الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

مشاهدة

30/05/2020

أن تترك الحكومة إدارة المساجد والشؤون الدينية للمجتمع، لا يمنعها ذلك من تطبيق القانون، هي تنظم العملية من خلال المجتمع كما لو كانت تديرها بنفسها كما تفعل مع الجمعيات، وفي الحقيقة سوف تتحول إدارة كل مسجد إلى جمعية مسجلة.

يبقى السؤال؛ هل بإمكان المجتمعات تولّي الشأن الديني؟ نعم بالتأكيد، وإلّا فلا معنى للانتخابات البلدية واللامركزية، وحتى لو كانت غير قادرة على ذلك؛ فيجب أن تفعل؛ فتلك هي مسؤوليتها؛ حيث يؤدي التخلّي عنها أو تفويضها للدولة إلى تغوّل السلطة السياسية باسم الدين، أو تغوّل السلطة الدينية على الدولة.

لقد ألحق الإسلام السياسي سواءً على يد السلطات أو الجماعات أضراراً بالغة بالدولة والمجتمع والإسلام معاً

والمسألة ليست تنظيمية أو سياسية وحسب، إنما تصحيحٌ في رسالةِ الدين ودوره، وفي رسالة ودور الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما، وفي الحديث عن الدور المجتمعي، أو ولاية المجتمع على الشأن الديني، لا يمكن بطبيعةِ الحال إغفال أزمة المجتمعات، وأولوياتها وتطلعاتها واحتياجاتها.

لقد ألحق الإسلام السياسي، بما هو التوظيف والاستيعاب السياسي للإسلام، سواءً على يد السلطات، أو الجماعات، أضراراً بالغة بالدولة والمجتمع والإسلام معاً، وأنشأ صراعاً سياسياً واجتماعياً جديداً على الدين والشرعية، على حساب القيم السياسية، والاجتماعية، التي تنظّم علاقة الدولة بالمجتمع، والعقد الاجتماعي الناظم لمسار واتجاهات الدول والمجتمعات والأسواق.

كما ارتكبت السلطات السياسية في هذا السياق أخطاءً تاريخيةً متراكمة، منها الاستناد في السلطة والحكم إلى شرعيةٍ دينية مبالغ فيها، وتفوّقٍ ما يمكن أن يمنحه الدين لترسيخ الحكم والنظام السياسي، وفي ذلك غُيّب العقد الاجتماعي، والمصالح الأساسية للدول والمجتمعات وتنظيم العلاقة بينها، وأقحم الدين والشرعية الدينية في الصراع مع الخصوم والمنافسين، فوضعتْ الأنظمة السياسية نفسها في ميزان التقييم على أساسٍ ديني، ووجدتْ نفسها في مواجهةِ خصومٍ يقدّمون الأدلة والمبررات التي تستند إليها الأنظمة السياسية بأحقيتهم في السلطة والحُكم، وأسرفت السلطات والجماعات المتحالفة معها أو المنافسة لها في توظيف الدين لبناء الهويات الوطنية، والتماسك الاجتماعي وراء الأنظمة السياسية، أو الجماعات والأحزاب السياسية، الأمر الذي وإن ساعد الدول في اكتساب شرعية سياسية ودينية، فإنه أثار صراعات داخلية وطائفية، وشجّع على التدخلات الخارجية في شؤون الدول والمجتمعات. كما أممت الحكومات العمل الديني، وحوّلته إلى مؤسساتٍ حكوميةٍ رسمية؛ بخلاف ما كان عليه الحال طوال فترة التاريخ الإسلامي، ما أضعف دور المجتمع، وأضعف أيضاً المصداقية الدينية للدولة.

إنّ عمل الحكومات على تحويل العمل الديني إلى مؤسسات حكومية رسمية أدّى إلى إضعاف دور المجتمع كما وأضعف المصداقية الدينية للدولة

وكانت المآلات الطبيعية أنّ قامت السلطات والجماعات بإضعاف المذاهب الفقهية والعلمية، والمؤسسات المجتمعية العلمية والروحية، إلى حدٍ يقترب من القضاء عليها، أو تغييبها، وفي ذلك فقد أضعفت أو غيّبت الدور الاجتماعي والروحي للدين وطابعه الفردي، ليغلب عليه الطابع السّياسي، وحشد الدين في الصراعات والأزمات السياسية الداخلية والخارجية، الأمر الذي أضرّ بالسلام، والتكامل الاجتماعي، والعلاقات الخارجية للدول، كما أضرّ بالمشاركة العالمية للمسلمين دولاً وأفراداً ومجتمعات، وجعلهم غير متقبلين في العالم، وغير قادرين على تقبل العالم.

