السودان: الاشتباكات الأهلية تهدد بتوسع العنف في دارفور

السودان: الاشتباكات الأهلية تهدد بتوسع العنف في دارفور

مشاهدة

11/04/2021

عقب توقيع اتفاق السلام في جوبا، تفاءل الجميع في الداخل والخارج بطيّ صفحة العنف الأهلي في إقليم دارفور، التي شهدت أقسى وأفظع الانتهاكات ضدّ الإنسان في تاريخ الحروب الأهلية السودانية، لكن يبدو أنّ الاتفاق لم يخرج بعد عن الأطراف الموقعة عليه؛ الحكومة وحركات التمرّد، ولم ينزل إلى الواقع الاجتماعي المأزوم، خاصة في ولاية غرب دارفور، وحاضرتها مدينة الجنينة، التي شهدت أحداث اقتتال أهلي متكررة، لم تتوقف منذ إطاحة نظام البشير.

الجنينة تنزف

بحسب بيانات لجنة أطباء ولاية غرب دارفور، ما تزال الاشتباكات الأهلية مستمرة في مدينة الجنينة، منذ اندلاعها في الثالث من الشهر الجاري، مُخلفة حصيلة من الضحايا، بلغت حتى مساء التاسع من الشهر الجاري؛ 137 قتيلاً، و221 جريحاً، بينهم حالات حرجة، تعجز الإمكانيات الطبية في المدينة عن معالجتهم، ومن المرجح زيادة أعداد الضحايا في ظلّ استمرار العنف، الذي خفتت وتيرته عن الأيام الأولى.

بعثة اليوناميد في دارفور

ووقعت الاشتباكات بين فريقين؛ المكوّن السكاني الذي ينتسب للعرب، والمكوّن السكاني الأفريقي، وكلاهما يتكوّن من مواطنين سودانيين، وكان الانقسام الهوياتي العنوان العريض لحرب دارفور التي اندلعت العام 2003، والتي شهدت تسويات متعددة، لإنهاء القتال، كان آخرها اتفاق جوبا للسلام، في تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، والذي وقعت عليه معظم الحركات المسلحة في إقليم دارفور، عدا حركة جيش تحرير السودان، جناح عبد الواحد نور، ومكوّنات أخرى مسلحة، من بينهم عرب.

وفي حديث "حفريات" مع سكان من مدينة الجنينة، تبادل العرب والمساليت (الجذور الأفريقية)، الاتهامات حول المتسبّب في اندلاع القتال الأخير، وهي الاتهامات التي لا تغير شيئاً من الواقع المأزوم في الولاية، بل تكشف عن غياب القانون كحكم لفضّ النزاعات، بدلاً من الانتقام الشخصي.

طالما ظلت التنمية غائبة عن دارفور، فستظلّ المشكلة الحقيقة، وهي التهميش والفقر والأمن، تتخفى خلف صراع هوياتي يزيد من العداوة بين السكان

ومن مدينة الجنينة، ذكر الناشط السياسي، من المكوّن العربي، خالد أبو جلحة، أنّ الاشتباكات اندلعت بعد مقتل اثنين من قبيلة المساليت، في حي الجبل، وأُلقي باللوم على العرب، الذين تعرضوا لهجوم انتقامي، وبعد ذلك تطوّر الصراع بردّ فعل من العرب، ثم وصل إلى الاشتباك الدموي.

وألقى أبو جلحة، في حديثه لـ "حفريات"، باللوم على الحكومة الاتحادية والولاية، لعدم تحرّكهم لاحتواء الأزمة، وذلك بالقبض على الجناة، وفرض سلطة الدولة، لمنع تحول الجريمة من جنائية إلى صراع أهلي.

ويختلف الناشط السياسي، من قبيلة المساليت، حامد ود دارندوكة، حول سبب الصراع، ويؤكّد أنّ ثلاثة من المساليت لقوا مصرعهم على يد ميليشيات الجنجويد، ضمن خطة لإشعال الحرب في المدينة، ضمن المخطط القديم لفرض سيطرة العرب على دارفور.

وفي حديثه لـ "حفريات"، اتّهم ود دارندوكة، الأجهزة الأمنية بالتقاعس عن بسط الأمن، واتّهم قوات الدعم السريع بحماية الميليشيات التي هاجمت المدينة، والتورط في العنف ضدّ المساليت.

