التي حققت انتشاراً واسعاً على يد مؤسسها، الشيخ أحمدو بمبا، الذي قاوم الاستعمار الفرنسي، ونشط في خلق روح صوفية إسلامية في قلوب السنغاليين، فنفته السلطات الفرنسية إلى الجابون.

الشيخ أحمدو بمبا مؤسس الطريقة المريدية في السنغال

استطاع مؤسس الطريقة المريدية، الشيخ بامبا، التي أسسها عام 1893 في أوساط ريفية وفلاحية في مدينة طوبى، إقناع مريديه بأنّ العمل والكفاح والإنتاج هي ميادين الجهاد الحقيقية للمسلم، رغم خوضه العديد من الصراعات مع المحتل الفرنسي، التي كثيراً ما انتهت بنفيه خارج البلاد.

وقد استمرت هذه المبادئ أساس عمل ورثة طريقته، الذين ما يزالون يعوّلون على تطوّع المريدين في الإنتاج وزراعة الفستق والفول السوداني في إقطاعات الطريقة، للمساهمة المجتمعية في مواجهة الفقر والبطالة، وهو ما مكّن المريدين من لعب دور مهمّ في اقتصاد السنغال، حتى أنّ كبار رجال الأعمال في السنغال من أبناء الطريقة المريدية.

اقرأ أيضاً: الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

جاء في مقال كتبه حسن فاتح، بعنوان "الصوفية في السنغال أمان روحي ودرء للتشدّد": "أنشأ مريدو بامبو ضريحاً لشيخهم في مدينة طوبا، شرق السنغال، يحجون إليه سنوياً؛ حيث يصطف الملايين من داخل السنغال وخارجها أمامه، لتخليد ذكرى نفيه من قبل الفرنسيين، حتى كاد هذا الطقس أن يصبح فريضة لدى أتباعه ودراويشه".

صورة تاريخية لإحدى تعاونيات زراعة الفول السوداني التابعة للطريقة المريدية

حصانة روحية ضدّ التطرف

كان للتصوف في السنغال دور مهمّ في التصدي للأفكار المتطرفة، والتيارات الفكرية السلفية، التي أفرزت جماعات تكفيرية عنيفة، فكان من الملاحظ أنّها البلدة الإفريقية التي تمتعت بحصانة ضدّ علميات التطرف، فلم نكد نسمع عن عملية إرهابية وقعت بها، ولم تصنَّف كدولة مصدرة لعناصر إرهابية.

سخّر مشايخ الصوفية إقطاعاتهم الزراعية التي كانوا يمتلكونها في خدمة القضايا المجتمعية وخلق مجتمع إنتاجي إيجابي

يقول الكاتب بلال مؤمن، في مقاله المعنون "صوفية السنغال يصنعون المستقبل": "لم تقف الصوفية في السنغال عند هذا الحد؛ بل استطاعت أن تصنع نخبة سياسية، تمزج بين التوجه الروحي ومدنية الدولة وعلمانية التوجه السياسي، وهو ما أثمر واحدة من أهم التجارب الديمقراطية الحقيقية في غرب إفريقيا".

الدور الاجتماعي لصوفية السنغال

في المجال الاجتماعي؛ كان لمشايخ الطرق الصوفية في السنغال تأثير بالغ الأهمية؛ فقد سخّروا إقطاعاتهم الزراعية الكبيرة التي كانوا يمتلكونها في خدمة القضايا المجتمعية؛ كالفقر والبطالة، وخلق مجتمع إنتاجي إيجابي من المريدين.

وفي الشرق من العاصمة السنغالية، تحديداً في مدينة "طوبى"؛ عمل أتباع الطريقة الصوفية المريدية بإخلاص وخشوع، دون مقابل، في مزارع الفستق المشهورة بـ "خلكوم"، التي تعدّ وقفاً خيرياً ينفق على جهود إعانة الفقراء والتربية والتعليم.

مشهد من مدينة طوبى أسس فيها الشيخ بامبا الطريقة المريدية عام 1893

وتعدّ مزارع خلكوم للفستق من أكبر مراكز التربية والتعليم في السنغال؛ إذ تضمّ خمسة عشر مركزاً لتربية وتعليم الأطفال بشكل مجاني، ومتطلبات هذه المراكز الخمسة عشر، وما فيها من آلاف الأطفال والشباب، تفوق أحياناً المحصول الزراعي لخلكوم.

