"الخلافة" أم الذهب أم الغاز؟.. لماذا يستهدف داعش المدنيين في بوركينا فاسو؟

"الخلافة" أم الذهب أم الغاز؟.. لماذا يستهدف داعش المدنيين في بوركينا فاسو؟

مشاهدة

08/06/2021

ارتكب مسلحون يعتقد أنّهم ينتمون لتنظيم داعش، مذبحة وحشية بحق أهالي قرية شمالي بوركينا فاسو، فأحرقوا عدداً من منازل في القرية وسوقها، وقتلوا ما يزيد على مئة من سكان القرية.

فما بين مساء الجمعة وصباح السبت الماضيين هاجم عناصر من داعش أهالي قرية "سولهان" أو بالعربية "صلحان" الواقعة في إقليم ياجا المتاخم للنيجر، وقتلوا ما لا يقل عن 160 من سكان القرية، حسب ما نقلته وكالة أنباء "رويترز، استمر الهجوم ثلاث ساعات أطلق المسلحون النار عشوائياً، وأضرموا النار في المنازل والمحال قبل أن يلقوا قنابل ومتفجرات على المدنيين الذين حاولوا الفرار بحثاً عن ملاذ آمن.

اقرأ أيضاً: هل تنتظر أفريقيا نسخة من داعش أكثر توحشاً؟... لماذا؟

وجاء هذا الحادث عقب هجوم آخر على قرية "تدريات" الواقعة في المنطقة نفسها، قُتل خلاله ما لا يقل عن 14 شخصاً من الداعمين للجيش البوركينابي، استهدف داعش منازل الأهالي بالتخريب، كما نفذوا عمليات إعدام لمدنيين، وحسب مصادر محلية لقناة france24 أنّ الهجوم تم الإبلاغ عنه قرابة الساعة الثانية فجراً (بالتوقيتين المحلي والعالمي).

هاجم عناصر من داعش أهالي قرية "سولهان" أو بالعربية "صلحان" الواقعة في إقليم ياجا المتاخم للنيجر

من المؤكد أنّ المواجهات بين "داعش" والسلطات في بوركينا فاسو لم تهدأ منذ ظهور التنظيم العام 2015، فقد ظهر في منطقة غرب أفريقيا والتي تشمل (النيجر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا) بعد مبايعة أبو الوليد الصحراوي لأبو بكر البغدادي زعيم "داعش"، ويعد أبو الوليد أحد قادة تنظيم المرابطين المرتبط فكرياً بتنظيم القاعدة، ونظراً لاختلاف التوجهات في تجديد أهداف التنظيم الجهادي، قرر الصحراوي الانشقاق عن المرابطين والخروج بأتباعه والانضمام إلى "داعش".

 نشط داعش في غرب أفريقيا مستغلاً ضعف القبضة الأمنية على المناطق الحدودية

نشط "داعش" في غرب أفريقيا وعلى وجه التحديد في شمال بروكينا فاسو مستغلاً ضعف القبضة الأمنية على المناطق الحدودية وتفكك قوات الأمن الرئاسي وأجهزة المخابرات التابعة للرئيس السابق بليز كامباوري، وسيطر على العديد من المناطق الشمالية الحمودية، سواء مع مالي أو مع النيجر، وتركزت عملياته في مهاجمة الجيش الوطني والعناصر المدنية الموالية أو المعارك مع نقيضه الإسلامي تنظيمات القاعدة في المنطقة، لكن لوحظ استهداف تنظيم داعش للمدنيين بوحشية مفرطة خلال الأشهر الماضية؛ إذ أثارت الحادثة الأخيرة الكثير من المخاوف والتساؤلات، المخاوف من الفشل في مواجهة هذا التنظيم الإرهابي، وعودته لقيادة الإرهاب في العالم، والتساؤلات عن الدوافع الحقيقية لهجماته الأخيرة.

اقرأ أيضاً: مقتل زعيم بوكو حرام أبو بكر شيكاو.. ما علاقة داعش؟

 فداعش الذي يزداد توحشاً، ركز هجماته منذ بداية 2020 على استهداف المدنيين؛ فحسب "euronews" أدت هجماته إلى مقتل أكثر من 1400 شخص ونزوح أكثر من مليون آخرين، منهم 490 ألف في بداية العام 2019، مع ملاحظة أن "داعش" ركز على القرى الحدودية فقام بهجوم مسلح بقرية مومين في إقليم بام شمال بوركينا فاسو في آذار (مارس) 2020، أسفر عن مقتل 15 شخصاً، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 استهدف مدينة (تين - أكوف) في إقليم (أودالان)، في شمالي البلاد على الحدود مع دولة مالي سقط فيها عشرين من جنود الجيش البروكينابي، وشن هجوماً في أيار (مايو) 2021 على "قرية بولي" الشمالية أسفر عن مقتل 3 أفراد وإصابة مثلهم.

الحكومات المحلية تعجز عن حماية السكان والتعامل مع تطور أساليب هجمات الجماعات الإرهابية

لوحظ أنّ "داعش" يستهدف المدنيين في غرب أفريقيا، ويرتكب مذابح بشعة بحق سكان القرى التي ترفض التعهد بالولاء له، وعلى وجه الخصوص أهالي القرى الحدودية، ومن الواضح أيضاً أنّ ثمة رغبة في تهجير أكبر عدد ممكن من أهالي الشمال، حتى أن فيرجيني بوديس، الخبيرة في شؤون منطقة الساحل في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام قالت "إنّ الحكومات المحلية والمدعومة من قوات تحالف دولي باتت غير قادرة على حماية السكان المدنيين في ظل تطور الأساليب الخبيثة للجماعات الإرهابية".