الناشط السياسي والاجتماعي، خالد أبو جلحة

وشهدت الجنينة أحداث عنف متعددة، زادت وتيرتها منذ الإطاحة بنظام البشير، عام 2019، وتوقيع اتفاق السلام في جوبا، وشهد مطلع العام الجاري أحداث عنف مماثلة، راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، ويكشف تجدّد العنف عن إخفاق الحكومة والولايات وأطراف الأزمة في معالجة جذور المشكلة، حتى اليوم.

منظور نخبوي للأزمة

وتعود جذور الأزمة إلى قرون سابقة، بسبب الصراع بين القبائل على الموارد، خاصّة مناطق الرعي، لكنّها ظهرت بشكل واضح وأشدّ حدّة مع دخول الاستعمار، بما يحمله من مفاهيم مختلفة عن الملكية والسلطة، وزادت باستقلال السودان عن الحكم الثنائي، المصري - البريطاني، عام 1956، بسبب اختلاف مفهوم الملكية والسلطة بين الحكومة المركزية والقبائل، خاصة في مناطق دارفور والجنوب والشرق، التي كانت بعيدة عن السلطة المركزية لمعظم الوقت، وعانت من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: دارفور تشهد أكبر موجة عنف.. ما القصة؟

ووفق ثقافة قبائل دارفور، خاصة ذات الجذور الأفريقية، فالأرض ملكية جماعية للقبيلة، وهو ما يناقض مفهوم الملكية الخاصة، الذي جاء مع السلطة المركزية في السودان، التي خلق وجودها أزمة أكبر من عدمها، بسبب فرض نفوذها في دارفور، دون تقديم الخدمات وتحقيق مفهوم المواطنة، وإشراك السكان في الحكم المحلي والمركزي، والحمولة العنصرية للنخب الحاكمة، التي ترى نفسها من المكوّن العربي، وهو الأمر الذي أدخل البلاد في أزمات هوياتية؛ مسيحية - إسلامية، وعربية - أفريقية.

الناشط السياسي والاجتماعي، حامد ود دارندوكة
على الرغم من غياب دراسات أو أسانيد علمية حول هذه الخلافات الإثنية المفتعلة، التي حوّلت مفهوم العربية من لغة إلى عرق، فكما في معظم البلاد الناطقة بالعربية، ينتسب السكان إلى جذور مشتركة، ولا وجود لقبائل عربية قادمة من الجزيرة بشكل كبير سوى في جنوب العراق ومناطق من الشام، وفي بقية البلاد الناطقة بالعربية، مثل مصر والسودان وشمال أفريقيا، يعدّ مفهوم الأصل العربي مفتعلاً، ولا وجود لقبائل عربية خالصة إلا قليل، وما حدث هو عملية تعريب لغوي وثقافي، على مدار قرون، زادت وتيرتها مع التحديث في القرن التاسع عشر، وتأزّم الوضع مع تبني دول ما بعد الاستقلال في المنطقة القومية العربية، التي كانت في الأصل حركة ثقافية وليست عرقية، موجهة ضد القومية العثمانية التركية.

اقرأ أيضاً: اشتباكات قبلية في دارفور تختبر متانة اتفاق السلام... فهل يصمد؟
وحين اندلع التمرد المسلح في العام 2003، في دارفور، لم يتخذ شكل صراع أفريقي - عربي، بل كان عنوانه صراع الهامش مع المركز، وبدلاً من معالجة الحكومة المركزية للأزمة بحلّ جذورها الاجتماعية والاقتصادية، لجأت إلى تأجيج الخلاف الهوياتي بين العرب والأفارقة، وسلّحت قبائل عربية ضدّ التمرد الذي قادته حركات مسلحة من الأفارقة، مدعومة من أطراف خارجية، ومع تورّط قبائل عربية في العنف الأهلي، تحوّل التنوع إلى عداء، واتخذت المشكلة بعداً مفتعلاً، عنوانه الصراع بين العرب والأفارقة.

الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة الثوري السوداني أحمد محمد أبكر لـ"حفريات": لم يكن الصراع أبداً بين العرب والأفارقة، بل بين الحكومة وحركات التمرد

ومن المؤكد أنّ معظم العرب والأفارقة في دارفور بعيدين عن المسار الذي اتخذته الأزمة، وأنّهما دُفعا إلى صراعات لا ناقة ولا جمل لهم فيها؛ حيث إنّ مطالبهم في الأساس هي تحسين الوضع المعيشي، وهو ما لم تفهمه الحكومة المركزية، التي انطلقت من مقاربات هوياتية نخبوية، وهو الأمر ذاته الذي تتبناه نخب التمرد العسكري.
وحتى اليوم، ما تزال المعالجة نخبوية، فاتفاق جوبا جرى بين نخب الحكومة والمعارضة المسلحة، ويشعر الناشط حامد ود دارندوكة، بالخيبة من الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية جوبا، ويرى أنّ؛ "قياديي الحركات الذين رفعوا مطالب الهامش في البداية، تحوّلوا إلى طلاب مناصب وثروة، وتخلوا عن معالجة جذور الأزمة، لصالح اشتراكهم في السلطة".

خلف العنف دارفور عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين
وما يشعر به ود دارندوكة من غبن، هو حال المكوّن العربي، الذي يدفع ثمن سياسات النظام البائد، بعد أن استغله للتغطية على جذور الأزمة، وتحويلها من هامش ومركز إلى صراع قبلي، ويرى العرب أنّ حكومة الثورة تعاملهم مثل النظام السابق، فلم تشركهم كأطراف من الهامش أيضاً في اتفاق جوبا.
 
ويقول الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة الثوري السوداني، أحمد محمد أبكر، وهم فصيل مسلح من المكوّن العربي، المعارض لنظام البشير؛ إنّ "العرب يعانون من التهميش والظلم في دارفور، مثل بقية المكونات الإثنية الأخرى، ولم يكن الصراع أبداً بين العرب والأفارقة، بل بين الحكومة وحركات التمرد، لكنّ نظام البشير السابق والحركات المسلحة روّجا للصراع على أنّه صراع قبلي".

اقرأ أيضاً: قتلى وجرحى في اشتباكات دارفور... والحكومة السودانية تتدخل
وأكّد أبكر لـ "حفريات"؛ أنّه لم يحدث أنّ انضمت القبائل بكل ثقلها للحكومة أو التمرد، وحتى ميليشيات الجنجويد كانت مجموعات قبلية من مختلف الإثنيات، تتبع النظام الحاكم السابق، الذي ما يزال فاعلاً في تأجيج الصراعات في دارفور.

قصور تطبيق اتفاق جوبا
ورغم اشتمال اتفاق جوبا على ثمانية مسارات لمعالجة أزمة دارفور جذرياً، من بينها؛ العدالة الانتقالية والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع المراعي والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين، إلا أنّ هذه المسارات لم تتنزل على الأرض، عدا تقاسم السلطة بين قيادات حركات التمرد المنضوية تحت "الجبهة الثورية"، والتي شاركت في المجلس السيادي والحكومة ومجلس شركاء الفترة الانتقالية والولايات، وضمنت حصصها في كلّ الأجسام السياسية المنتظر تشكيلها.
 

الناطق الرسمي باسم مجلس الصحوة الثوري السوداني، أحمد محمد أبكر

وبشكل أساسي تتحمّل الحكومة المركزية والولاية المسؤولية عن العنف في الجنينة، بسبب غياب الأمن وحكم القانون، الكفيل بمنع تجدد الصراع، أو اتّخاذه أبعاداً جماعية، الأمر الذي سمح بتأجيج الخلاف الهوياتي، حيث بات مسيطراً على كثير من العرب والأفارقة؛ فمن ناحية يتّهم العرب المكوّن الأفريقي بالرغبة في احتكار الإقليم، ويرفضون النظر إليهم على أنّهم غرباء عن دارفور، بينما يتهم المكوّن الأفريقي العرب بأنّهم ينهبون أرضهم بقوة السلاح.

