الدعوة والسياسة: هل دخلت السلفية مرحلة جديدة؟

الدعوة والسياسة: هل دخلت السلفية مرحلة جديدة؟

مشاهدة

29/08/2021

أفضى الإسلام السلفي، في ضوء تحولاته مؤخراً، إلى "سلفية سياسيّة جديدة" متنوّعة، تعنى بتوطيد الهمّ السّلطويّ قبل الهم الدعوي، وانقلاب الأولويات لتصبح الدولة والأمة في البداية قبل الإسلام التربوي والدعوي و"تصحيح العقيدة"، بما يؤكد أننا لسنا أمام السلفية التقليدية التي تهتم بالدعوة والتربية دون خوض لغمار العمل السياسي، والسلفية الإصلاحية التي أجازت العمل السياسي، وقبلت بالعملية الديمقراطية، أو السلفية الجهادية التي تؤمن بجواز الخروج على الحكام، لكننا أمام مرحلة جديدة، انتهى فيها عصر السلفية، إلى "ما بعد السلفية" التي انتقلت من الإيمان بالأفكار الإسلامية العامة المستقاة من النموذج الإسلامي التاريخي، إلى الإيمان بالعمل السياسي، والتحول إلى معنى جديد يتكيّف مع تطوّر المشهد السياسي العربي، وينسلخ تدريجياً من كل المرحلة التاريخية القديمة، إلى حالة تتجاوز كل القديم، وفق ما كتبه خبراء وباحثون.

اقرأ أيضاً: لماذا ينقلب دعاة السلفية على فتاواهم القديمة؟

لقد صبغت تحولات ما بعد السلفية إلى أن نرى "ليبروسلفية" بمعنى أنّها تتحول ناحية الليبرالية، وساعتها لن تكون السلفية التي تستند إلى موقف اجتماعي نابع من استعادة الأصل الديني النقي بطريقة نصوصية؛ بعيداً عن الفكر السائد، وبهذا فهي في الأساس حركة دفاعية عن أصول الدين، تدعو لهيمنة منهج السلف وعلومهم، وأن تكون مركزية العلم الديني هي مركزية التفاضل بين المنتمين لها، وإعمال العقل الفقهي في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية عامة للمسلمين، وهذا يختلف في مجمله عن الليبرالية، حتى لو غير السلفيون مواقفهم من بعض (الثوابت الخاصة).

ووفق كتاب "ما بعد السلفية" لمؤلفيه السلفيين أحمد سالم أبو فهر، وعمرو البسيوني، فإنها المرحلة الجديدة التي استطاعت أن تتجاوز نفسها بعد أن احتكت بالديمقراطية التداولية الحقيقية، وبعد أن رأت قدرة وإمكانية الآلة الديموقراطية على إنجاز الأفكار نظرياً وإنجاحها عملياً، كما استطاعت أن تعيد إنتاج خطابها الكلاسيكي لتكسبه طابعاً جديداً قابلاً للحياة في مجتمع علماني.

لقد أنتجت "ما بعد السلفية" خطاباً جديداً تحول من الأخلاقي إلى السياسي، وكذلك ملامح جديدة، لم تقف أمام بعض الثوابت، واعتبرتها منتجات فكرية نابعة من اختلاف الرؤى واكتشاف خبرات السلف ودلالتها من جديد، مثل مفهوم الدولة الوطنية، الذي كان مؤسساً سابقاً على سيادة مبدأ الأخلاق وقيم ومبادئ السلف حتى في النموذج السياسي للدولة.

اتجاهات متنوعة

ما يهمنا في هذه التحولات السلفية، تلك الاتجاهات التي بدأت تمارس السياسة بعدد من الوجوه، أهمها:

الاتجاه الأول: السلفية الجامية والمداخلية، التي تقوم مقاربته على مبدأ طاعة ولي الأمر، ورفض المعارضة السياسية لهم، إلا أنها انتقلت إلى إجازة القتال، والمشاركة في الحكم، بما يمثل معكوس تجربتها التاريخية السابقة.

الاتجاه الثاني: السلفية الجهادية، التي تقوم مقاربتها على تكفير الحكومات الإسلامية وتبني التغيير الراديكالي والمسلّح، ويمثّل خطاب هذا التيار الحاضنة الأيديولوجية لشبكة القاعدة وداعش وبوكو حرام والشباب والمرابطين، ويتماهى تماماً مع خطها السياسي والحركي.