اقرأ أيضاً: صوفية السودان.. نشر الدين وقيم التسامح والمحبة

وقد منح النفوذ المالي والاقتصادي لأتباع ومشايخ الطريقة المريدية، التي ينتمي إليها نحو 3،5 مليون نسمة؛ أي ما يعادل 33% من مسلمي السنغال، الطريقة المريدية وشيخها نفوذاً مهماً في المعادلة السياسية السنغالية، يصعب معه تجاهل حجم تأثير الطريقة في أيّ سياق انتخابي، ورغم علمانية الدولة، وفق الدستور السنغالي، إلا أنّ هذا النفوذ السياسي والاقتصادي لمجتمع الطرق والمشايخ حدّ من التطرف في تبني المبادئ العلمانية على الطريقة الفرنسية، وهي العلمانية الأكثر تطرفاً، كما يؤكّد المراقبون.

الدور السياسي للصوفية في السنغال

نشأ شكل من أشكال التحالف القوي بين رجال الدولة والسياسة، الذين ينتمون في الأغلب لهذه الطريقة أو تلك، وبين مشايخ الطرق الذين يدركون حجم نفوذهم وقدرتهم على التأثير في مسار أيّة عملية انتخابية، وسط تجربة ديمقراطية حقيقية تعيشها السنغال، وبين بعض القيادات الاقتصادية الأبرز في المجتمع السنغالي.

استطاع مشايخ الطريقتين المريدية والتيجانية عزل الرئيس الأسبق عبدو ضيوف بعد اتّهامه بالسير بالبلاد صوب "العلمانية المفترسة للروحانية"

كتب أحمد الشلقامي، في مقال عنوانه "التصوف السياسي في السنغال بوصلة إدارة المناشط الحزبية": "ورغم علمانية الدولة التي أقرها الدستور؛ فالصوفية تأتي ضمن نطاق اهتمامات أيّ رئيس يحكم السنغال، فبفضل الطرق الصوفية؛ استقى أول رئيس للبلاد، ليوبولد سيدار سنغور، شرعية حكمه، رغم انتمائه للأقلية الكاثوليكية الرومانية، وبالطرق الصوفية احتمى أغلب الرؤساء، بمن فيهم الرئيس الحالي، ماكي عبدول سال".

استطاع مشايخ الطريقتين؛ المريدية في مدينة طوبا، والتيجانية في مدينة كولخ، عزل الرئيس الأسبق، عبدو ضيوف، بعد اتّهامه بالسير بالبلاد صوب "العلمانية المفترسة للروحانية"، وحلّ محلّه الرئيس السابق، عبد الله واد، الذي يحسب نفسه من أتباع الطريقة المريدية.

استقى أول رئيس للبلاد "ليوبولد سنغور" شرعية حكمه بفضل الصوفية

أغلب مشايخ الصوفية، اليوم، في السنغال هم أقرب لمعسكر حزب الرئيس السابق، عبد الله واد، من للرئيس الحالي، ماكي سال؛ لذلك أعلن أغلبهم دعمهم لـنجل الرئيس السابق، كريم واد، في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها عام 2019.

وللطرق الصوفية تأثير في توجهات الخارجية السنغالية أيضاً؛ ففي أواخر القرن السابع عشر، خاضت حركة الإمام ناصر الدين، في الجنوب الغربي الموريتاني، حرباً دينية مقدسة عام 1645، على ضفتي نهر السنغال؛ لإقامة دولة ذات طابع إسلامي، وبعد ذلك ظهرت أكبر وأهمّ مدرسة للتصوف في المنطقة، على يد الحاج، عمر طال الفوتي، في الفترة بين (1794 – 1864)، بعد أن أعلن الجهاد على الممالك الوثنية في السنغال ومالي وأجزاء من موريتانيا، وفق الكاتب عبيد إميجن، في مقال بعنوان "التصوف السياسي في السنغال يدير بوصلة الحزبية".

اقرأ أيضاً: الطرق الصوفية في تركيا.. عبادة أم سياسة؟

لعبت الطرق الصوفية في السنغال دوراً محورياً، سواء في إعادة صياغة المعادلة السياسية على المستوى الداخلي، أو التأثير على الصعيد الخارجي، وقد برزت "الدبلوماسية الروحية"؛ التي مارسها السنغاليون من خلال الزوايا الصوفية، خاصة "الطريقة التيجانية"، بالنظر إلى امتداداتها، التي شملت الكثير من بلدان العالم، خاصة في مصر، أيام الرئيس الراحل، جمال عبدالناصر، الذي جمعته علاقة ممتازة مع الشعب السنغالي، وكان يعدّ من أهم الأصدقاء الشخصيين لشيخ الطريقة التيجانية؛ الشيخ إبراهيم إنياس.

الصفحة الرئيسية