اقرأ أيضاً: عشرات القتلى والمصابين في دارفور.. كيف ستواجه حكومة السودان موجة العنف الجديدة؟
وطالما ظلّت التنمية غائبة عن دارفور، فستظلّ المشكلة الحقيقة وهي التهميش والفقر والأمن، تتخفى خلف صراع هوياتي، يزيد من العداوة بين السكان، خاصة أنّ دارفور بثرواتها تكفي الجميع وغيرهم، لكن دون إحساس جميع السكان بالأمن ومعالجة الحساسيات المتوارثة، وعلاج أزمة اللاجئين، وجمع السلاح، وضبط الحدود مع تشاد، فستظل الأزمة مشتعلة، وإن خمدت نيرانها لبعض الوقت.
ويزيد اقتراب انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، اليوناميد، من مخاوف السكان من عودة العنف الأهلي، في ظلّ انتشار السلاح بيد الجميع، وعدم ضبط الحدود مع تشاد، والتداخل القبلي عبر الحدود، وكانت ولاية اليوناميد انتهت بنهاية العام الماضي، ومع توقيع اتفاق السلام، من غير المرجح تمديد ولايتها، ويطالب المساليت ببقائها.

أبعاد سياسية
ورغم أهمية تفسير تجدّد العنف بالعودة إلى غياب حلّ لجذور أزمة دارفور، وهي التهميش الاقتصادي والاجتماعي والهوياتي، إلا أنّ هناك عوامل سياسية آنية تقف وراء تجدد العنف في كلّ مرة؛ ففي كثير من الأحيان لا يكون هناك سبب مباشر لتجدّد الصراع القبلي، كما أنّ مسار تصاعد الصراع يكشف عن وجود أطراف وراءه.
 
ويتّهم الناشط السياسي، من العرب، خالد أبو جلحة، الحركة الشعبية - شمال، جناح عبد العزيز الحلو، التي لم توقّع على اتفاق جوبا، ووقّعت على إعلان المبادئ مع رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في 28 آذار (مارس) الماضي، بالوقوف وراء تجدد العنف في الجنينة، ويرى أنّها تريد إيصال رسالة للجميع، بأنّ "اتفاق جوبا لم يحلّ الأزمة"، وتستغلّ الصراع لفرض أجندتها.

وقعت معظم حركات التمرد في دارفور اتفاق سلام في جوبا
وينفي أكثر من مصدر من مدينة الجنينة، من المكوّن الأفريقي، وجود حاضنة اجتماعية لعبد العزيز الحلو، أو وجود عسكري لأيّة حركات مسلحة، ويؤكّد الناشط، حامد ود دارندوكة، على عدم وجود حركات مسلحة في الجنينة.
ويتبادل العرب والمساليت في الجنينة الاتهامات حول تواطؤ السلطة، فمن ناحية يتهم العرب والي غرب دارفور، محمد أحمد الدومة بالتحيّز ضدّهم، بينما يتهم المساليت قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن العنف، ويطالبون بوجود القوات المسلحة بدلاً منها، والخلاف نفسه بين المكوّنين يمتدّ إلى الحديث عن وجود ميليشيات تشادية؛ فالمكوّن العربي ينفي، بينما المساليت يؤكدون على وجودها، وهو حديث والي غرب دارفور نفسه.

اقرأ أيضاً: هل أضحى عبد الواحد المولع بالشعارات عقدة سلام دارفور؟
وتثير قوات الدعم السريع الجدل في دارفور؛ حيث ينظر إليها السكان من المكوّن الأفريقي على أنّها امتداد لميليشيات الجنجويد، التي ارتكبت جرائم ضدّ الإنسانية بحقّهم، بينما تعبّر هذه القوات من ناحية أخرى عن حواضن اجتماعية عربية واسعة، ولا يمكن تنحيتها عن المنطقة، خاصة أنّها رديف عسكري قوي للجيش.
وكان رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، قال في تصريحات؛ إنّ مشكلة العنف الأهلي في الجنينة سيظلّ مشتعلاً، طالما لم تُعالج الأزمة من جذورها، ويبدو البرهان في موقف العاجز عن التدخل لحلّ الأزمة، لعدم وجود قوات الجيش الذي يترأسه بقوة في دارفور.
ويبقى الحلّ في تسريع تنفيذ بنود اتفاق جوبا للسلام، ومراعاة مخاوف العرب والمساليت وجميع المكوّنات القبلية والإثنية في دارفور، وانتشار قوات مشتركة من الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة لضبط الأمن، وإشراك السكان بشكل مباشر في معالجة الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بنخب تضع مصالحها الشخصية قبل كلّ شيء.

الصفحة الرئيسية