إنّ انحسار العلمانية كان سياسة/ مغامرة رسمية، معطوفة على موجةٍ دينية صعدت واجتاحت العالم عامة، والعالم العربي والإسلامي خاصة. واليوم، في ظل هذه الصراعات والحروب الأهلية المدمرة للدول والمجتمعات والموارد، هل تدرك السلطات في الدول العربية ضرورة الدخول في سياسات عامة وتعليمية، تضع الدين في السياق العام للإصلاح والتنمية، وتجنبه التوظيف السياسي؛ سواء من قِبل السلطة أو الجماعات السياسية والاجتماعية؟

اقرأ أيضاً: لماذا لم ينجح التصوف كبديل لجماعات الإسلام السياسي؟

يجدُ الكاتب نفسه ملزماً بالتضحية بالحصة الأكبر من المساحة المخصصة ليجادل، وسيفشل في ذلك على الأرجح، بأنّ العلمانية ليست بالضرورة هي اللادينية أو عدم التدين. وهي بالتأكيد وعلى الدوام، ليستْ معادية للدين، إنها في بُعدها التطبيقي السياسي حياد الدولة تجاه الدين؛ بمعنى أنّها تدير السياسة العامة والتشريعية مستقلة عن الدين، ولكنّها بسبب حيادها نفسه، ملزمةً بالحريات الدينية، وحماية الدين، والجماعات الدينية المختلفة.

قد تكون المسألة الثانية الأصعب في الجدل، هي أن ّالاندماج بين الدين والدولة تمارسه السلطات والحكومات العربية، أكثر من جماعات الإسلام السياسي؛ وأنّ العلاقة القائمة بين الدولة العربية الحديثة منذ نشأتها وبين الدين، هي أكثر استحضاراً للدين من أي فترةٍ تاريخيةٍ سابقة؛ وأنّ أزمة العلمانيين، الذين هم بالتأكيد ليسوا أعداء للدين وليسوا بالضرورة لادينيين، مع السلطة، أكثر مما هي مع جماعات الإسلام السياسي، وإن كانت هذه الجماعات رافضة للعلمانية ومعادية لها.

ستوفر النُخب والقيادات السياسية للدول تضحيات وأوقاتاً كبيرة وعزيزة إذا بادرت بردّ الصراع القائم اليوم إلى جذوره الأساسية والتاريخية

ستوفر النُخب والقيادات السياسية للدول، تضحيات وأوقاتاً كبيرة وعزيزة، إذا بادرت أو غامرت بردّ الصراع القائم اليوم إلى جذوره الأساسية والتاريخية، وهي ببساطة وبداهة: الحكم، والفرص، والموارد.
فالأمم والأفراد والجماعات والدول، على مدى التاريخ والجغرافيا، تتنافس وتتصارع حول الموارد والسلطة: مَن يحكم؟ وكيف تقسم الموارد، التي يُعتقد خطأ أنها نادرة، بين الناس والجماعات؟ ويستوي في ذلك صراع الإخوة، والعشائر، والدول، والقوى العظمى والصغرى. ثم وبعد الاعتراف بحقيقة الصراع وجوهره، تأتي محاولة تنظيمه؛ ليكون سلمياً ما أمكن ذلك، وإن تعذّر، فلا حاجة، بل هو أمرٌ كارثي، لاستحضار الدين في الصراع، وجرّ الأفراد والمجتمعات والمجاميع الكبيرة، من الأطفال والنساء والشيوخ والمحايدين والمستضعفين، إلى صراعاتٍ وحروبٍ مدمرة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا تؤثر نتيجتها عليهم سلباً أو إيجاباً.

اقرأ أيضاً: هكذا جعلت حركات الإسلام السياسي المساجد معقلاً للعمل الدعوي

ويمكن للمجتمعات أن توفر الموارد والوقت، وتحمي الأرواح والممتلكات والحريات والحقوق، لو أنها تكلف نفسها بإدراك مصالحها وما تريده وما تحتاج إليه، وما لا تريده ولا تحتاج إليه، وتنشئ على ذلك وعياً بمسار النضال وأهدافه: لأجل ماذا تضحي؟ ولأجل ماذا لا تضحي ولا تتدخل؟

ستكون المجتمعات، بالطبع، أبطأ من النخب في تحولاتها وتشكيل وعيها الجديد، لكن ربما يكون الحلّ العملي أو الأكثر وضوحاً هو أن تتقدم نخب وجماعات ومؤسسات مجتمعية جديدة أو مختلفة عن تلك المهيمنة اليوم، والملوثة بالدماء والأموال المنهوبة، لتقود المجتمعات، أو تدلها أو تشاركها في وعي جديد، لا يكتشف العجلة من جديد، ولكنه فقط يقتبس بنزاهة ووضوح تجارب الأمم والمجتمعات في الصراع والتقدم، ويجنبها عقوداً وربما قروناً طويلة، من الصراع العبثي المدمّر.

انحسار العلمانية كان مغامرة رسمية معطوفة على موجةٍ دينية صعدت واجتاحت العالم عامة والعالم العربي والإسلامي خاصة

لكن لماذا العلمانية، وربما العلمانية فقط، هي المخرج من هذه الحروب الأهلية؟ ولماذا هي الدليل العملي والواقعي للنجاة والإصلاح؟ لأنها، وببساطة، تمثل النظر إلى العالم المشهود بما هو كذلك، على النحو المفضي إلى معرفته، وعلى أساس الإقرار مسبقاً بعدم معرفته، ما يعني، بالضرورة، أنه ليس لأجل ذلك ثمة حق نزل من السماء.

وهكذا، فلا مناص لنا بعد هذه القرون الطويلة من الحروب والتيه، سوى أن نعود إلى النقطة الأولى المملة والقاسية: أن نفهم ما نريده ونحتاج إليه، بما تسعفنا به عقولنا ومداركنا في الرؤية والاستيعاب، وبما يحفزنا جهلنا لذلك الإنجاز؛ وتلك هي العلمانية ببساطة.

الصفحة الرئيسية