ينفق داعش من عائدات تجارة الذهب على عملياته الإرهابية وعلى عناصره

  والسؤال المنطقي هنا لماذا يرغب "داعش" في الانتقام من قرى الشمال ذات الأغلبية المسلمة؟ فسكان بروكينا فاسو 63% منهم مسلمون، يتركزون في المناطق الشمالية التي تستهدفها داعش، يمكن طرح ثلاث فرضيات؛ الأولى: محاولة لفرض السيطرة المسلحة والهيمنة على أكبر مساحة ممكنة لإعلان دولة الخلافة، فمايزال حلم إقامتها يراود الجهاديين، فبعد خسارة داعش لدولة خلافته المزعومة في سوريا والعراق، بدأ يعمل على التوسع في القارة الأفريقية لاسيما في الغرب، أو أنّ هذا الهجوم الوحشي لإثارة الرعب في قلوب أهالي المنطقة ومنعهم من التعاون مع أعدائه سواء القوات النظامية أو القاعدة.

اقرأ أيضاً: هذه أبرز طرق مواجهة داعش لبوكو حرام في أفريقيا

غير أنّ هذه الفرضية يرفضها بعض الباحثين بحجة أن تنظيم داعش يسيطر بالفعل على 17% من مساحة بوركينا فاسو عدا عن كثير من الأراضي في مالي وفي النيجر، فما حاجتهم إلى أراض جديدة أو ترهيب الأهالي، فضلاً عن أنّ تنظيم داعش في غرب أفريقيا غير مؤهل لإعلان دولة الخلافة الآن.

 الفرضية الثانية، التنقيب عن الذهب، فالمنطقة الشمالية الشرقية المتاخمة للحدود مع النيجر مليئة بمناجم الذهب غير الرسمية، ومن المحتمل أن تنظيم داعش يرغب في الاستيلاء على مناجم الذهب لهذا يهاجم القرى القريبة من المناجم لتهجير سكانها والسيطرة على عمليات التنقيب منفرداً.

بعد خسارة داعش لدولة خلافته المزعومة في سوريا والعراق بدأ يعمل على التوسع في القارة الأفريقية لاسيما غرباً

ويرفض البعض هذه الفرضية لأنّ داعش بالفعل يسيطر على الكثير من مناجم الذهب، فقد كشف مسح حكومي بصور الأقمار الصناعية في العام 2018 عن احتمال وجود حوالي 2200 منجم ذهب غير رسمي، وكان نصفها تقريباً يقع على مسافات في نطاق 25 كيلومتراً من مناطق شن فيها مسلحون هجمات.

وحسب "سكاي نيوز" ينفق داعش من عائدات تجارة الذهب على عملياته الإرهابية وعلى عناصره، وتسيطر القاعدة وداعش على الكثير من مناجم الذهب لهدفين؛ الأول لاتخاذها ملاجئ للاختباء، والثاني يمارسون عملية التنقيب بأنفسهم ومع متطوعين، وحسب وكالة الأنباء "رويترز" كشفت بيانات ومقابلات مع أكثر من 20 من عمال المناجم وسكان المنطقة ومسؤولين حكوميين وأمنيين أنّ الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش تستغل مناجم الذهب والتي أصبحت إلى حد بعيد خارج نطاق سيطرة الدولة، وتبلغ حجم تجارته غير الرسمية ملياري دولار، فلا سبب منطقياً يدعوهم الى مزيد من الهجوم على الأهالي وتهجيرهم لهذه الغاية.

تسيطر القاعدة وداعش على الكثير من مناجم الذهب

الفرضية الثالثة أنّ داعش يستهدف من عملياته الأخيرة إعلان سيطرة وقدرة على الوجود، وقدرة على التموضع، وضم تنظيمات قاعدية جديدة لصفوفها، ليقود ما يعتبره الجهاد العالمي ضد الصليبية العالمية (أوروبا وأمريكا)، وتهديد مصالحها في خط أنابيب غاز غرب أفريقيا (WAGP)، وهو خط يبلغ طوله 678 كيلومتراً من احتياطيات الغاز في منطقة اسكراڤوس، نيجيريا في دلتا النيجر إلى بنين، توغو، وغانا، وهو أول نظام نقل غاز طبيعي إقليمي في الصحراء الأفريقية الكبرى، والذي يقدر بقيمة 16 مليار دولار، والمناطق الحدودية المستهدفة من التنظيم تقع بين النيجر إحدى دول نقل الغاز وبروكينا فاسو، كما أنّها تتوسط 5 دول في قلب أفريقيا.

اقرأ أيضاً: خطر "داعش" يخيّم من جديد على العراق

وهذه الفرضية هي الأقرب إلى تفسير إصرار داعش على المذابح الوحشية، مستغلاً حالة الفوضى العسكرية وانشغال القوى العالمية بمواجهة الانقلاب في مالي أو في توطين المجلس العسكري في تشاد، لإعلان وجوده عبر عملياتهم الوحشية.

غير أنّ ثمة مخاطر لم يحسب لها "داعش" حساباً، منها أن تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن تنامي قوة التنظيم مبرر كافٍ لتدخلها المباشر وإقامة قواعد عسكرية في المنطقة، مع ملاحظة أنّ واشنطن استعدت  بالفعل لذلك، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية مع فرنسا وهي القوة المسيطرة  في غرب أفريقيا والتي لديها حوالي 5000 جندي في المنطقة لتوفير المراقبة الجوية من طائرات بدون طيار تحلق من قاعدة جوية جديدة بقيمة 110 ملايين دولار في شمال النيجر.

فهل يستمر داعش في عملياته غرب أفريقيا وبوحشيته التي تؤرق الرأي العام العالمي، أم تنتصر الجهود العالمية في حقن دماء المدنيين الأبرياء الذين يدفعون الثمن دائماً؟

الصفحة الرئيسية