أفضى الإسلام السلفي في ضوء تحولاته مؤخراً إلى "سلفية سياسيّة جديدة" تهتم بتوطيد الهمّ السّلطويّ قبل الدعوي

الاتجاه الثالث: السلفية الحركية، وهي تزاوج بين حركية الإخوان المسلمين من حيث العمل الحركي والسياسي والعقيدة السلفية، وتؤمن بالعمل السياسي ومشروعية المعارضة، وتأخذ غالباً طابع المعارضة للحكومات، وفي إطار السلفية الحركية يمكن التمييز بين اتجاهين: الأول يدعو لممارسة العمل السياسي والمشاركة الديمقراطية ولكنه أقرب إلى فكر سيد قطب والدعوة لتطبيق مفهوم الحاكمية؛ ومن أبرز منظريه، محمد بن سرور زين العابدين؛ ومحمد قطب، ثم تيار الصحوة الإسلامية في السعودية (سفر الحوالي، وسليمان العودة)، والثاني يؤكد ضرورة الدخول في العمل السياسي، وتشكيل الأحزاب السياسية، والاستفادة من هامش الديمقراطية؛ إلا أنّه في ذات الوقت ضد مبدأ الخروج على الحاكم، مع الالتزام بالخط السلمي؛ وتجنب المواجهة مع النظم السياسية ومن أبرز منظريه عبد الرحمن عبد الخالق.

إنّ هذا التوجه أنتج ما يسمى "تيار الأمة، عندما بدأ نعيم التلاوي ذو التوجه السلفي الجهادي بالتعاون مع "حاكم المطيري" بتأسيس قواعد تيار الأمة، والذي يرتكز على أربع ركائز أساسية:  أولاً مفهوم الأمة العابر للحدود الجغرافية، مركّزاً على العمل الشعبي المشترك "تأسيس الأحزاب السياسية"، ثانياً رفض الهيمنة الأمريكية والغربية بتحرير إرادة الشعوب العربية واستقلالها، ثالثاً مواجهة حالة الاستبداد الداخلي، رابعاً دعم مقاومة الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟

يقول الخبير الأردني في الحركات الإسلامية د.محمد أبو رمان، في كتابه "أنا سلفي"، إنه "وفقاً لهذا المنظور فإن تطور السلفية الحركية على يد حاكم المطيري، أقرب إلى السلفية الحركية لزين العابدين بن سرور التي تتبنى المنهج القطبي في التغيير، وقد أنتج التوجه الجديد للمطيري مدرسة جديدة في السلفية يمكن أن نطلق عليها "السلفية الحركية الأصولية" التي تجمع بين الأفكار العقائدية والدينية للسلفية، والأفكار السياسية للإخوان المسلمين من حيث المشاركة السياسية، ومنهج التغيير العنيف ومفهوم الحاكمية عند سيد قطب".

 "السلفية الحركية الأصولية" تجمع بين الأفكار التقليدية وأفكار الإخوان المسلمين بشأن المشاركة السياسية ومنهج التغيير العنيف ومفهوم الحاكمية

يتابع أبو رمان: يتبنى حاكم المطيري أفكاراً من قبيل حق الأمة في عزل الحاكم وتجريده من السلطة، وبعد تأسيسه حزب الأمة الكويتي عام 2005 تم اعتقاله ومؤسسي الحزب بتهمة "السعي لقلب نظام الحُكم"، وتؤشر أهداف تيار الأمة في بلاد الشام إلى ذات الأفكار من حيث "استعادة الخلافة، وإقامة الدولة الإسلامية، ومواجهة الأنظمة والتنظيمات المرتبطة بها باعتبارها نتاج اتفاقيات سايكس بيكو، ودعم الثورات في العالم العربي والمشاركة بها"، وخرج مؤسسو حزب الأمة من السياق الكويتي في أفكارهم وتوجهاتهم، واتجهوا نحو الإطار الجغرافي الأوسع عبر ما يسمي بتيار الأمة، وأسسوا أحزاباً سياسية في جميع أنحاء الوطن العربي.

إلى جانب ذلك أسس السلفيون الحركيون بنية تنظيمية دولية عابرة للحدود تحت مسمى؛ التنظيم السلفي العالمي "مساع"، ويتضمن ثلاثة مكونات رئيسية:

أولاً: مكتب الأمانة العامة الذي يتكون من (على السويدي، ومنيف الطوالة، وهاشم العوضي).

تيار الأمة يرتكز على مفهوم الأمة العابر للحدود الجغرافية والعمل الشعبي المشترك

ثانياً: مؤسسات رأسية تتكون من (الاتحاد العالمي للمؤسسات الشرعية، والاتحاد العالمي للمؤسسات الإنسانية، ومنتدى المفكرين المسلمين).

ثالثاً: المؤسسات الأفقية وتتكون من (الرابطة العالمية للحقوق والحريات، ورابطة التربويين، ورابطة الإعلام، والاتحاد العالمي للدعاة، والحملة العالمية لمقاومة العدوان، والهيئة العالمية للسنة).

كل ما سبق يستوجب الدراسة والتحليل، لتطور السلفية الحركية باتجاه المزاوجة بين العقيدة السلفية، وحركية الإخوان السياسية، وأفكار سيد قطب، بما شكّل تحدياً مستقبلياً أخطر من تنظيم الإخوان والسلفية الجهادية.

الصفحة الرئيسية